صفحات سوريةطالب ك إبراهيم

الثورات المسروقة المتعبة


                                                                طالب ك إبراهيم

في سجن صيدنايا، وأثناء الحملات المتلاحقة للنظام الأمني العسكري السوري على كل التنظيمات السياسية المعارضة، تصادفت مجموعة كبيرة من المعتقلين من كل التنظيمات ومن كل الطوائف.

 بعد سلسلة طويلة من المشادات والمعارك الصغيرة، خاصة منها بين الشيوعيين والإسلاميين،وبعد مضي سنوات طويلة من التعذيب المشترك، تم بناء بناء جسر هش من الثقة الحذرة.

 تساءل أحد الإسلاميين ساخراً: أين يخبئ العلويون أذيالهم..؟

في نفس الجناح من السجن كان هناك حوالي ستين شاباً معارضاً علوياً تعرضوا لشتى صنوف التعذيب.

حاول أحدهم إثبات أن العلويين مثلهم مثل بقية البشر بدون ذيول، لكن المعارض الإسلامي أكد أن العلويين خنازير مختلفون،  وأعاد سؤاله من جديد ، فما كان من محاوره العلوي إلا أن وقف وخلع ثيابه كاملة وأدار له ظهره لكي يصدق بخلو جسده من الذيل، فقال الإسلامي نعلم أنكم تزيلونه عند أمهر الأطباء..

وقال يومها أن العلويين خنازير مقطوعي الذيل.

في فلم مصور لعملية تحقيق ثورية مع رجل أمن سوري من الطائفة العلوية استطاع الثوار اعتقاله من قلب قريته العلوية كما يذكر الفلم، يردد فيها المحقق الثوري في كل لحظة كلمة يا حنزير موجهاً كلامه لرجل الأمن العلوي ويجيب ذاك : يا سيدي.. ويكمل إجابته…

المشترك بين خنزير سجن صيدنايا وخنزير التحقيق الثوري هو تطرف يتغافل عنه الجميع قصداً لضرورات ثورية..

في فيلم آخر، تذبح خلية للجيش الحر”كتيبة شهداء حلب للمهام الخاصة” كما تعرف بنفسها دكتور في هندسة الطيران متخرج من جامعة تولوز الفرنسية على أنه شبيح معروف بجرائمه.

 وليتم تبرير القتل الطائفي له بحكم انتمائه للطائفة العلوية تم الصاق تهمة التشبيح لتكون دليلاً كافياً على قتله والتمثيل بجثته.

تناقلت بعض الجرائد الغربية صورة مقاتل من الجيش الحر وهو يرتدي ثوب أحد الخوارنة السوريين ويحمل في يده كلاشنكوف وفي الأخرى الصليب، لقد حاول دعاة تلك الصورة توليف صورة على أن المسيحيين التحقوا بالجيش الحر، وأن الجيش الحر ليس فقط إسلامي الطابع و لطائفة السنة تحديداً.

 لقد اعتبرت تلك الجرائد أن المقاتل سرق ثوب رجل الدين المسيحي وهو يتاجر باسمه وباسم الثورة من منطلق طائفي عميق، و أن الثورة السورية وقعت في منزلق خطير.

 تطل فتاة مراهقة ثورية على إحدى المحطات وتصف بكثير من الغباء والجهل أساليب التعذيب التي تعرضت لها على أيدي المخابرات السورية وعلى يدي رئيس فرع أحد الفروع مباشرة.

وعندما تتحدث عن اغتصابها أو اغتصاب كل الفتيات بلا استثناء تضحك وتقول  تعرضنا للاغتصاب، الجميع تعرض للاغتصاب، لكنهم لا يقولون ذلك..

اغتصاب لكنه مثير للضحك لديها، في حين أنه مثير للموت لدى الأخريات المغتصبات.

الفتاة الثورية هذه تعرضت للاعتقال ثلاثة مرات في بداية الثورة لم تتجاوز فترة اعتقالها في المرات الثلاثة يومين، وعندما كانت تخرج من المعتقل كانت تروي لأصدقائها أنها ضربت مرة كف على وجهها ومرة دفعت في ظهرها لتدخل إلى المهجع، وللطرافة فقط لم تكن تعرف كلمة مهجع وإنما صحح أصدقاؤها لها ذلك..

ناشط يسرق مساعدات ويختفي، لتظهر فجأة مجموعة صفحات تتحدث عن اعتقاله، ويتهافت الناشطون للحديث عن بطولاته.

اعتقال الآن يعني بطولة في هذا الزمن الحساس، بغض النظر عن السرقة وأجوائها الحساسة.

وصفات كبيرة تتربع على عرش ناشطين بسيطين تعرضوا للاعتقال، كأن يوصف أحدهم بأنه نصف الثورة، وآخر بأنه وحي الثورة، وفي الحالات الكثيرة تلك، يغيب السلوك البشري عن أنشطتهم لتغرق تلك الأنشطة بمسحة أسطورية، يغيب فعل الثورة باعتبارها عمل فريق كامل، ليحل محله نشاط فردي نجح في مسار الأسطرة.

 فشل” نصف الثورة” في مسارات كثيرة منها التحقيق ذاته، لكن ولكي تنجح الملحمة أو المفهوم الأسطوري لعمل الناشط الأسطوري، يتم إخفاء تلك التفاصيل المهمة، ولاعتبارات ثورية.

الثورات لا يسرقها فقط كبار الانتهازيين والمتسلقين والمجتمع الدولي، ولكن حتى الثوار الهامشيون يحاولون سرقتها وتغطي أيديولوجية الثورة غباء الهامشيين وكذبهم  لضرورات ثورية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى