صفحات سورية

حياة مقامة على عجل/ محمد دريوس

 

في صعود الاقتصاديات وانتقالها الجرمي، من مبحث جدي في كيفية إطعام خمسة أفواه رغيف خبز واحد، إلى اقتصاديات تبحث كيفية ابتلاع بلدان بأكملها، بأسماكها ودجاجات مسنّيها وترابها المجبول عرقا حامضا واشجارها اليانعات ومصيرها أيضا، تحوّل النقد (وتاليا سُبل المقايضة أي لبّ العملية الاقتصادية برمّتها) من سبائك وعملات ذهبية إلى أوراق ملونة، تفيد في ما في تفيد، أن فلانا يحمل ما قيمته كذا من الذهب مقابل تلك الورقة الملونة والحاملة لرأس من الرؤوس، بطل استقلال أو لص مهيب أو لص مهيب بطل استقلال، نعطيه إياها عند الطلب، وذلك يحصل عند قيام الساعة، ذلك قبل أن يعترف الاقتصاد على لسان رسوله كينز أن البشر مادة أولية للمال تعامل معاملة الماشية والآلات والمعادن غير النفيسة، اعترف الاقتصاد ببديهية كانت لقرون خلت، محل إخفاء وتعمية، تحت تسميات كثيرة ليس أقلها: الملك رأس الكنيسة والكنيسة رأس الله، صار الذهب ورقا ملونا يعني هذا ويعني ذاك، ثم صارت قطعة النقد تعني أننا قد نسمح لك بالموت، هاهنا، تحت حكم هذه العائلة وفي جحيم هذه البلاد، عشر سنوات متواصلة، كناية عن استعباد جديد يدور فيه العبيد الجدد ضمن مفاهيم تعني ما لا تعنيه، النقد يعني ذهبا مخبأ في عهدة البنوك المركزية أو عهدة السلالة المقدسة، السلطة للشعب تعني أنه يستطيع في كل مناسبة يحتاج فيها الأب القائد أو ابنه الحصيف أو حتى رئيس حكومة منتخب بطريقة ما، أن يزج به في معارك خالدة، وليس في الخلود ما يماثلها إلا إذا كان الندم خالدا والموت القاني خالدا أيضا.

بدأ كل شيء يحيل إلى شيء آخر مختلف عنه، حروب التحرير تحيل إلى حروب استعباد مناطق جديدة ويد عاملة طازجة تفيد استمرار العوائل المقدسة في نهب ما لم ينهب بعد، القضية الفلسطينية تحيل إلى مافيات دين ومال وأنظمة تتاجر بالنفس الفلسطيني في مخيمات منصوبة على عجل منذ أكثر من نصف قرن، الجمهوريات تحيل إلى ممالك يورث فيها الحكم كما يورث الأثاث المحفور والآنية الخزفية، الشهداء يحيلون إلى موتى، موتى فقط، جانبهم الحظ الحسن فقضوا، تحت شعارات يمكن أن تكتب لاحقا، بدم الناس وأرواحهم، الكلمات لا تعني ما تعنيه، كأننا نشهد عصر اجتراح المعاني وانزياح المقاصد.

المفردات منتهكة،اللغة مغتصبة على أيدي صنّاع رفاهية الشعب ومعارضيهم، لا فرق حقيقيا بين نظام ومعارضيه، يقتل هذا ويقتل ذاك، يقول هذا أنه يقتل بدعوى الإخلاص لوحدة الأراضي ويقول الآخر الكلام عينه مضافا إليه مفردات جديدة لم يستخدمها الأول بحجة التقادم، يدمر الأول بيوتا فوق رؤوس ساكنيها بحجة الإرهاب ويفعل معارضوه الفعل ذاته بدعوى مقاومة الإرهاب، تحول القاتلان إلى حليفين فعليين، في العراق الذبيح وفي فلسطين المخذولة وفي سوريا القدم البيضاء، فثقافة تحول الهزيمة إلى نكسة والنكسة الى صمود والصمود ضبطا وحقا – إلى انتصار، لا نشك بتحويلها قتلا بدم بارد إلى فعل مقدس وقضية مقدسة، جهادا محببا بادئ الأمر ثم فرضا سماويا، وهي في آن واحد، دين ودولة، تحرير وتثوير، والطرفان اللذان يدّعيان العداء مشغولان بعدّ الأيام، كأن الأيام في جيوبهم حبات ملبس بلدي.

ما الذي يحصل إذن؟

تبدو كلمة مؤامرة، فارغة من معناها لكثرة ما ابتذلها النظام السوري وأعلامه ومريدوه من الدول الشقيقة، كلمة تحيل إلى وجه بريء وعينين زرقاوين ودم لا يحصى، يقول مؤامرة: المحلل الخارج من أعطيات الأرق الجمهوري ومباهج ابن الخال المدلل، متناسيا أن النظام الذي يدافع عنه جزء منها أيضا، منذ أن اكتشفت الحكومات جميعها أن هناك عدوا واحدا لها هو الفقراء، وأن لها حليفا أبديا هو رأس المال الذكي والغبي معا، صارت الكلمة تشي بروح أكثر دموية، صارت كلمة مؤامرة بحد ذاتها مؤامرة، فهي ليست كلمة ترمى على عجل في لقاء مدبر ومحكم الثنيات في فضائية وطنية، لكن المؤامرة موجودة، وهي لا تختص بهذا الجزء المهمل من العالم الذي خصّه الرب بأفضل الموارد وأكثر الحكام عمالة، مؤامرة على المواطن الأميركي والفرنسي والبريطاني أيضا، لم لا؟ والعالم منقسم إلى قطط سمان وفئران نحيلة، ربما نصيبنا منها أكثر منهم، ذلك أننا أيضا ممتحنون من الآلهة، تمتحن صبرنا على مؤامرتها المستمرة أيضا.

هل ثمة مفردات أخرى يجري لَيُّ عنقها لصالح مقاصد سياسية تتعلق بمحاور الصراع؟ نعم، هناك مفردة الارهاب أيضا، ربما تهديد كيان الدولة أيضا وتشكيل خطر على السلم الأهلي، التصريح بالإلحاد أو إهانة الذات الملكية أو الإلهية، فتمنع كتب تحمل مفردات بعينها ذلك أنها تهدد السلم الأهلي والإلهي، كلها كلمات تحيل الى معنى آخر، تحيل الى لا معنى آخر، تحيل الى الفراغ الذي يحيل حياتنا بدوره الى درب جلجلة لا تنتهي، اللغة تجلد على يد كتاب وصحافيين، محللين وأكاديميين، يجلدونها لتنطق بما لا تنطق به في القواميس، أخشى أن نصل إلى الوقت الذي تنزاح فيه الطبيعة ومفرداتها لتصل إلى حيث لا معنى يصل ولا مقصد يرتجى، أن نقول شجرة ونحن نعني نصلا حادا، أن نقول نهرا ونحن نقصد فرقة من نازعي الألغام، سيكون للغة الجديدة معان أخرى مغايرة، مثلما لحياتنا سبل أخرى في مخيمات تقام على عجل، حياة تقام على عجل.

(شاعر سوري)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى