صفحات الثقافة

الأنظمة الاستبدادية هي التجسيد المثالي للفوضى!

 


بول شاوول

على امتداد عهودهم القميئة، الدموية، عاش الطغاة على لغة التهويل. والتهديد. والنذير. والتخويف: أيها الشعب كن سعيداً فأنت بأمان في ظل قمعنا (والأمان قمع) انت آمن. والحياة آمنة. والأوضاع مستقرة. والعقول هادئة. والنفوس ساكنة. أنت تتمتع بنعيم الاستقرار.. فنحن نمنع “الارهاب” من بث الخراب. ونحن نحارب “الأصوليات” التي تهدد “هوياتك” ونحن نقاتل “السلفيات”… وبن لادن، والظواهري، والأخوان المسلمين والتطرف الديني… نحن (يقول الطغاة) صِمام أمان المجتمعات. نحافظ علينا أيها الشعب: كن وديعاً كالنعاج. قنوعاً كالدجاج. ذليلاً كالقطعان. حكيماً كالأرنب. نحن ننتخبك أيها الشعب، لنزيح عن كاهلك، مشقة انتخابنا. نحن نفكر عنك بدلاً من ان تتعب نفسك بالتفكير عن نفسك. نحن نرد عنك المؤامرات الخارجية بصدورنا “المدججة” بالنياشين. نحن نصّد الأعداء عن بلادنا… وعليك أن تقتنع بوجهة نظرنا عن الأعداء. اسمع: من الممكن ان تكون انت العدو إذا خطر لك ان تنتقد. أو ان تحتج. أو ان تبحث عن ارادتك الوهمية. أو تقول “لا” إقنعْ بواقعك المعلن و”القناعة كنز لا يفنى”. إقنعْ، وعش “رغيداً” ولو جائعاً، ولو مريضاً، ولو ذليلاً: فللرغد ثمن هو الحرية. لأن الحرية في أيدي الشعب خطر عليه، وعلى أولاده. وعلى مستقبله. الحرية تعني السجن. والاعدام احياناً. والاغتيال. والعمالة. والمؤامرة. انتبه ولا تتوهمن بان الحرية تجلب لك غير الفوضى أيها الشعب. نحن اهل النظام فقط نتمتع بالحرية، لكي نمنع عنك حرية الفوضى، فوجودنا هو التناغم. والسلام. والسلم المضبوط. والتفكير في التمرد علينا (تحت شعار الديموقراطية، او الحقوق ، او الحرية) يعني السقوط في الفوضى: في الحرب الأهلية. في الفتنة الطائفية والمذهبية. في الخراب. والدمار. وعودة “الاستعمار” وخدمة العدو الإسرائيلي والأميركي، والأوروبي… كل ذلك سيهدد وجودَك وسكينتك أيها الشعب إذا أدت “المؤامرات” إلى إخراجنا. هذا ما قاله “مبارك” قبل سقوطه. سقط ولم تحدث لا فوضى ولا خراب إلا ما أحدثه البلطجية المرتبطون بالأجهزة وذهب بن علي ولم تقع تونس في الفوضى. ولا جاء “السلفيون” إلى تونس ولا “الأخونجية” إلى مصر. على العكس. “الفوضى” كانت في كل من تونس ومصر في صلب النظام. كل نظام استبدادي يقوم على الفوضى العضوية التكوينية. الفوضى كامنة في النظام لأن هذا الأخير يلغي القوانين ولأن القوانين تستخدم ضد العدالة. ولأن العدالة مصدرها السياسة. ولأن السياسة في أيدي الحكام. إذاً لا دستور حقيقياً قابلاً للتنفيذ. دساتير الأنظمة الاستبدادية “تصاغ” على مقاس الحُكام، فالحاكم هو الدستور. وهو الدولة… وهذه هي الفوضى بعينها. وما يطالب به المنتفضون هو الحرية، الديموقراطية، وفصل السياسة عن القضاء، إلغاء قوانين الطوارئ فك الارتباط بين هوية الدولة وهوية الحزب الواحد. لإلغاء الفوضى. ان المنتفضين يطالبون بالتعدد الذي يوفر توازناً في الحياة السياسية. ويطالبون بتداول السلطة ليكون الصراع داخل المؤسسات وعبر الشعب. بينما الأحادية هي الفوضى. والذين فجروا “الفوضى” اثناء الانتفاضة في مصر هم بلطجية النظام. والذين ارتكبوا الجرائم في تونس وأشاعوا الفوضى هم شبيحة النظام. وما المعارك المندلعة في اليمن وفي ليبيا إلاّ من صنيعة النظامين، وليس من شباب الانتفاضتين، فأنظمة الاستبداد سواء من ذكرنا أو من لم نذكر لم تكن خلاقة إلاّ في تدميرها التوازنات الاجتماعية والسياسية ومن الطبيعي ان تلجأ هذه الأنظمة سواء قبل سقوطها، أو اثناءه (أو بعده) إلى التهويل (اضافة إلى الفوضى) بالمؤامرة الخارجية وكعاداتها تجلب بعضهم (ومن الأجهزة) تقوّلهم ان جهات خارجية اتصلت بهم وعرضت عليهم اموالاً… وسلاحاً: ثم يصورون الأسلحة والأموال.. والواقع ان المؤامرة تتجسد في استمرار هذه الأنظمة بالذات: انها المؤامرة المستمرة على شعوبها. ومن الفوضى، إلى المؤامرة يطلقون تهاويلهم وتهديدهم بالتقسيم والحروب الأهلية والصوملة والبلقنة والعرقنة. والواقع ان الفتن التي يهدد بها أهل الأنظمة المنهارة هي من صنعهم، ومن ضمن عدّتهم وتفكيرهم لترهيب الناس، واعتبار ان استمرارهم وحده ضمان الوحدة.. والسيادة! وارتباطاً بالمؤامرة وبالمال والسلاح والفتن والفوضى هناك “زجلية” جاهزة يستعملها هؤلاء بتوجيه رسائل إلى الداخل والخارج: بن لادن، الظواهري، السلفيون، الأخوان المسلمون”. والواقع، وحتى الآن، لم نلمح أثراً بين المتظاهرين المدنيين الحضاريين الديموقراطيين السلميين، لا للقاعدة ولا للتطرف، ولا للطائفية، ولا المذهبية… إلاّ في وسائل اعلام هذه الأنظمة وأجهزتها البروباغندية والأمنية.

واخيراً: الغريب ان هذه الأنظمة المنكوبة بثورات شعوبها تجنبت هذه المرة أسطوانة “خدمة العدو الإسرائيلي” او الأميركي… أو الأوروبي! لماذا! الله اعلم! اترى لأن الأميركان أو اسرائيل أو بعض أوروبا يؤازرونها ضمناً، أم تنتظر ان ينجدوها في اللحظات الحاسمة.

المهم انهم استبدلوا اسرائيل كمصدر للمؤامرة عليهم ببعض الجهات العربية وغير العربية. رائع! رائع! رائع!

وتقولون إن هذه الأنظمة ليست ذكية! ولو. إلى درجة انهم لم يدينوا حتى التدخل الأميركي والأطلسي في ليبيا.. وفي اليمن!

على هذا الأساس ابحثوا ايها الطغاة جيداً عن “متآمرين” افتراضيين لكي لا تُغضبوا في مثل هذه “الأوقات الحرجة” من كنتم تعتبرونهم رأس المؤامرة على الأمة العربية والاسلامية وعلى رأسهم اسرائيل وأميركا!

ابحثوا أيها الطغاة عن “متآمر” سهل!

المستقبل

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى