الرئيسية / صفحات سورية / أحاديث إلى الثورة السورية: الشبيحة

أحاديث إلى الثورة السورية: الشبيحة


كمال اللبواني

أطلقت كلمة شبيحة، لتوصيف من يركبون الشبحات ( سيارات المرسيدس )، التي كان يفضل استعمالها المسئولين ومرافقيهم، من رجال عسكريين وأمنيين وأقارب ( لا فرق )، ولهم مهمة حماية وتسيير أمور المسئول أو أحد أولاده.. وهم عادة ممن تربطهم بهذا المسئول وأفراد أسرته علاقة خاصة ( عائلة – ضيعة ) .. وممن لا يشك أبدا بولائهم، وممن لا صفة قانونية ورسمية لهم، ومع ذلك يمارسون نفوذا هائلا على الأرض والمؤسسات، مستمدة من صلاحيات غير محدودة لكل مسئول، يستطيع فعل أي شيء يريده بشعب قد حول إلى رعية.. وهم يوسعون نشاطهم لتحقيق مصالحهم ونزواتهم الخاصة بهم أيضاً، كثمن وأجر عن أتعابهم.. وهكذا يستخدم المسئول عددا غير محدود من المرافقة ( الشبيحة ) يقدمون له خدمات مختلفة، مجانية، ويتقاضون أجورهم بالتشبيح على الناس والسلبطة عليهم.. وطالما أن المسئول ومن معه لديهم حصانة ضد القانون في سلطة الاستبداد والفساد. فإنه لا حد عمليا لسلوك وعدد الشبيحة، الذين يتحلقون حول كل مسئول ذو نفوذ.. وفي كل المستويات، فهي ظاهرة شائعة موجودة في كل سويات السلطة المدنية والعسكرية والأمنية والدينية والثقافية حتى.. طالما أن أساس السلطة هو الأمن، وهو من يوزع الصلاحيات والمهمات، وهو من يهيمن على كل شيء في النظم الأمنية الشمولية….

والأصل اللغوي أيضا يعود للصيد والقنص، لكن ليس في الحرش، بل في المجتمع، وليس على الحيوانات، بل على المدنيين الذين لا يقبل منهم الشكوى أو التذمر… وهم عرضة بشكل مستمر لكل أنواع الانتهاك، ومرعى للصيد وحقل للقنص.. ، وكل ذلك مقابل ولاء مطلق وطاعة تامة، ترتفع إلى درجة التقديس، الذي يجب أن يصان بالروح والدم، ودوس الناس لو تطلب الأمر. فهو السيد الإله الذي أعطى لهذه اللعبة وجودها، وأعطى للشبيحة صلاحيات إلهية يمارسونها على العباد، فهم من يحي ويميت ويرزق ويسلب ويرحم وينتقم، لا سلطة ولا رقيب ولا حاجة لضمير، ولا مجال لتكونه.. فمن ينشأ في حضن السلطة المطلقة لا يتشكل لديه أي وازع، لأنه لم يختبر الآخر السلبي القادر على إيذائه، فهو معفي من الضمير ومن مشاعر الندم والشفقة والرحمة. والمحبة التي تعني العطاء، بل فقط متمترس في عالم الغريزة والشهوة والسادية، التي بدونها لن يكون له وجود.. وما يدعم كل ذلك من حاجة لمخدرات ومنشطات..

فالأصل في الشرعية الديمقراطية ، أن تتشكل السلطة وتراقب وتحاسب وتتداول، بإرادة الشعب المعبر عنها عبر آليات تمثيل، وانتخابات حرة في مناخ من الحريات والضمانات، وضمن حماية القانون الذي يطبق على الجميع وضمن التزام كل موظف بصلاحياته القانونية. وبحراسة جهاز قضائي عادل ومستقل يفصل في التجاوزات..

وتنشأ ظاهرة التشبيح عادة في الدول المستبدة ، التي مايزال فيها للمجتمع الأهلي دورا بارزا وما يزال فيها لفكرة السلطنة حظاً في الوجود..، السلطة فيها مطلقة وغير مراقبة وغير قابلة للمحاسبة، وتضع نفسها فوق القانون والدين والحق والوطن.. وتستمد دعمها من نظام القمع والخوف الذي يجبر الناس على البقاء داخل دائرة الإذعان، وتحول الشعب إلى رعية.. يأكل بأمر ويتنفس بأمر ويرقص بأمر ويحتفل بأمر.. لا حول له ولا قوة.. مستباح تماما ومشلول تماما، في مواجهة سلطة غاشمة لا ترحم ولا تشبع.. تحاول ممارسة كل أنواع البطش والتنكيل العشوائي والمجاني الذي يجعل المواطن مرتبك تماما وفاقد لكل قدرة على استعمال عقله، ووعي إمكانياته، وبالتالي التأثير على مصيره. فتمارس السلطة خارج الإطار المؤسسي المنضبط.. كسلطة قهر وسلب ( تشبيح ) قائمة على عقد مقدس معمد بالدم، ومحصن بإزهاق الأرواح، ومدعم بالسجون والتعذيب، هو أساس عصبية السلطة، التي تحفظ وحدتها وتماسكها وتصون قوتها في مواجهة المعادين .. ( المندسين ) أعداء الوطن وطلاب الحرية.، وإذا ما فقدت أحد أركانها، يتم ترميمه بالتوريث، لتحافظ المنظومة على وجودها وتوازناتها كما هي.. فكل تغير هو خطر على وجودها وتوازناتها وبقائها.

والمشكلة تزداد سوءا عندما يصبح الذين كانوا شبيحة عند المسئولين، هم ذاتهم المسئولون، بما حملوه من تربية وأخلاقيات..، فهم ليسوا كمن تربى في أسرة ومجتمع وتعلم منهم بعض القيم.. إنهم من تربى في جو مذعور لا قيم فيه ولا رادع.. إنه عندما ينتقل من مرتبة شبيح إلى مرتبة مسئول. سوف يمارس سلطته بعقليته التي تربى عليها، وتعودها، وسوف يرتكب كل أنواع الفظاعات في مواجهة أي خطر على سلطته…

وقد جاء اليوم الذي يتوقف فيه بقاء السلطة على هؤلاء الشبيحة الذين يقودون كل شيء، الجيش والأمن والاقتصاد والقضاء والثقافة والإعلام، ومن ثم الشعب.. فأصبح الشبيحة هم وجه السلطة الوحيد وأداتها الوحيدة، التي تنفذ بإخلاص وتخدم مصالحها بالبقاء، بالقوة والعنف والقهر بعد تآكل كل مصادر الشرعية للسلطة، وعندما بدأت قوة الشبيحة بالتآكل، بسبب المقاومة العنيفة لهم، جن جنون السلطة واتهمت المعارضة بأنها عنيفة ومسلحة، وحاولت تدعيم مصادر شبيحتها بإثارة النعرات الطائفية.. واستقدام المرتزقة، والإيحاء أن مصير الأقليات مهدد من قبل عصابات تحمل السلاح، وليس شعب يدافع عن نفسه بوجه إجرام لم يسعفهم أحد في منعه.. فتحولت الضحية لمعتد والمعتد لضحية…. وهو ما ينعكس على صورة وطريقة قمع الاحتجاجات الدموية، التي نرى مشاهدها كل يوم وفي كل مكان.. ثم يأتي من يقول لماذا لا تتحاورون، لماذا لا تتركون لهؤلاء فرصة القيام بالإصلاحات.. لماذا لا تطمئنون الأقليات..، فنقول لماذا لا توقفون عمليات الذبح والاعتقال والتعذيب والاستباحة.. لماذا لا تقبلون مبدأ تداول السلطة.. والانتخابات الحرة .. وسيادة القانون على الجميع.. فتنتهي المشكلة. لماذا لا نعود للدولة المدنية ، بدلاً من المزرعة، ولماذا لا يعود الحاكم ليأتمر بأمر الشعب وليخدمه..هل هذه المطالب تستحق أن تحدث حرباً أهلية..

ونحن نقول لا بد أن يكون هناك فاصل واضح بين السلطة والدولة- المؤسسات فالسلطة تتغير لأتفه الأسباب، والمؤسسات تبقى وتعمل ضمن القانون، وليس ضمن أهواء أحد، مهما كانت مكانته، لأنه هو أيضاً ضمن القانون، وأنا هنا لا أدعو للتمرد، بل لتطبيق القانون وعدم إطاعة أية أوامر مخالفة له، وعدم تنفيذ أي أمر شفهي غير مكتوب، وغير معلل ضمن الأنظمة والقوانين، اقصد أوامر إطلاق النار أو تعذيب المدنيين، أو محاصرة المدن والبلدات واستباحتها.

وكذلك ترك مسافة واضحة بين مكونات المجتمع الأهلي وبين الدولة عموماً، والسلطة خصوصاً ، فلا يربط أحد مصيره ووجوده كمكون اجتماعي أهلي ثابت بمصير السلطة، ولا يستخدم أبناء طائفة معينة نفوذهم وقرابتهم لتحقيق مكاسب غير قانونية، تشبيحية، لأن ذلك يثير حفيظة البقية … ثم الإعلان الواضح والصريح حول نوع الوطن الذي نريد .. والتحاور حول دستور جامع متوافق عليه…

لذلك نرى أنه حتى الانقلاب العسكري، سيكون تقدماً إذا كان الحكم العسكري يلتزم بالقوانين العسكرية، أو حتى بأخلاق الحرب، لكن عصابات الشبيحة هي أدنى من أي قانون ديكتاتوري، وليس لها أي ضوابط قانونية..، ورحيل سلطة التشبيح يصبح هو الحل الوحيد الضروري قبل أن تبدأ مسيرة أي إصلاح… فالمشكلة هي النظام الحاكم، الذي افسد خمسين سنة، فكيف يقود مسيرة إصلاح مناقضة لوجوده وجوهره ومنطقه وتكوينه، هل ضيعنا عقولنا.. ولماذا لا يتنطح أحد غيره لمسيرة الإصلاح.. إنها الرغبة في بقاء المقدس التشبيحي ليعاد بناء نظام التشبيح حوله.. وليجدد تكوينه.. لكن هيهات هيهات، بعد أن رفضه البشر والحجر والشجر.. وهيأ الله كل أسباب زواله، فضل طريقه وزاده الله ضلالا.. أعوذ بالله.

العربية نت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...