صفحات الناس

الإعلام الرسمي السوري: خطاب دموي و«تخوين» للمعارضين

لندن – «الحياة»

من يتابع وسائل الإعلام الحكومية السورية، المرئية والــمسمــوعـــة والمطبوعة، يُفاجأ باستخدامها خطاباً دموياً غريباً عن لغة الميديا العالمية عموماً.

فإلى جانب حديث هذه الوسائل عن «حرب تواجهها الدولة السورية» وعمليات تطهير نوعية للمدن والمناطق السورية من العصابات الإرهابية المسلحة، وملاحقتها فلول الإرهابيين، تبث الإذاعة السورية في شكل متواصل أغنيات لا يمـــــكن وصفها بأنها وطنية بسبب غلبة خطاب القـــتل عليها. فمثلاً يغني أحد المغنين السوريين في الإذاعة السورية: «مبروك نصرك يا شعب سورية… بنتي (ابنتي) قتلتا (قتلتها) وما شفقت عليا (عليها)». وتركز أغنيات أخرى على تشجيع الجيش السوري على الشهادة، مثل أغنية تقول: «الجيش السوري بصم بدمه… ما بتهمه (لا تهمّه) دمعة أمه»، فيما تتحدث بعض الأغاني عن قوة قرار الشعب السوري، محاولة الإيهام بأن هناك تماهياً بين الشعب والنظام في سورية: «الشعب السوري لما بيحكي… العالم كلو بدو يسمع».

حماسة على الشهادة

تسلط الصحف السورية الرسمية الضوء في شكل كبير على شهداء الجيش العربي السوري في صفحات أسبوعية مخصصة لذلك، من خلال لقاءات مع ذويهم ونشر صور لهم ولعائلاتهم التي يبدو عليها البؤس الشديد. وأصبحت زيادة أعداد الشهداء والأحاديث مع عائلاتهم مادة دسمة للصحف الرسمية. وتحاول الصفحات المخصصة لذلك إقناع القراء بأن «الشهادة هي الطريق الأوحد لصون الأوطان»، وكأن «شهادتهم» جاءت نتيجة حرب مع العدو دفاعاً عن الأرض. وغالباً ما تشير الصحف إلى «سعادة ذوي الشهيد بشهادته»، فزوجة أحدهم قالت لصحيفة سورية حكومية: «أفتخر وأعتز باستشهاد زوجي البطل»، بينما تحدث والد أحدهم قائلاً: «ضحّينا بالكثير، ومستعدون لتقديم المزيد لتبقى سورية بخير». وفضلت إحدى الأمهات الحديث عن فضائل ابنها فقط، وأنه «كان مريحاً في كل شيء. فمنذ نعومة أظفاره كان يعمل ويعيل نفسه حتى نيله إجازة الحقوق، وقبل استشهاده زارنا وساعدنا في زراعة التبغ وأصرّ على زيارة كل الأقرباء، ولم أدرك حقيقة تصرفه إلا عندما أتاني ملفوفاً بعلم الوطن».

ولا تتوانى الصحف الرسمية السورية عن تشبيه الضحايا بـ «النجوم في سماء البلد» و»الأبطال الميامين»، وغالباً ما تعنْون صفحات «الشهداء» بعنوان «نفوس أباة وماض مجيد» المأخوذة من النشيد السوري.

وفي تناقض غريب، نشرت «شام إف إم»، وهي إحدى القنوات السورية التي تبث عبر الإذاعة والتلفزيون، في أيلول (سبتمبر) الفائت تهاني لبعض العائلات بمقتل أبنائهم: «نهنئ آل كذا بشهادة بطلهم الغالي، الله يرحمك يا غالي»، و»مبارك لقرية عين الشقاق بشهادة البطل المهندس…»، فيما كانت في الوقت ذاته تنشر معايدات لمناسبة عيد ميلاد «قائد الوطن» بشار الأسد، بالإضافة إلى دعوات إلى حفظه وصونه.

التخويف من «القاعدة»… و»الائتلاف»

وليس بعيداً من التخويف من «العصابات الإرهابية» و»العصابات المسلحة» والحديث عن القضاء عليها شيئاً فشيئاً، كادّعاء المواقع الإلكترونية المحسوبة على النظام بـ «مقتل قائد مجموعة أحفاد الرسول وإرهابي (سعودي) بعملية للجيش السوري»، يظهر التلويح والترهيب الإعلامي بوجود قوي لعناصر «القاعدة» على أرض الوطن. فقد تحدث موقع إلكتروني سوري شبه رسمي عن أن «القاعدة تعزز مواقعها على حساب المسلحين المحليين». ونشر الموقع ذاته خبراً من مدينة داريا تحت عنوان «الجيش السوري يطهّر منطقة دوّار الباسل من المسلحين التابعين لتنظيم القاعدة».

وصرّح وزير الإعلام السوري عمران الزعبي بعد ذلك بأن «الحرب» الدائرة في سورية اليوم أصبحت «بين الدولة ومن يدعم منطقها، وبين تنظيم «القاعدة» و«ائتلاف الدوحة» الذي بات يمثل القيادة السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين» الساعية إلى إعادة تاريخها الأسود في سورية». وذلك في محاولة منه لتحويل الثورة السورية إلى «ثورة إسلامية» تقودها «القاعدة».

وفي هذا السياق، يرى الإعلامي السوري أيمن عبد النور أن «النظام السوري عمد منذ اليوم الأول للثورة إلى نسبها إلى المتطرفين و»القاعدة»، من أجل إخافة الأقليات وكسب تعاطف الغرب وإخافته أيضاً. كما ساهم النظام في تغذية وجود المتطرفين من خلال إطلاق سجناء «القاعدة» الذين كانوا موجودين في «فرع فلسطين» (الأمني)».

ووفق عبد النور، فإن النظام أضاف إلى «القاعدة» أخيراً «الائتلاف السوري»، لأنه اســـتشعر بأنه خطر على وجوده ولأن الدول بدأت تعترف به ويلقى صدى عند الناس في الداخل، بخـــلاف «المجلس الوطني». وبالتالي، عمد النظام إلى تركيز جهوده الإعلامية على ضرب سمعة «الائتلاف السوري» و»تصغيره»، مطلقاً عليه اسم «ائتلاف الدوحة» على غرار «المجلس الوطني» الذي أطلق عليه اسم «مجلس إسطنبول».

ولا يقتصر الأمر على قيام وسائل الإعلام الرسمية السورية بتخويف السوريين من «القاعدة»، وإنما من «الائتلاف الوطني»، فقد سخر موقع إلكتروني سوري من رئيس الائتلاف، مطلقاً عليه «أمير المسلمين»، معنوناً: «أمير المسلمين الخليفة الراجع معاذ الخطيب يعترف بالهزيمة وباستخدام السلاح»، مشيراً في صلب الخبر إلى أن الخطيب «اعترف باستخدام السلاح قبل التظاهرات وقبل اندلاع ما يسمى «ثورة» واعترف بالهزيمة حين قال: «حتى لا ينتصر الأسد انتصاراً كاملاً». وتحدث ساخراً، مسبغاً عليه صفة «خليفة» رسول الله (ص)، مضيفاً أن الخطيب طلب من تركيا «تقديم المزيد من الدعم العسكري لمقاتلي المعارضة».

ولم يتوان الإعلام عن الترويج بأن «المجلس العسكري» و»المجلس الانتقالي» يمنعان النساء من قيادة السيارة في حلب، محذراً بأن «القادم أعظم»!

قتل ودموية… والمشكلة دائماً «إسرائيلية»!

ويرى الباحث الإعلامي عدنان محمد أن لهذا الموضوع وجوهاً عدة، «فلجهة وجود عناصر من «القاعدة» أو تنظيمات يمينية متطرفة، أصبح الأمر حقيقة، ربما لا تحتاج إلى عناء لإثباتها. لكن، لئلا نقع في فخ يريده النظام كفزاعة، لا بد من الإشارة إلى نقاط عدة، أولها أن النظام السوري هو أول نظام في المشرق العربي أوى «القاعدة» ودعمها وموّلها كي تنفذ عمليات في العراق بعيد الاحتلال الأميركي عام 2003. كما أن النظام هو من يسهل دخولها وتكبير أفعالها، وذلك ليعطي انطباعاً بأن الثورة السورية «ثورة إسلامية متطرفة»، كي يجني بذلك فوائد عدة، منها استحواذ تأييد الأقليات، سواء المسلمة من طوائف من غير أهل السنة… أم حتى كسب دعم بعض الدول الغربية التي رأت فيه حامياً للأقليات».

ويستنتج محمد من ذلك كله أن «المسألة مركّبة وتأخذ غير تفسير وتأويل». لكنه يعتبر الأمر طبيعياً، لأنه بعد مرور أكثر من سنتين ونصف السنة على اندلاع الثورة السورية من الطبيعي أن تشوبها مسالك شاذة بعض الشيء، لكن تلك المسالك لا تغير من وجهة الثورة ولا تعطي مبرراً كي تُعامَل بالحديد والنار. ولعل الأهم ألا يكون ذلك «فزّاعة» لتحشد المؤيدين حول النظام وتزيد من عددهم.

ويرى محمد أن «كل ما نراه هو نتائج، ومن يريد قراءة الأزمة السورية عليه البحث في الأسباب التي أدت إلى هكذا نهايات مرعبة. فوجود بعض عناصر من «القاعدة» في بلادنا، وكذلك متطوعين عرب، يشكل استثناء لقاعدة مفادها باختصار أن أطفال درعا نكؤوا جراحاً تراكم عمرها عقوداً، وليس هناك ثمة رجعة مهما استمرت محاولات تشويه الثورة السورية».

بعد نحو سنتين ونصف السنة على الثورة السورية، مارس خلالها النظام أبشع أنواع القتل الجماعي والمجازر واستخدم أنواع الأسلحة المختلفة وصلت إلى حد استخدام القنابل العنقودية، يلجأ النظام السوري اليوم إلى سلاح التخويف والترهيب ممن سيتسّلم السلطة بعده، داعياً أنصاره إلى الموت في سبيله وقتل «أعداء الوطن».

ولا يتردد النظام في الإشارة إلى أن إسرائيل هي من تقف وراء «المؤامرة الكونية» التي يتعرّض لها، لكونه «الممانع الأكبر» في المنطقة، ويسهب الإعلام في الحديث عن ضبط «أسلحة إسرائيلية الصنع خلال مداهمة أحد أوكار المجموعات الإرهابية المسلحة في حي الطابيات في مدينة اللاذقية»، مضيفاً أن الأسلحة تضمنت 40 قنبلة هجومية بعضها إسرائيلي الصنع»!

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى