الرئيسية / صفحات الثقافة / «ما جئتُ لإلقاء خطبة» لغارسيا ماركيز… الطاقة السرية للحياة اليومية

«ما جئتُ لإلقاء خطبة» لغارسيا ماركيز… الطاقة السرية للحياة اليومية


سيد محمود

يعطي كتاب «ما جئتُ لإلقاء خطبة» لغابرييل غارسيا ماركيز الذي صدرت ترجمته العربية أخيراً عن دار «روافد» في القاهرة للمترجم أحمد عبداللطيف، أكثر من فرصة لاكتشاف عالم الكاتب الكولومبي. فالكتاب الذي اعتمد على خطب وكلمات قدمها صاحب «مئة عام من العزلة» في مناسبات مختلفة وتترجم إلى العربية للمرة الأولى، يقدم مفاتيح لفهم عالمه ورؤاه في أمور سياسية واجتماعية وثقافية لا تنفصل في القراءة النهائية عن عالمه الإبداعي، كما تقدم خطاً بيانياً متصاعداً للقضايا التي شغلته طوال رحلة مع الكتابة بدأها وهو في عامه السابع عشر وتواصلت حتى تجاوز عامه الثمانين، اذ ينتهي بخطبة ألقاها عام 2007. في الكتاب أحاديث كثيرة عن الهم العام ورؤى نافذة عن الكتابة لا تغيب فيها نبرة السخرية التي ميزت صوت صاحبها في كل ما قدم خارج حدود الرواية. فالشهرة التي نالها لا تعني له أي شيء سوى المسؤولية، إذ يعتقد أن الاحتفاء العام بأي كاتب هو بداية للتحنيط، والكُتاب أصبحوا كتاباً، لا لأنهم أرادوا ذلك بمحض إرادتهم، بل لأنه ابتلوا بمصيبة العجز عن أن يكونوا شيئاً آخر، كما أنهم لا يستحقون أي مكافأة على ما يقدمون أكثر مما يقدم لإسكافي بعد صنع حذاء، مشيراً إلى أن الكتابة ربما تكون المهنة الوحيدة التي كلما مورست ازدادت صعوبتها. وتبرز في الكتاب الخطبة التي ألقاها ماركيز في آذار (مارس) 2007 وتحدث فيها عن حلم راوده وقت كتابة روايته الأشهر «مئة عام من العزلة»، إذ حلم بظهورها في طبعة من مليون نسخة. وتحقق الحلم، لكن حياة الكاتب، كما يشير، لم تتغير، على رغم أن قراء تلك الرواية «أصبحوا جالية»، على حد وصفه.

يسخر صاحب «خريف البطريرك» كذلك من حمى المؤتمرات الأدبية التي تزداد كلما احتدت الأزمة العالمية، لكنها عنده «ليست أكثر من تسلية صالونات»، إلا أن الوقت تأخر لمنعها بعد أن باتت عادة لمحترفي الثقافة. ولا يتحدث الحائز جائزة نوبل بصيغة من يقدم الوصايا أو وصفات جاهزة للكتابة، بل يركز على خبرته الذاتية، فتأملاته هي أيضاً ابنة الحظ بما في ذلك نص يقدمه لدارسي الصحافة التي يراها أفضل مهنة في العالم… ففي خطبة عنوانها: «الصحافة، أفضل مهنة في العالم»، والتي ألقاها في الولايات المتحدة عام 1996عن الحرية التي نالتها الصحافة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لكنها مع ذلك في رأيه محفوفة بالمخاطر، يقول: «هناك تقدم مهم حدث في النصف الثاني من القرن وهو إمكانية التعليق وإبداء الرأي في الخبر والتحقيق, وهكذا أثريت هيئة التحرير ببيانات معلوماتية… مع ذلك لا تبدو النتائج أفضل, إذ إن المهنة لم تتعرض قط لخطر مثل اليوم, فالعمل الشائن المبني على اقتباسات مزيفة أو صحيحة يسمح بأخطاء بريئة أو متعمدة, تزييف مؤذ أو تحريفات سامة تعطي الخبر عظمة سلاح قاتل».

وفي الطريق لاستعراض قدراته ككاتب استثنائي من ملوك النثر، لا ينسى ماركيز الإشارة إلى دور الشعر في إثراء مخيلته، فليست الأسطورة وحدها التي جعلت لنصوصه سحرها الخاص، فإضافة إلى هذه الميزة ظل مصراً على بناء جملة سردية ذات نفس شعري لا يخيب. وفي النص الذي قُدم أمام الاكاديمية السويدية عقب فوزه بجائزة نوبل بعنوان «احتفاء بالشعر» (1982) تتجلى هذه القدرة عبر اعتراف يقدمه ماركيز، مؤكداً أن «الشعر في النهاية هو هذه الطاقة السرية للحياة اليومية التي تسلق الحمص في المطبخ وتكرر الصور في المرايا». وفي النص أيضاً كشف عن الآباء الذين يدين لهم بالفضل وأبرزهم وليم فوكنر، كما يحتل الشاعر بابلو نيرودا مكانة خاصة. ويكشف الكاتب أيضاً عن مفتاح رئيس من مفاتيح التعاطي مع عالمه عبر إشارته إلى ولعه بتقصي حيوات رجال السلطة، وهو شغف يفوق تأملاته ككاتب ويرقى إلى مستوى «شبه أنثروبولوجي»، أو كما يشير، ظل السؤال عن السلطة مركزياً في أعماله.

ويحتفي الكتاب كذلك بمعنى الصداقة من خلال إشارات متعددة لرفاق لازموا ماركيز في رحلته الانسانية. وإضافة إلى الكتابة يعيد ماركيز تأكيد اعتزازه بالانتماء إلى قارة أميركا اللاتينية، التي تختلط أخبارها بالأساطير. ففي نص سياسي بامتياز بعنوان «عزلة أميركا اللاتينية» (1982) يقدم كشفاً بالجرائم التي ارتكبت بحق قارته، من حكامها، وهو أمر دفع مواطني هذه القارة إلى «المقاومة بالحيلة أو بالخيال»، كما يؤكد في النص ذاته فكرة ارتكز عليها طويلاً ترتبط بمبدأ التحرر من وهم المركزية الغربية، وكما يشير: «ليس من العسير إدراك أن المواهب العقلية لهذا الجانب من العالم والمستغرقة في التأمل في ثقافتها الخاصة، بقيت من دون أي منهج صالح من أجل التعبير عنا، فقد كانوا يقيسوننا (يقصد مفكري الغرب) بالعصا نفسها التي يقيسون بها أنفسهم، من دون تذكر أن مصائب الحياة لم توزع بالتساوي على الجميع وأن البحث عن هوية هو أمر شاق ودموي جداً بالنسبة الينا كما كان بالنسبة اليهم». ولا يكتفي الكاتب بذلك وإنما يدعو أوروبا صراحة في النص ذاته إلى مراجعة سياستها في تلك المنطقة، فالتضامن مع أحلامنا – يقول – لن يجعلنا أقل عزلة ما لم تدعم ذلك أفعال ذات سند شرعي للشعوب التي تحلم بأن تكون لها حياة خاصة في مكانها من العالم. ثم يؤكد أن العنف والألم المفرط الخاصين بتاريخ أمته هما نتيجة الظلم والمرارات التي لا تحكى، وهي أمور جرت مقاومتها دائماً بالرغبة في الحياة، فبقوة الحياة وعبر الأساطير وحدها أوجدت أميركا اللاتينية «يوتوبيا مضادة»، إذ أمكن خلق فرصة ثانية فوق الأرض. فثقافة الحياة اليومية التي تملكها هذه القارة هي إرث هائل سابق على كل مادة خام وثقافة مقاومة تعبر عن نفسها في مخابئ اللغة، ويسميها ماركيز «ثقافة المخالفة والغموض التي تمزق قميص الواقع وتصالح الفانتازيا والخيال وتبرهن أنه لا يوجد مفهوم لا تتجاوزه الحياة عاجلاً أم آجلاً، بما في ذلك السعي نحو التقدم، فالثورة نفسها عمل ثقافي، انها تعبير إجمالي عن ميل وقدرة مبدعين يبرران ويطلبان منا جميعاً ثقة عميقة في المستقبل». وبفضل هذه الثقة يعتقد ماركيز أن الأيام المقبلة ستحرر طاقة قارته المبدعة لأنها أول منتج للخيال في العالم. وتحتل المكسيك كبلد مساحة كبيرة في الكتاب، إذ يشدد صاحب «خبر اختطاف» على دورها الفريد في تنمية مخيلته وإثارة وعيه بقضايا لم تكن تتاح له لو عاش في بلد آخر. ويتضمن الكتاب بعض النصوص التي كتبها عن التسلح النووي، ومشكلة المخدرات تؤكد تمسك ماركيز بصورة الكاتب الملتزم على رغم تحولات كثيرة أصابت مفهوم الالتزام سعياً وراء التحرر من العبء الأيديولوجي، لكن المسؤولية الأخلاقية لدى الكاتب تبقى أرقى من قيود الأيديولوجيا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

36 − = 31

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...