الرئيسية / كتاب الانتفاضة / حازم نهار / أبواب إيران: هل ستبقى مغلقة في وجه الشعب السوري؟

أبواب إيران: هل ستبقى مغلقة في وجه الشعب السوري؟

حازم نهار

قرأت مقالة علي أكبر صالحي، وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المنشورة بتاريخ 8 أيار 2013 في صحيفة الأخبار اللبنانية، وما كنت لأقف عندها لولا كم المشاعر التي تزخر بها، والآلام المبثوثة في ثناياها “قلبي يعتصر ألماً على الحال التي آلت إليها سورية”، والتي تجعلك تشك لوهلة أن إيران جمعية خيرية وليست دولة لها مصالح قومية في سورية وغيرها.

فما كان مني إلا أن استذكرت مباشرة المثل المصري “أسمع كلامك يعجبني أشوف أمورك أستعجب”. كان يمكن أن نصدق هذه المشاعر لو سمعنا من السيد صالحي كلمة طيبة بحق شهداء آخر مجزرتين على الأقل، مجزرة بانياس وجديدة الفضل، أو استنكاراً لأفعال من ارتكبهما.

لا أحد يختلف مع السيد صالحي في توصيف الحال السورية عندما يقول “رائحة الدماء فيها طغت على عطر الياسمين. أصبح الموت مشهداً يومياً، أكثر ما يحزن فيه أنه أمسى أليفاً، جزءاً من دورة الحياة اليومية”. وفيما عدا ذلك يكاد يختلف معه في كل شيء. نختلف معه في الأطراف المسببة وكيف أوصلتنا إلى هذه الحال، وفي الطريق للخروج منها. وكسؤال مركزي يمكن القول أليست السياسة القائمة على الغباء والغرور (سياسة غ-غ) أساس ومصدر هذه الكارثة؟ ربما تنفع استعادة الذكريات الأولى: خطاب استهتر بالناس، ومجلس شعب صفيق، وإعلام مهين لكرامة السوريين، إطلاق نار على المتظاهرين، اعتقال الناشطين وتعذيبهم.

ألم تكن هذه هي الأركان التي وسعت الاحتجاجات وأمدت الثورة بالطاقة المستمرة إلى اليوم؟

الخط الإنكاري للواقع هو السائد في معظم ما تناوله السيد صالحي، تماماً كما هو حال النظام السوري وإعلامه. بالطبع لا يليق بالعرب والمسلمين أن يُذبَح الأطفال والنساء والرجال العزل، لكن ادعاءه بـــ “قتل المدنيين والأبرياء والعزل من الشيوخ والنساء والأطفال فقط لأنهم ليسوا معارضة أو لم يخرجوا شاهرين سيوفهم على النظام” هو أمر يثير الاستهجان، على الرغم من أن السائد هو قتل الشخص أو اعتقاله لمجرد أنه معارض للنظام أو لمشاركته في مظاهرة ضده.

أكثر من مئة ألف شهيد لم يسقطوا بحادث سير أو لعبة كرة قدم، والمدن المدمرة لم تدمر بفعل بركان أو هزة أرضية. ربما فات السيد صالحي مشاهد كثيرة، كمشاهد الشباب الذين قُدِّر له الخروج من المعتقلات، ومشاهد “القوات الباسلة” وهي تتسلى بقتل الحمير والحيوانات، بعد أن فرغت من البشر.

نشارك السيد صالحي القول بأنه ما من نظام حكم يمكن أن “يخرج من بين الركام والدمار الشامل وانتهاك الحرمات أو من بين فوهات البنادق ومدافع الهاون والقصف العشوائي والمفخخات”، بل سيكون أمام السوريين وقت طويل وجهد كبير لإعادة إنتاج دولتهم الجديدة. لكن ليعذرنا إن كان يعتقد أن استمرار النظام القائم اليوم، المسؤول الأساسي عن هذه الحال، يمكن أن يقود إلى بناء الدولة التي يطمح إليها السوريون.

أما حرص السيد صالحي على المقدسات وأماكن العبادة، واستنكار تدميرها، فهو في محله ونشاركه هذا الحرص. لكنه يدلِّل عليه فحسب بنبش “قبر الصحابي الجليل حجر بن عدي رضوان الله تعالى عليه، وهو الذي يجمع المسلمون على زهده وتقواه وخلقه الكريم”، وهي حادثة لم يثبت بالفعل من قام بها، والاحتمالات عديدة، فقد تكون تمت على أيدي عناصر النظام ذاته أو حتى على أيدي بعض المجرمين الذين يستغلون حالات الفوضى أو يمكن أن تكون فعلاً على أيدي بعض ممن ينسبون أنفسهم على الثورة.

لكن السيد صالحي ينسى الحقائق الساطعة كتدمير المئات من المآذن، وانتهاك حرمة المسجد العمري والمسجد الأموي في دمشق، وكذلك المسجد الأموي في حلب، بل وقيام عناصر النظام بالعبث بمحتويات هذه المساجد والسخرية من المصلين والصحابة، ولم نعرف أن جفنه اهتز أو خرجت منه كلمة تدين هذا الفعل، ولم يحدث أيضاً أن اعترض عندما قصفت كنيسة أم الزنار. كما لم تقف الجمهورية الإسلامية موقفاً حريصاً على المقدسات والعبادات عندما اقتحمت عناصر النظام الجامع الأموي في دمشق في اليوم الأول لثورة السوريين وجرّت المصلين في صحن الجامع، ولو فعلت الجمهورية الإسلامية لجعلت النظام يتردد على الأقل في سلوكياته اللاحقة.

نوافق السيد صالحي في قوله “من ينشد الحريّة والديموقراطية لا يقوّض البنية التحتية”. ونضيف أن من ينشد المقاومة لا يدمر بلده. ألم يكن واضحاً منذ اليوم الأول من كان يدمر المشافي، ويقتل الأطباء ويمارس التعذيب بحقهم لقيامهم بواجبهم الإنساني والطبي، حتى أصبح تأسيس المشافي الميدانية وتوفير العلاج هاجساً للسوريين؟ ألم يكن واضحاً من أدخل الجيش واقتحم المدن والقرى ودمرها؟ ألم يكن واضحاً من دمر المخابز وقتل جموع المصطفين للحصول على رغيف خبز؟!

ونوافق السيد صالحي أيضاً عندما يقول: “ليس منطقياً أن يحرق المرء بلداً من أجل أن يشعل سيجارة”، لكن هذا يقال لمن رفع شعارات حرق البلد ومارسها واقعياً “الأسد أو نحرق البلد”.

أما الربط بين ما يجري في سورية و”هذا الظهور العلني البشع للكيان الصهيوني في عدوانه الأخير على سوريا”، واستنتاجه اليقيني “أن ما يجري لهذا البلد هو النيل من عزته وكرامته وسيادته”، فلا يمكن القول إلا أن الجمهورية الإسلامية تجاهد وتبذل كل ما في طاقتها للربط بين ثورة السوريين وكل ما يلوثها، حتى لو باستخدام المنطق الصوري في الإقناع.

إن إيجاد ربط نظري بين حوادث عدة هو أمر سهل، ويتقنه الأطفال، تبعاً لمصلحة من يقوم بالربط ورؤيته، والسيد صالحي في هذا لا يسأل نفسه عن الاعتداءات السابقة لإسرائيل على سورية منذ عام 2000 عندما لم يكن هناك في الداخل السوري ما يمكن ربطه بها. وليعذرنا السيد صالحي، فهناك من قد يربط الحوادث بطريقة أخرى: الاعتداء الإسرائيلي يأتي في مصلحة النظام السوري لتأكيد نظريته حول “المؤامرة الكونية” ضد سورية، بما يسمح له بتضييق دائرة المؤيدين لتغيير نظام الحكم وتوسيع دائرة مواليه واستعادة جزء من الشرعية المفتقدة، وآخر يمكنه أن يقول بوجود تحالف ضمني بين إيران وإسرائيل لمنع تركيا من توسيع نفوذها…. إلخ.

إذا قبلنا بمنطق الربط هذا، اسمح لنا أيضاً بالربط بين العدوان الأميركي على أفغانستان، وكذلك العدوان الأميركي على العراق، والمصالح الإيرانية، بما يسمح لنا بالقول إن هناك تحالف “خفي” بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، بخاصة أن إيران كانت المستفيد الأكبر من كل السياسات الأميركية وحروبها. واسمح لنا أيضاً أن نربط بين مشاركة النظام السوري مع الولايات المتحدة في غزو العراق عام 1991 والثمن الذي ناله النظام بإطلاق يده في لبنان.

الواضح فعلاً أنكم كنتم فرحين بهذا العدوان الإسرائيلي، وكنتم تنتظرونه بفارغ الصبر، كي يمكنكم إقناع الآخرين بهذا الربط بين “رؤوس الحراب في الداخل السوري” و”قوى الصهيونية والاستكبار العالمي”. هذا الربط قد أطلق منذ اليوم الأول للثورة السورية، إلا أنه لم يلق آذاناً صاغية، فخطاب الديماغوجيا والعمالة معروف منذ زمن طويل عن النظام السوري للعالم بأسره، فإن كان النظام جاهزاً لإلقاء تهمة “النيل من هيبة الدولة” و”التسبب في وهن نفسية الأمة” و”إثارة النعرات الطائفية” و”التحالف مع دولة أجنبية” بحق أي مثقف يكتب مقالة في صحيفة ما يتناول فيه بعض ظواهر الفساد، فكيف سيتعامل مع ثورة شعب!.

على الرغم من هذه الحقائق، يتابع السيد صالحي، مستلهماً خطاب النظام ذاته، فيصف الوضع السوري بأنه مؤامرة وحرب ضد “دولة تقاتل دفاعاً عن البلد وعن محور المقاومة وثقافة المقاومة”. نزيد السيد صالحي علماً بأن سورية، بحكم موقعها وتاريخها، تتعرض دوماً للمؤامرات، ولا يتعلق الأمر بالنظام القائم الذي يرفع لواء “الممانعة والمقاومة”، ولطالما كان الوضع الداخلي في أي بلد هو الحاسم والأساس الذي يدفع المؤامرات الخارجية، ولطالما كانت الهشاشة الداخلية مصدر كل نجاح خارجي، ولطالما كان الاستبداد عوناً لكل معتد ومتآمر. المؤامرة الحقيقية هي الأنظمة الشمولية التي تلعب دوراً مزدوجاً: تقمع شعبها وتيسِّر للخارج العدوان والتدخل.

كل سوري، ولا أبالغ إن قلت حتى الموالي للنظام، مقتنع في قرارة نفسه بديماغوجية خطاب النظام المقاوم، ولطالما كان مصدراً غنياً للنكتة، بخاصة تكراره في كل مرة لتعبير “الاحتفاظ بحق الرد”، بل إن السوريين يشعرون بالضجر من كل دروس القومية والاشتراكية والمقاومة التي يسمعونها في المدارس والإعلام والجامعات، والسبب أنهم لا يجدون أي رصيد لها على أرض الواقع. إنهم ينظرون لخطاب النظام المقاوم كدجاجة تبيض ذهباً له فيما تعود عليهم استبداداً وقمعاً للحريات واعتقالاً. لماذا تصرون على جعل أنفسكم وكلاء حصريين للمقاومة تفصلونها على مقاسكم؟ خطابكم السياسي يختزل سورية والسوريين بالنظام القائم، ويعبر دائماً عن خوف مصطنع من ضياع “الممانعة والمقاومة” فيما إذا رحل النظام القائم، وهذا فيه إهانة كبيرة للشعب السوري، لأنه يعني أن هذا الشعب يمكن أن يضع يده بيد من يحتلون أرضه في اليوم التالي لرحيل النظام. بالأصل لا يمكن لنظام سياسي في سورية أن يعيش إن لم يكن، على مستوى الخطاب على الأقل، معادياً لإسرائيل. وهذا ربما أحد أسباب شرعية النظام خلال عقود.

ثقافة المقاومة التي “تخافون” عليها موجودة لدى كل سوري، لكننا نحتاج ونريد أن تقف على رجليها، أما الاعوجاج الموجود الذي يلازم بين الاستبداد واستمرار النظام والمقاومة فلا نريده، فهو لم يقاوم إلا نهضة شعبنا في حين يترك الأجواء مفتوحة لتفضح كل يوم حقيقة المقاومة المزعومة. وحدها الدول الوطنية الديمقراطية هي القادرة على إنتاج مقاومة وطنية ديمقراطية حقيقية.

من المؤسف حقاً أن “تهدر كل هذه الطاقات على التدمير الشامل لهذا البلد بدلاً من أن توجه في سبيل فلسطين” كما يقول السيد صالحي، لكن الأكثر أسفاً هو أن هذا التدمير يتم بشكل أساسي من قبل مجموعات من الجيش السوري الذي يفترض أنه أعد لتحرير الجولان والقدس. أليس مثيراً للشفقة ذلك الخطاب الذي يقوم على “الاحتفاظ بحق الرد” في كل مرة. أليس من المنطقي محاسبة المقصرين الذين تركوا أجواءنا مفتوحة لإسرائيل تضربها من دون حرج، خاصة أن النظام بحوزته كل مقدرات البلد الاقتصادية والعسكرية ولا ينازعه فيها منازع منذ نصف قرن.

يتحدث السيد صالحي عن رفض الجمهورية الإسلامية للتدخل الخارجي، لكن بروحية تشعرنا وكأن إيران من آل البيت السوري. بالنسبة لنا كل طرف غير سوري هو “خارج”، وتدخله في الشأن السوري غير مقبول إلا من باب مصلحة الشعب السوري. ما الذي يجعل السوريين يرحبون بتدخلكم ويرفضون تدخل الآخرين؟ في الحقيقة لا شيء، فكل تدخل مرذول سواء جاء من آيات الله أو آيات الشيطان.

من حيث المبدأ لا أحد عاقل يرغب في أن تحتل بلده أو يجري التدخل في شؤونه. لكن بالمقابل، ما عاد مقبولاً أن يذيق نظام ما شعبه القتل والتعذيب والتشريد في حين يقف العالم متفرجاً. وهنا كان يمكن للعالم المتفرج، إن أراد، أن يصل إلى صيغ مختلفة لإيقاف القتل والتدمير، وبما يوازن بين احترام السيادة الوطنية واحترام حياة البشر، من دون أن يجر علينا ويلات التدخل العسكري. ولا ينبغي لكم هنا الوقوف عند ما مارسته بعض أركان المعارضة السورية، غير الناضجة، من ضجيج كلامي وتشويش غبي بخصوص التدخل الخارجي من دون وعي أو فهم أو تحديد، فقد أساءت لنفسها ولقضية الشعب السوري في آن معاً.

نشارك السيد صالحي الأمل ذاته بعدم إرسال “المقاتلين والإرهابيين والمرتزقة”، لكن هذا الأمل موجه للجميع، ومنهم الجمهورية الإسلامية التي بات عناصر حرسها الثوري يظهرون بشكل واضح في أحياء دمشق وفي مناطق أخرى من سورية، فضلاً عن إرسالها للجماعات المتطرفة من العراق، أو من لبنان، ونريد منها ومن غيرها أن تطالب من دخل بلدنا بالخروج منها فوراً. أما توصيف المرتزقة والإرهابيين فلنتركه للتاريخ والشعب السوري ليحدِّدا معاً من هم المرتزقة ومن هم الإرهابيون.

أوافق السيد صالحي الرأي فيما يخص تلميحه للوضع في البحرين، فالمستميت في “الدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان في سوريا…. يفترض ألا يتصدى لأي محاولة للترويج لها في أماكن أخرى”. هنا نقول للسيد صالحي إن الجميع بات يدرك أن الدول ليست جمعيات خيرية، وأن ثمة افتراقاً يضيق أو يكبر بين الخطاب السياسي لكل دولة وممارساتها الفعلية. وهذا ينطبق على جميع الدول بما فيها الجمهورية الإسلامية ودول الخليج.

والمثال الذي تسوقه “البحرين” ينطبق على الجمهورية الإسلامية بقدر ما ينطبق على دول الخليج أيضاً. فإيران تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين وتتصدى لأي محاولة للترويج لها في سورية، وكذلك دول الخليج تدافع عنها في سورية وتتصدى لها في البحرين، والمفارقة الأكبر أن أنظمة الحكم في دول الخليج وإيران ليست ديمقراطية، مع تفاوت بالدرجة. ما يهمنا نحن السوريين هو سورية التي نريدها دولة وطنية ديمقراطية لجميع أبنائها، ومشكلتنا اليوم هي سورية ومستقبلها، ولا تعنينا طبيعة أنظمة الحكم في قطر والسعودية وإيران وغيرها.

بالفعل كان “موقف الجمهورية الإسلامية واضحاً كسطوع الشمس، منذ اليوم الأول” كما يقول السيد صالحي، وملخصه أنكم كنتم مع النظام الحاكم ولم تكونوا مع الشعب السوري. أما دعوتكم للحوار الشامل بين النظام والمعارضة، فإنه من البديهي القول أنه ما عادت كلمة الحوار مناسبة لتوصيف أي حل سياسي بعد الذي جرى. في الأشهر الأولى من الثورة طرحت المعارضة رؤيتها للحوار الوطني، وتمثلت بضرورة خلق بيئة صحية للحوار (سحب الجيش من المدن، السماح بالتظاهر السلمي من دون قيود، السماح لوسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان بالعمل بحرية، تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ونزيهة لمحاسبة الذين أطلقوا النار على المتظاهرين، الإفراج عن جميع المعتقلين)، لكن أياً من هذه المعايير لم يتحقق. وظلت دعوة النظام إلى الحوار، ودعوتكم أيضاً، مجرد خطاب إعلامي لا يتوافر على الصدقية أو العادلية.

على العموم، نتفق مع السيد صالحي أن الشعب السوري وحده من يقرر نظام الحكم في سوريا واسم الحاكم من خلال “عملية سياسية انتخابية نزيهة وشفافة”، وهذا يمكن أن يكون محط إجماع بين السوريين، بخاصة عندما يتخلى الموالون عن شعارات “الأبدية” و”الأسد أو لا أحد”. لكن الخلاف هو في كيفية الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها شعبنا أن يشارك في العملية السياسية من دون خوف من الاعتقال والتعذيب والقتل، ولا أحد يستطيع أن يقول أن ذلك ممكن بوجود النظام القائم وأجهزته الأمنية.

لم يكن أي سوري مع العسكرة، لكن العسكرة لم تكن خياراً إرادياً حراً، بل نتيجة منطقية وطبيعية لعنف ليس له مثيل، وصمت عربي وإسلامي ودولي ليس له مثيل أيضاً، وكلنا يعلم أن ثورة السوريين استمرت سلمية ثمانية أشهر على الرغم من القتل والاعتقال والتعذيب والتشريد. لقد كانت العسكرة ردة فعل على انتهاك فاضح من قبل النظام وداعميه للمجتمع السوري، وليعذرنا السيد صالحي إن قلنا له إنكم ساهمتم وما تزالون في دعم النظام بالسلاح والمال، أما أموالكم “الإغاثية” التي تقول إنكم ترسلونها بدلاً من السلاح فإن أحداً من النازحين داخل سورية، أو من اللاجئين خارجها قد سمع بها، ويبدو أنكم تغيثون النظام ومقاتليه لا أكثر ولا أقل.

هل يعتقد السيد صالحي اليوم أن هناك من قد يطرق باب إيران اليوم أو غداً من باب الصداقة للبحث عن حل سياسي، بعد أن وضعت نفسها طرفاً في الصراع، ولم تتعامل من واقع مصلحة الشعب السوري؟ خصوصاً في ظل إصراركم على هذه القراءة غير النزيهة للأوضاع في سورية. نحن لم نسمع منكم نقداً واحداً لممارسات النظام أو إدانة لسلوك واحد فحسب. والأهم أنكم اليوم مشاركون على الأرض دعماً وتسليحاً، بل وإرسالاً للجماعات المتطرفة الموالية لكم.

لا يفيد في هذا الإطار دعم الجمهورية الإسلامية، كما يقول السيد صالحي، لأي “مبادرة تعتمد الحل السياسي إطاراً لها، من أي جهة أتت”، كما لا ينفع إعلانه في المقالة عن “الاستعداد الكامل لإيران لإنجاح أي مبادرة منصفة وعادلة تضمن مصالح الشعب السوري وتؤدي إلى إعادة الاستقرار لهذا البلد وتثبيته”. كيف يمكن أن تكون دعوات السيد صالحي مقنعة في ظل تصريح مرشد إيران علي خامنئي “إن سورية إما أن تكون ما كانت عليه أو لا تكون لأحد”، الذي يوازي شعار الشبيحة ذاته: الأسد أو نحرق البلد! وكيف يمكن أن تلقى هذه الدعوات آذاناً صاغية بعد التصريحات التي تعتبر سورية المحافظة الإيرانية الرابعة والثلاثين؟!.

بالمقابل، نحن مع السيد صالحي عندما يؤكد على أهمية إيجاد حل سياسي، إذ ليس هناك من عاقل يدعو إلى الحرب، فالحلول السياسية هي الأنجع والأصوب والأسلم. لقد جاءت فرص كثيرة خلال الشهور الستة الأولى لكن النظام كان مصراً على السير فيما بدأه. فهو يؤمن بالتسويات والمقايضات والبيع والشراء مع “الخارج”، أما مع الداخل فإنه يؤمن بفرض “هيبة الدولة”. هناك فرق كبير بين “هيبة الدولة” و”خيبة الدولة”.

أنا من الناس الذين كانوا يرغبون حقاً ويأملون أن يصدق النظام في وعوده ويسير في حل سياسي تسووي، ربما لأني أعرف طبيعة النظام جيداً وما يمكن أن يفعله، وأعرف أيضاً أن بلدنا ما زال فقيراً بالسياسيين نتيجة عهود الاستبداد. لكن النظام بتحوله إلى قوة عارية حول المعارضة غير الناضجة إلى “جوقة رديحة” لا أكثر ولا أقل، حتى غابت السياسة والخطاب السياسي. وبعد كل هذا هل يمكن إيجاد حل سياسي بين أطراف تخلت في مجملها عن السياسة؟ الحل السياسي المنصف والعادل، كما يقول السيد صالحي، يبدأ على الأقل من الإقرار بفشل النظام الحاكم في حل الأزمة القائمة، وهذا أضعف الإيمان. بالتالي فمن الإنصاف والعدالة ألا يكافأ الفاشلون في أي حل سياسي.

أقول مع السيد صالحي، لكل من يقف متفرجاً على مأساة سورية والسوريين ولم يعمل شيئاً، إن “حكم التاريخ سيكون قاسياً” و”التاريخ لن يرحم أحداً”، وبخاصة أولئك الذين يرون المجازر اليومية المرتكبة بحق شعبنا ويصمتون عنها ويزورون الحقائق ويجعلون الجلاد ضحية، والضحية جلاداً، أو أولئك الذين يشاركون النظام ممارساته ويفتحون مستقبل البلد على المجهول.

في الثورة أخطاء عديدة وممارسات خاطئة كثيرة، وهي في معظمها من إنتاج النظام وتربيته، إذ ليس من المعقول أن يتحول كل الناس إلى أنبياء بين ليلة وضحاها في الوقت الذي تربوا فيه لعقود على الاستبداد والفساد. ثم من الطبيعي في المراحل الانتقالية أن يظهر إلى السطح كل العفن الذي زرعه وغذاه النظام، فضلاً عن الحالات الإجرامية التي استغلت الظرف وتتستر بلبوس الثورة. إذ ما كان لهذه الهويات المعيقة والدعوات الطائفية المقيتة أن تخرج إلى السطح لولا فشل النظام لمدة نصف قرن في إنتاج هوية وطنية سورية جامعة. مع ذلك تحتوي الثورة على مشاهد كثيرة جداً تستحق أن تدرس في العالم أجمع، وتبقى فرصة لإعادة بناء الإنسان والوطن، وتلك مسؤولية السوريين وليس سواهم.

خاص بـ “العربية.نت”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...