صفحات الثقافة

حمص في الدانمارك/ فاروق يوسف

 

 

قبل المطر وبعده

أن ترى هاغبرت سولوس في انتظارك في محطة القطار فذلك حدث استثنائي. أما أن تكون ماذر غيردا قد هيأت بنفسها مائدة عشائك فإن عليك أن تفكر في دنو القيامة بطريقة مرحة. لقد وصلت إلى مدينة سيلك بورغ الدانماركية بعد رحلة طويلة استغرقت نصف نهار ونصف ليل. غير أن ما لم أكن أتوقعه، أن يقال لنا قبل الوصول إلى تلك المدينة بنصف ساعة إن القطار سيتأخر بسبب الأمطار زمناً لا يمكن تحديده. لم يكن أحد في محطة سكندر بورغ قادرا على تفتيت الاحباط الذي صرت أشعر به. لكن فجأة ومن غير تمهيد قيل إن القطار الذاهب إلى سيلك بورغ سيأتي بعد نصف ساعة. وصلت قبل المطر بساعة، بل بعده بربع ساعة وكان ذلك فألاً حسناً. كانت المدينة أمامي بيوتاً وشوارع وعابرين ولم يكن أحد في انتظاري. كان صوت الرسام السوري مصطفى الياسين المقيم في النروج قد أخبرني بأنه في طريقه إلى المحطة. لم أكن متعباً لذلك قررت أن أصوّر ليل محطة قطار تقع في مكان ما من الدانمارك. مكان أجهل موقعه على الخريطة.

“أنا هاغبرت”، ثم أضاف ضاحكاً: “وهذا مصطفى الياسين”. فاجأني النحات النروجي برقته وتواضعه قبل أن احتضن صديقي الياسين الذي اختصر وجوده بشهقة حمصية: “مية ألف ورده”. أكان عليَّ أن اكتفي بهذه الالفة لأعود أدراجي إلى أسوج شاكراً النعمة الالهية التي حظيت بها؟ سيكون عليَّ دائما أن أتذكر أن هاغبرت وهو أكبر نحاتي النروج المعاصرين كان في انتظاري في محطة قطار كنا غريبين فيها. تذكرت امرأ القيس وهو يقول “أيا جارتا أنا غريبان ها هنا وكل غريب للغريب نسيب”. كان هاغبرت هو الآخر ضيفاً على المدينة، غير أن منحوتته التي سيتم وضعها في حديقة مركز الفنون هي من أسباب قدومي إلى المدينة. هذا ما ألهم مديرة مركز الفنون أبين فورم فكرة دعوتي لزيارة المدينة التي لم اسمع بها من قبل.

لا يحتاج المرء إلى زمن طويل لكي يكون صديقاً لهاغبرت.

يمكنك أن تراه مستقلاً، شفافاً ووحيداً في كل لحظة تساؤل مشوبة بالاعجاب. ويمكنك أن تشتاق إلى صوته حين يصمت، وهذا ما يفعله في استمرار. كنا صديقين منذ اللحظة الأولى. ضربت الكيمياء روحينا بهسهسة عناصرها العاصفة. لذلك كان شعوري بالضياع أخفّ مما توقعت.

في الثناء على البطاطا

لم تكن خريطة الشوارع واضحة حين أخذونا إلى مكان الاقامة التابع لمركز الفنون. كان هناك ليل وكان هناك مطر سابق. كانت الغرفة أنيقة، تطل نافذتها على مشهد أخاذ. في المطبخ كانت المفاجآة جاهزة. النحاتة غيردا اندرسون بنفسها كانت قد أعدّت مائدة عشائنا. قالت وهي تقبلني: “كله لحم بقري”. أجبتها بمرح: “لست من رعاة البقر الأميركيين”. كانت هناك على العشاء قيّمة فنية من النروج تدعى غريتا، جاءت خصيصا من أجل أن تنقل المعرض المقام في سيلك بورغ إلى أوسلو. لم أكن لحظتها أفكر في المعرض الذي سأراه غداً. كنت أراقب ماذر غيردا (1932) وهي واحدة من كبرى الفنانات في الدانمارك. هل كانت غيردا تراقبني؟ كان حنانها يتدفق بهدوء وتلقائية. نسيتُ الطباخة غيردا في لحظات وصرت أفكر في غيردا المعجبة بديفيد هوكني الذي صارت تذكره في بيت ابين فورم، مديرة مركز الفنون في الليلة التالية. لم تر أبين ضرورة لتقديم نفسها إليَّ. كانت سيدة المكان بلا منازع. كانت الكتب في كل مكان. الأجمل في تلك السيدة أنها قدمت لنا عشاء طبخته بنفسها. شرحت لنا ما فعلته بحس فكاهي، وهي تثني على معجزة البطاطا التي أنقذت شعوبا من الجوع. كم كان ذلك العشاء طيباً. ما حييت لن أنسى طعم تلك البطاطا بالسمك الذي اختفى وبقي شيء من أثره وسلطة الطماطة والجبن. شيء من رقة تلك المرأة كان ممتزجاً بنكهة ذلك الطعام. لم ينه مصطفى الياسين حكاياته وكانت ماذر غيردا تراقبه وهو يذهب بين حين وآخر للتدخين في الحديقة. كان حنانها يغفر له أخطاءه. في الفيلم الوثائقي الذي انتج من أجل مناسبة المعرض، كانت ماذر غيردا ترافق الياسين وهو يلقي القناني التي ضمّنها رسائله إلى أخواته السبع في سوريا. كانا يقفان معا على البحر، كما لو أنهما ينتظران أن تقع المعجزة ويهبط الهدهد. لم يكن الياسين بالنسبة إلى ماذر غيردا إنساناً ميؤوساً منه بسبب حزنه. كان اكتشافها كما لو أنها كانت ترى فيه حيوية كائناتها النحتية وقد تحولت إلى بشر محلقين. بشر من كلمات كان الياسين يصفها بين سطرين لينقلها بين لغتين، العربية والانكليزية، بخفة طفل.

حقول مسكونة بالفن

أمن أجل تلك اللقاءات الحميمية النادرة ذهبت إلى سيلك بورغ؟ أعتقد ان هذا الأمر يستحق كل هذا العناء وإن كان هناك شيء آخر. كان هناك معرض عنوانه “بداية”، عنوانه الثانوي، “نهاية الخريف بداية الربيع”، يدل على مضمونه. هو عن حمص، المدينة السورية المنكوبة التي لم يرها الياسين المولود فيها منذ أكثر من ربع قرن. وكانت هناك أيضا منحوتة هاغبرت الآتية من النروج لتنتصب في حدائق المركز إلى جانب منحوتات عالمية سبقتها إلى المكان. غير أن الحدثين صارا خلفي بعدما التقيت بصانعيهما. كان المكان في ذاته مأثرة شعرية. أخرج من مكان الإقامة لأرى صفاً من الأشجار تسلقت خضرته الصخور العملاقة، ليسلّمني إلى طريق ريفي ضيق كانت المنحوتات تستقر بين منعطفاته، كما لو أنها هبطت من السماء منذ زمن قديم واستقرت هناك. كان نغم تلك المنحوتات ينبعث في كل لحظة نظر ليضفي على الطبيعة من حولها سحر ايقاع لم تتعرف إليه من قبل. فجأةً ينكشف ذلك الدرب عن مبنى قديم، يظنه المرء أول وهلة مدرسة أو ديراً. هوذا مركز الفنون على البحيرة مباشرةً. كان عليَّ أن أفكر في متعة أن يكون المرء سمكة وفناناً في الوقت نفسه. “أيقوى هذا المكان الزاخر بالحياة المترفة على أن يتذكر الموت في حمص؟”، سألت نفسي وأنا ألج بوّابة المركز. منذ لحظة النظر ألأولى تأكد لي أن الحرب بضجيجها ونفاقها وصفقاتها كانت مستبعَدة. كانت حكايات مصطفى الياسين العائلية قد وجدت طريقها إلى أن تؤلف صوراً وتماثيل وقّعها فنانون كبار من النروج والدانمارك. كان المعرض مشهداً احتفالياً بحمص التي لن تعود. حمص الحكايات التي تُروى كما لو أنها لا تعود إلى أحد بعينه. حمص الذاهبة إلى غيابها مزيجاً من خيال الواقع وبداهة الخيال. كانت غيردا قد استلهمت حكاية زهور الجوري التي كانت مادة لصنع المربى في حمص في منحوتة وضعتها على الأرض. أما هاغبرت فقد ضمن منحوتته التي هي عبارة عن بقايا بيت حمصي، شال امرأة خبأته بين حجارة ذلك البيت فيما كانت عين القناص جاهزة لالتقاط العابرين. كانت مارتا بنت حريصة على التنقيب في الماضي البدائي للمدينة لتنسب كل ما يقع إلى عالم الأشباح الذي اخترعته منحوتات مدوّرة وأخرى علّقتها على الجدران.

المفاجأة أن ماذر غيردا كما يسمّيها مصطفى الياسين، كانت قد صنعت فسيفساء من صور التقطتها بنفسها في مختلف المدن السورية. كانت تلك الفسيفساء عنواناً للعذاب السوري، من حيث تمكنه من الجمال. قالت لي غيردا: “لقد قضيت أوقاتا ساحرة في ذلك البلد العزيز”.

حمص الجمال النائم

في ذلك المكان كانت هناك حمص، لكن من غير ضجيج دعائي وبشهقات سرية لا ترغب في تلويث الجمال بنزيفها. كانت هناك حمص الدافئة بإنسانيتها، ببراءة ضحكتها، بيأسها الذي يرحم الأمل، بفكرتها عن حياة لا يمكن استعادتها. من قاعة إلى أخرى، كنت أتنقل بين حارات حمص، وكانت ماذر غيردا تحتضن مصطفى الياسين وهو يلقي بقنانيه المعبأة بالرسائل إلى البحر. ليت العالم كله يرى حنان ماذر غيردا وهي تنظر إلى تلك الرسائل الذاهبة إلى الأخوات السبع الموزعات بين مناطق النزوح. أليس هذا ما يبتغيه الفن، رسالته في ايقاظ الجمال النائم؟ بالنسبة لي كان ذلك المعرض مناسبة للتعلم. لا يحتاج الفن إلى الصراخ لكي يكون وفياً لقضيته. كان الفن وفياً لحمص التي تحتاج إلى مَن ينصت إليها.

النهار

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى