الرئيسية / صفحات الثقافة / أبناء آوى في مترهم الأخير

أبناء آوى في مترهم الأخير


محمد كتيلة

لن يتلبسك الشيطان، ما دمت أنت أنت الواقعي الصرف، أو شبهك الأجوف وأنت مغمى عليك ومدمى في صحراء الدم هذه، صحبة الأشلاء والهائمين على وجوههم بأجسادهم المقطعة، وتلك الأرتال المكومة فوق بعضها البعض في عتمة الزنازين وفي المهاجع التي يحشر فيها زبن الحرية، كنفايات يمكن إستخدامها كعلف لمسارح التفجيرات المسبقة الصنع.

أبناء آوى في مترهم الأخير، لا يعترفون بما يعبثون ويقترفون، لأنهم صمموا على الصمود من أجل البقاء، حتى نهاية الجريمة التي لا نهايات لها في الزمان الذي تغير، ولا إقامة في المكان الذي بات يلفظهم ويطارد روائحهم الكريهة، فالخارطة التي كانت تجمع القاتل والقتيل، أصبحت رخوة تحت أقدام الغزاة، وصلبة لمن هم سائرون في دروب الشمس وفجر الينابيع.

غاصت أياديهم وأرجلهم بالوحل الآدمي… إنتزعوا الجسد من أمه الوطن، من إقامته الطويلة  في جذور الأرض، فاستعصت عليهم الروح التي استردت عافيتها من قلب العتمة، وأعادت إليها كرامتها من ساحات الإحتضار.. جعلوا من الوطن مقبرة ومن المواطن مجرد حشرة.. تقول عنهم جبناء ولا تكتفي، دمك الساخن يحثك أن تكمل وأن لا تبخل عليه، تتمتم: أغبياء، أذلاء، سفلة من ضلع آوى ومن نسل الذئب، لا تكتفي فتذهب بعيداً إلى صومعتك وحيداً، تنعزل لتقتفي آثار ما تبقى من  ظلالك، تسند ظهرك على الفراغ، تجدهم حولك وفيك وقد صاروا أكبر مما تعرف وتحس وما تدعي… يجبرونك كل يوم أن تراهم كما هم يريدون أن يكونوا: قتلة بدون توقف وبلا فواصل، قتلة يصعب على ألد الأعداء تقليدهم  أو توصيفهم.. تجاوزوا حدود الصنعة ومهنة الإحتراف.. في كل يوم وليلة وفي وضح النهار تطل عليهم من فجوة في الدمار، تجدهم أمامك مباشرة وفي عينيك، بكل ما لا تستطيع تحمله من فظاعات تخرسك وتمنعك من التعجب والإندهاش والكلام، تنسيك ما اقترفوا بالأمس في ليل البشر وصحوهم … لا جريمة  تشبه جريمة مهما كبرت أو صغرت، النتيجة واحدة، هلاكك وهلاك الوطن وهم مثلك يعلمون علم اليقين أن عهد العبودية انتهى، وعصر الظلمات والإستبداد لم يعد له أفق ولا زمان، والسماء هي السماء، وهم متأكدون أكثر منك بكثير،أنهم وصلوا إلى النهاية، نهاية التاريخ ونهايتهم، ويجب أن يسرعوا ويسرعوا في جعل ملاحمهم من الأعمال الخالدة، وفي جعل كل ما هو قائم في مخيلة البشر منذ بدء التوحش إلى الآن، ليس إلا أضغاث أحلام، ولا وجود له إلا في الأساطير القديمة.

كل ماتراه الآن ليس إلا مقدمة صغرى، تفتح شهيتك على النسيان، نسيان ما مضى وانقضى، وما مر وما حدث في السنة الأولى، وما سيأتي من غيب التوحش والإفلاس وفتك السلاح… وأنت لا تريد أن تعرف ما الذي يخبأونه لك ولغيرك وما سيفعله أولاد الشيطان، والغد في القيد ومستلب وبعيد، ما أن تتذكر مجزرة وترفع عقيرتك لتدينها أو لتقصيها عن مشاعرك ووجدانك، أو لتعلق عليها ولتبدي موقفك منها، يدخلونك في دوامة لجج الجحيم، فتنعطب ذاكرتك و ينتابك الشك في وقوفك على الأرض، أم أن الأرض هي التي تقف عليك، ولا من سبيل ولا من خلاص للخروج أو الدخول، فتذهل وتكتفي بالهرب، بالإبتعاد ما أمكن لك ذلك، بالنسيان، بالموت، بأن تصاب بالعمى وفقدان السمع ولا من منقذ ولا من مغيث !!

تكتب تداعيات وأوهام، هلوسات, وتدور في فلك ساعات من الجنون، فتمرض وتأن وتصرخ ولا يسمعك أحد… يصيبك الغثيان بمقتل، بعربدة، بوسوسة، بقشعريرة حمى، تبحث عن فروة رأسك لتحكها فلا تجدها، تتلمس شعرك فتعثر على الرمل، يسحبك الغبار والدخان إلى أماكن مهجورة في روحك، يصدمك منظر الرؤوس المهروسة تحت جنازير الدبابات، تفغر فاهك كالأبله، تحتمي بقلبك المثقوب وهم يهيلون التراب على جثة حية تصرخ في حفرة لا ظلال لها ولا حدود ولا سماء.

غرباء عن الأرض  وهكذا كانوا دائماً وما كانوا يوماً إلا كأرذال جبناء، لا هواء في وجدانهم،ودمهم أسوداً، أنداد أشداء للوطن والشعب، نصبوا رايات الإستسلام على أعقاب البنادق وصوبوا الفوهات على صدر الشعب، فمن أين يأتي الخلاص ؟؟

وافقوا على نقاط الأجنبي، أي على نهايتهم  لغاية في رأس الشيطان، وها هم في قمة العربدة والجنون، يفجرون الوطن ويأخذونه كرهينة ، ولن يستسلموا، رغم أن ساعة الخلاص قد قربت، فإما أن تأتي منهم وبهم وعلى دفعة واحدة، أو بالتضحية بأحد الرؤوس الغليظة ويبقى الإستبداد هو الإستبداد في حلة جديدة.

لكن الشعب الذي انتصر على ذاته وعلى شروط حياته القاهرة المذلة، لن يتوقف عن الدفاع عن حريته  التي امتلكها وبعد أن نالها بشرف التضحيات الجسيمة، وقليل على هذا الشعب أن تمتدحه  بالشعب العظيم، لأنه يستحق وبجدارة، ما هو أكبر من الوصف، وأقله، أن تنحني أمامه بإحترام وأكثر من ذلك …ويكفينا، أنه جرد النظام  وأبقاه عارياً في نفاقه وفي الصحف والشوارع والمنابر والساحات والعالم، ومنعه من الصراخ والتغني والتبجح في مندوحة الممانع المقاوم، ويكفي أنه أخرسه إلى الأبد.

.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...