ديمة ونوسصفحات الثقافة

برزة… خيط أفق رفيع

 

ديمة ونوس

 البيت كان مخنوقاً في عمارة تزنّرها عمارات أخرى. تلك العمارات التي ترتفع خمس طبقات فقط، بنيت على الطريقة الاشتراكية. ملتصق بعضها ببعض إلى حدّ مضجر لا يتيح لسكانها أي حميمية. تتدرج ألوانها بين البني والقرميدي. ألوان كئيبة يكسوها الوسخ بسرعة. فيصبح للعمارات التي لا تغسلها إلا الأمطار، لون مغبرّ تتضح هويته شيئاً فشيئاً عندما نقف بمحاذاتها. ذلك اللون القاتم والكابي كانت تخفف من عتمته ألوان الغسيل الذي تنشره العائلات على حبال ممتدة من الشرفات إلى الخارج.

“شرفتنا” لم تكن تتسع إلا لشخصين، تطلّ على عمارة من هنا، وعمارة من هناك، ومجموعة من العمارات المتراصة كعلب كرتون من كل الجهات. أذكر أن خيطاً رفيعاً من الأفق كان يهرب من بين عمارتين، فيكون باستطاعتي تأمل الغروب. ولم يكن غروباً حقيقياً. مجرد مستطيل صغير أزرق تبدأ ألوانه بالتبدل بعد الظهر، وكانت جلسة بعد الظهر قبالة الشرفة، وتأمل ذلك الخيط الرفيع المتسلل، متعة كبيرة بالنسبة إلي. وكأن ذلك الخيط الملون يحملني من الحيّ الضيق والكئيب ويرميني في قلب المدينة.

لا أذكر أن علاقة طيبة كانت تربطنا بالجيران. جارتنا في الطابق الأرضي من ريف حلب، تسكن وحدها مع خمسة شبان وصبيتين، بعدما تركها زوجها وتزوج امرأة في العشرين. وكانت حديقة البيت الكبيرة، التي يطلّ عليها بيتنا مباشرة، هي البيت بالنسبة إليهم. يطبخون في الحديقة ويسهرون هناك مع تلفازهم الصغير. يلعبون ويتشاجرون في الفسحة الكبيرة. يفترشون أرضها البلاط وينامون ويشخرون. فوقنا بالضبط، يقطن عضو مجلس الشعب الشهير (بطل فيلم الطوفان لعمر أميرلاي)، دياب الماشي، فقط عندما يكون مدعواً لحضور جلسات البرلمان. لا أذكر من زياراته إلى دمشق سوى أنه كان، قبل عودته إلى الضيعة، يفتح صنبور الماء ليشرب وتكون المياه مقطوعة في تلك الساعة المبكرة. ويبدو أن دياب الماشي يصدمه فعل انقطاع المياه، فينسى أن يعيد إغلاقها، ويسافر. ما أن تعود المياه حتى يطوف بيتهم ويرشح سقف بيتنا.

في الطابق الثالث، تسكن جارة مطلّقة مع بنت وصبي. عندما تكون في البيت مع ولديها، لا نشعر بوجودهم على الإطلاق. كنت أتخيل أنهم يعيشون بصمت ويتحدثون بالإشارات. وجارتنا الجبلاوية (نسبة إلى جبلة)، لا ينطلق لسانها إلا عندما تصل إلى مدخل العمارة. عندها فقط، تتذكر كل الأشياء التي تخطر في البال. تقف في الشارع قبالة العمارة وتبدأ بالصراخ لابنتها. تطل ابنتها من الشباك أو من الشرفة، فتبدأ الجارة بحديث لا ينتهي: “لا تنسي تطفي الغاز تحت الطنجرة… اتغدي انت وأخوك بس ليبرد الأكل… إذا اتصل أبوكم قولي له بتقلك ماما يا إبن الكلب ابعتلنا مصاري… إلخ. وجارتنا الجبلاوية كانت تتحدث بلهجة شامية مخففة. فقط عندما تتشاجر مع أحد الجيران، تروح تترغل بلهجة أهل الساحل، لتبث الذعر من حولها.

عندما أستقل التاكسي، وأبدأ بالابتعاد باتجاه قلب دمشق، أتخفف شيئاً فشيئاً من عبء المكان. أحبّ بيتنا الذي ولدت وعشت فيه ستاً وعشرين سنة. لكنني أكره الحيّ. كنت أتمنى لو باستطاعتنا حمل البيت كما هو إلى حيّ آخر، يكشف السماء ويطلّ على الأفق. حدث أمر غريب عندما كنا في زيارة إلى بيت صديق والدي في حمص. ذهلت عندما دخلنا إلى بيتهم، إذ كان نسخة طبق الأصل من بيتنا في حي برزة على أطراف دمشق. الجمعية السكنية التي صمّمت عمارات برزة، اعتمدت التصميم “المذهل” ذاته في مشروعها في حمص!

بعد سنوات طويلة، غادرت جارتنا الحلبية البيت الأرضي. وصرنا نترحّم على ضجيجهم ورائحة طبخهم الدسم. اشترى البيت سمسار وراح يؤجره لسائحين خليجيين يرشون الشرطة ولا يتوقفون عن إزعاج الجيران بأصواتهم وضحكاتهم وعبثهم. وكأنهم لا يضحكون في بلادهم، يكدّسون الحرمان حتى يصلوا إلى لبنان أو سوريا.

البارحة قصفت برزة. لم أحبّها يوماً كما أحببتها البارحة. وذلك الحب بدأ مع بداية الثورة عندما دخلت برزة حيّز التظاهر. صارت أليفة. وأبنيتها الكئيبة التي تعود إلى طراز أغبر، لم تعد موحشة. قصفت البارحة وقتل بعض سكانها، جيراننا في الحي، تقاسمنا معهم سنوات طويلة من الاختناق في عمارات بالكاد تصلها الشمس. قصفت برزة كما تقصف أحياء سورية كل لحظة. القصف يدمّر ويقتل ويشرّد. إلا أنه، ومن حيث لا يدري، يوحّد المصيبة. تفقد الـ”نحن” والـ”هم” معناها. تسقط الجغرافيا وتسقط المعايير الطبقية (نحن أبناء المدن وهم أبناء الريف، نحن أبناء الأحياء المركزية وهم أبناء أحزمة الفقر…).

ثمة من يَقصف وثمة من يُقصَف. فقط. هم ونحن. طبعاً “نحن” تخصّ من يمكث تحت القصف وما زال في سوريا. نحن أينما كنّا في مركز المدينة أو على أطرافها. حتى لو كان الغروب يتسلل من بين عمارتين لونهما كئيب.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى