الرئيسية / صفحات الثقافة / آثمون في قبضة إله غاضب/ منذر مصري

آثمون في قبضة إله غاضب/ منذر مصري

 

 

 

في الذكرى الـ /17/ لرحيل (بوعلي ياسين) 1942- 18 /4 /2000.

***

أقرأ، متأخراً كعادتي، متأخراً عشرين سنة وأكثر، مجلداً ذا 1256 صفحة، من الحجم الكبير، عنوانه: (روائع الأدب الأمريكي)، إصدار مركز الكتب الأردني، عام 1995. وهو، كأغلب الكتب الموسوعية، التي يضع عليها الكتّاب العرب أسماءهم، يبدو وكأنه جمع وأعدّ على عجل، وباستسهال ظاهر، حيث يتضمن، مثلاً، قصة أرنست همنغواي (حياة فرنسيس ماكومبير القصيرة السعيدة) ذات الـ54 صفحة، ومسرحية (رغبة تحت شجرة الدردار) ليوجين أونيل التي تصل عدد صفحاتها إلى 100 صفحة. وأسماء شهيرة أخرى ألحق بها أجزاء من أعمال مترجمة للعربية وصادرة مسبقاً، أظنها متوفرة لدى أغلب المهتمين بالأدب الأمريكي، والأدب عموماً، أصرّ على تقديمه لي، بلا مقابل تلك المرة، لأنه كان من عاداتنا، بما أننا ضد المفهوم البورجوازي للسوق، أن نقايض الكتب مقايضة، كتاباً بكتاب، أو كتابين أو ثلاثة كتب من كتبه، بكتاب واحد من كتبي، المفكر العربي، السوري، اللاذقاني، الراحل (بوعلي ياسين) بقوله: “لك كل ما يتعلق بالأدب الأمريكي”!. وما زلت لليوم، لا أدرك ما كان يقصده بهذه العبارة. سوى أنه كان لا يترك فرصة نقاش أو اختلاف في الرأي بيننا، وعلى مدار ربع قرن من السنين التي عشناها سوية في مديرية التخطيط باللاذقية، إلاّ ويؤكد لي أنه يعارضني في قضيتين رئيسيتين، الأولى: “إيمانه المطلق بالصراع الطبقي” بينما أنا برأيه، لا أقيم له الاعتبار اللازم، وخاصة أنني أدعي اليسارية. والثانية: “تقديري العالي للسينما الأمريكية” باعتباري إياها محصلة السينما العالمية، تصبّ بها، منذ بداياتها، جميع التجارب الهامة والجديدة في عالم السينما، وإن بوجود عدد ليس بقليل من الاستثناءات. بينما كان (بوعلي) يحبّ السينما الألمانية، تلك الأفلام التي كان يحدثني عنها ولم أكن قد سمعت بها، والتي حضرها خلال دراسته الاقتصاد وحصوله على درجة الماجستير في دراسته (القطن وظاهرة الانتاج الأحادي في الاقتصاد السوري) التي صدرت ترجمتها من قبله ككتاب عام 1974، ضمن بعثة دراسية حكومية إلى ألمانيا الغربية، في النصف الثاني من عقد الستينات، كما كانت تسحره السينما الإيطالية بواقعيتها وثوريتها، وأسلوبها الخاص في خلط المأساة بالملهاة، الموضوع الذي شغله، في العقد الأخير من حياته، وكتب فيه عدة كتب، أولها الجزء الأول من سيرته الذاتية (عين الزهور – سيرة ضاحكة – دار الحصاد 1993) الذي لم يتبعه بجزء ثان، كما كان يفكر، نتيجة الهجوم الذي استقبل به هذا الجزء، وردود الأفعال الغاضبة ذات النزعة الطائفية التي ووجه بها، ليس فقط من قبل بعض الجهلة، حتى أنه راح يتلقى اتصالات مجهولة تتضمن تهديدات بالقتل، بل من قبل عدد من الأصدقاء والمعارف الذين فهموها على أنها تسيء وتشهر بمعتقدات الطائفة التي جاء بوعلي منها، والتي لم أسمعه يوماً يعلن خروجه عنها، وذلك بالعكس تماماً من غاية كاتبها وهدفه منها، الذي لا أدل على رغبته في تجميل كل ما ينتمي إليه، هو تبديله اسم قريته من (عين الجرب) إلى (عين الزهور).. مروراً بأحد أهم كتبه كمفكر اجتماعي وثقافي وهو: (بيان الحد بين الهزل والجد- دراسة في أدب النكتة – دار المدى 1996) الذي نشرت أجزاء منها في صحيفة (لوموند ديبلوماتيك) بنسختها العربية. وآخر كتاب صدر قبيل رحيله بأشهر: (شمسات شباطية- ديوان المفارقات العربية الحديثة، دار الكنوز 1999) الذي قدمه لي بخط يده الأليف جداً بالنسبة لي:

[العزيز أبو المناذر

لك في هذا الشباط

شمسات كثيرة

ياسين

11 /1 /2000]

وكيف لا، وأنا الزميل (ميم) الذي يرد ذكره العديد من المرات فيها، والذي كما كان يعلم، وكما كتبت أكثر من مرّة، قد تربيت، وتربت ذائقتي السينمائية، على الأفلام التي كانت تعرضها دور سينما اللاذقية، مثل (سبارتاكوس) و(عودة أيلول) و(الطيور) وما ذلت أذكر آخر فيلم أمريكي سمح بعرضه بعد هزيمة حزيران (اثنان في الأرجوحة) ، بينما ذائقتي الأدبية، فقد تأسست، شكلاً ومضموناً، على مجلة (المختار)، التي كنت أستعيرها من مكتبة خالي (غاندي نحلوس)، تبعها، بشكل آلي، تعلقي بالكتاب الأمريكيين: مارك توين، وجاك لندن، وإدغار آلان بو، وآرسكين كالدويل، وجون شتاينبك، وأرنست همنغواي، ويوجين أونيل، وروبرت فروست، وإزرا باوند، وت س إليوت وهنري ميلر وجاك كرواك…وربما أكثر منهم جميعاً بوب ديلان، وتوم ييتس، وسام كوك صاحب أغنية:(The Chang is Gonna Come- التغيير سوف يأتي) وعشرات مغني وموسيقيي الجاز والسول والبلوز. الذين كانوا، بنتاجهم ومواقفهم وأساليب حياتهم، هجائيين للنظام السياسي الأمريكي، ومنتقدين قساة لطريقة العيش الاستهلاكية التي يسوقها ويدفع إليها، داخل أمريكا وخارجها.

ولكن (جوناثان إدواردز) Jonathan Edwards /1703- 1757/ لم يكن شاعراً ولا رساماً ولا ممثلاً، بل كان رجل دين. مات إثر تطوعه، غير آبه لكل التحذيرات، واضعاً ثقته في الرب الكلّي القدرة، لتجربة طعم مرض الجدري، الوباء القاتل تلك الأيام. وهو صاحب واحدة من أشهر العظات الدينية في التاريخ الأمريكي، إن لم تكن أشهر الخطب على الإطلاق:[آثمون في قبضة إلهٍ غاضب]، وهي بدل أن تبكيني وتخيفني كما كانت تفعل برعية كنيسة القس (إدواردز)، الذين لم يستطيعوا تحمل لهيب عظات إدواردز النارية، فاضطروا لطلبهم منه مغادرة بلدتهم وتركهم لحالهم مع ربهم، أضحكتني وطمأنتني. ولكم أن تحكموا من هذه السطور والاقتباسات المنتقاة من خطبته الجهنمية، ما دفع أعضاء مجلس مدينة (نورثهامبتون) بتصويت 200 ضد 23 عضواً، بوجوب منعه من الخطبة على منبر كنيستها، عام 1749، غير أنه لم يغادر المدينة إلاّ في منتصف عام 1751 بعد إلقائه ما سمّاها: (موعظة الوداع) التي وجه فيها تهديدات مباشرة إلى الحاكم وأتباعه عند وقوفهم أمام الله، في المستقبل البعيد:

1- (ستنزلق أقدامهم في حينه) مزامير داوود 32- 35.

2- (إنك بحق وضعتهم في أماكن منزلقة، لقد ألقيت بهم إلى التهلكة) مزامير داوود 73- 18.

3- (انظروا كيف أُحضروا إلى الدمار في برهة) مزامير داوود 73- 19.

4- إنهم سيسقطون من تلقاء أنفسهم، كمن يقف على أرض زلقة، فلا يحتاج إلاّ لوزنه ليقع.

5- السبب في أنهم لم يسقطوا بعد؟ هو أن الله قدر وقتاً لسقوطهم. هم الآن في حالة تهيؤ، أو قل: هم الآن “مستعدون”.

6- لا تعوز الرب القوة ليلقي الأشرار إلى الجحيم في أي لحظة. حتى الأقوياء لا حيلة لهم أمامه، لا يفلت من يديه الإلهيتين أحد.

7- هم يستحقّون السقوط في الجحيم، نعم السقوط في الجحيم حقّ لهم.

8- هم الآن في قمّة شعورهم بالأمان والانتصار، وذلك يجعلهم لاهين عن أن يتخذوا أي تدبير يمنع سقوطهم، هم غير منتبهين إلى أين يقفون.

8- إنهم يقفون فوق غطاء الجحيم المهترئ.

9- شرورهم تجعلهم ثقيلون كالرصاص.

10- ليس هناك سوى الهواء ليتمسكوا به.

11- الشيطان يقف مستعداً للانقضاض عليهم، ينتظر الإشارة. هم جزء منه، هم له بمثابة ملكية.

12- (إنهم حاجيات الشيطان) إنجيل لوقا 11- 12.

13- الأفعى العجوز تتلهف لازدرادهم، الجحيم فاغر شدقه لتلقّيهم، سيُبتلعون بسرعة ويختفون بلمحة بصر.

بغض النظر عن إيماني بإله جوناثان إدواردز الغاضب أو عدمه، وبغض النظر أيضاً، عن موافقتي على طرقه في التعامل مع الآثمين والكفار أو رفضي لها، فإنه شيء جميل بالنسبة لي ولبوعلي ياسين، وأحسب بالنسبة أيضاً للجميع، مهما كانت مذاهبهم الدينية ومواقفهم السياسية، شرط خضوعهم للقاعدة الأخلاقية وتحليهم بالإنسانية، وإيثارهم للخير والعدل، أن يكون هناك رب عادل قادر (يستشيط) غضباً بسبب وجود الآثمين والمجرمين بحقه وحق عباده من البشر، ويقوم بما ينبغي لإبطال أعمالهم وتدابيرهم، وليته كان صحيحاً، نعم، يا ليته كان صحيحاً ألف مرة، أنهم الآن يقفون على أماكن زلقة، فوق غطاء جهنم المهترئ المتداعي، وعلى أتمّ الاستعداد للسقوط في شدق الجحيم الفاغر..

ضفة ثالثة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...