الرئيسية / صفحات الناس / أبونا باولو ومشاعرنا الطائفية وبوسطن

أبونا باولو ومشاعرنا الطائفية وبوسطن

ناهد بدوية

    يتكرر المشهد ذاته في كل لقاء مع الأب السوري باولو، هو يقول يجب أن نعترف أنا هناك مناخا طائفيا وخوفا من حرب طائفية في سوريا.. فيخرج له في القاعة أكثر من معترض من السوريين ليقول له بكل حرقة وغضب نحن في سورية لا نعرف الطائفية. وأعتقد أن هذا المشهد سيستمر طالما استمر الأسد في الحكم وطالما استمر شلال الدم يتدفق في البلاد. هذا التكرار وهذا الاستمرار في النقاش الساخن بين طرفين سوريين يقطر قلب كل منهما دما وحزنا على دماء السوريين يمكن أن يشير إلى وجاهة الرأيين معا  .. ولكن كيف؟

التناقض بين الرأيين سببه سكونية تناول الموضوع عند كل من الطرفين. المشاعر الطائفية في طبيعتها متغيرة تغيرا شديدا وتتغير على نحو حاد مع التغير الحاد للظروف المحيطة.. ولا يوجد تناقض بين الرأيين إذا أخذنا الظاهرة في حركيتها وخصوصيتها. نعم السوريون لا يعرفون الطائفية.. ولكنهم الآن منقسمون طائفيا..كيف؟ الوصول إلى الجواب المنطقي هنا هو بادراك الفارق بين  مشاعر سائدة في حالة السلم والتي لا يمكن أن تشبه حالة الحرب، الحرب التي أعلنها النظام على الثورة باستخدام سلاح التدمير الشامل المسمى الطائفية.

الطائفية في زمن الحرب تنتمي إلى ساحة الغرائز لأنها تصبح مرتبطة بمشاعر الخوف (مشاعر البراميسيوم)  تحديدا لذلك من السهل اثارتها وعندما تستثار لا ينفع معها النقاش العقلي لأنها تنتمي الى ساحة اللاوعي واللاعقل..وتساهم في تشكلها ردود الفعل الأولية للخلايا الخائفة.. وفي الحقيقة انها استثيرت في سورية على نحو لم يسبق له مثيل.. لأن وظيفتها كانت تحطيم ثورة لم يسبق لها مثيل أيضا…ثم أن من يلعب بالمياه الآسنة للمستنقع ويهددك بأنه سوف يدع تشرب منها، قد لا ينجح باجبارك على ابتلاعها، ولكنه بالتأكيد سوف ينجح بأن يجبرك على استنشاق الغازات والروائح الكريهة التي تنبعث نتيجة العبث بمياه المستنقع وتحريك المياه الآسنة. هل نستطيع انكار أننا نكاد نشعر بالاختناق من هذه الروائح الكريهة للطائفية في سوريا الآن؟

 سأسوق مثالا على حركية المشاعر، ولكن لن أسوق أمثلة من مجتمعنا السوري، سأتكلم عن بوسطن!! اذا كررت في بوسطن الآن، كلمة شيشاني ثلاث مرات أمام الانسان المتوسط الامريكي هناك سوف يفقد الوعي من الكراهية.. قبل التفجيرات الأخيرة التي نفذت بأيدي شيشانية .. لم يكن هناك مشكلة .. صحيح أن الأمريكي الأبيض ربما لا يحب الأمريكي من أصل شيشاني ولكنه لا يكرهه واذا كرهه لا يعتقد أنه لا يستحق العيش .. ربما كان ينظر بعين الريبة الى عاداته وسلوكه الاجتماعي ربما.. ولكنه الآن يكرهه.. طبعا نستبعد هنا من اعتاد على التفكير المستقل كالعلماء والمثقفين والمفكرين والمناضلين والمسيسين. نرى أن الانسان المتوسط الأمريكي نشأت عنده مشاعر جديدة اتجاه الشيشان مستمدة من مشاعر الخوف “مشاعر البراميسيوم”.

إن طرح الحلول المستند على تأبيد اللحظة سوف تكون نتائجها كارثية تشبه نتائج كل محاولات التأبيد عبر التاريخ البشري.. نعم ينبغي أن نراجع مشاعرنا الطائفية في حالات السلم والحرب وفي الماضي والراهن والمستقبل، ولكننا ينبغي أن نبني دولتنا الديمقراطية الحرة بعيدا عن الروائح الطائفية الكريهة. وقوة هذه الدولة عندما تكون لكل مواطنيها، سوف تكون كالرياح القوية التي ستنظف الجو من التلوث والقرف والروائح والغازات السامة بمختلف أنواعها.

يشبه طرح أبونا باولو للفيدرالية الطائفية في سورية، أن يصدر مثلا قانون في بوسطن خاص بهجرة الشيشان نتيجة مشاعر الخوف والكراهية عند سكان بوسطن حاليا. وعلى أن المواطنين الشيشان الحاليين يجب أن يعيشوا في منعزلات مراقبة جيدا ….الخ. يعني تأبيد اللحظة الراهنة عبر قانون جديد.

أختلف معك أبونا حول الفيدرالية.. لأنها تأبيد للحظة الراهنة. وتأقلم مع السموم بدلا من طردها. ولكن هذا لا يمنعني بأن أحييك ياابن بلدي على كل ماقدمته لثورتك، وأعتذر عن بعض السوريين الذين من المحتمل أنهم جرحوك أكثر من مرة بتذكيرك بأنك من أصل غير سوري.. الكثير من هؤلاء ياأبونا لم يعيشوا في سوريا أصلا كما عشت أنت. .. ويتهمون الدول الاوربية بالعنصرية اذا رفضوا اعطاءهم الجنسية بعد خمس سنوات من اقامتهم فيها.. والكثير من هؤلاء ياأبونا لم نشعر أنهم كانوا معنا في شارع ثورتنا كما كنت..وأوكد لك أنه لم ينجح سوري غيرك بأن يجعل قلبي يبكي تأثرا بكلمتك عندما قلت: لقد رحل جزء كبير من أنفسنا وأرواحنا إلى هناك، وبقي بجانب من فقدناهم.. بجانب باسل شحادة وعمر عزيز ومظهر طيارة وأيهم غزول.. والقائمة طويلة وحزينة.

مازلت أردد صرختي منذ أن ضيعت الطريق الى دير مارموسى في منتصف التسعينات ووقفت على قمة جبل وناديت باولوووووووووووووووو.. ورددت جبال النبك والقلمون صدى اسمك.. باولووووووووووو ربما أختلف معك في الرأي..  ولكن هذا الدير المحبب من قبل كل طوائف سورية بفضلك، و تلك الجبال والآماد اللانهائية هناك مازالت تردد اسم ابنها باولو.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

98 − 88 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...