الرئيسية / صفحات سورية / أحزمة أمان نظام الأسد/ غازي دحمان

أحزمة أمان نظام الأسد/ غازي دحمان

 

 

في سياق حربه ضد الثورة، صنع بشار الأسد والحلف الداعم له، مجالاً دفاعياً، يشبه ما كان يطلق عليه في الحروب الكلاسيكية “خطوط التحصين”، وقد تكلّف ذلك جملة إجراءات انطوت على صناعة حيثيات ووقائع عديدة، جرى تكريسها في صلب الحدث السوري عموماً، وضمن بيئة شبكة انتشار الثورة ضده، وتبين، مع مرور الأيام، أن ذلك المجال شكل دينامية متكاملة، صارت تمثل حقلاً موازياً للثورة، وجرى تصدير عناصره، بوصفها وقائع حاكمة، لا يمكن لأي مقاربة للحالة السورية تجاوزها. وهو ما أطلق عليه في أدبيات تحليل الحدث السوري “إعادة صياغة الحدث”، وتقديمه للمجتمعين، الداخلي والخارجي.

اشتمل ذلك المجال على وقائع جرى تصنيع أغلبها ضمن مختبرات نظام الأسد، وبمساعدة مراكز استخباراتية إقليمية ودولية، ولم يقتصر الهدف منها على قمع الثورة وتشويهها وحسب، بل تحويل تلك الوقائع إلى أزماتٍ في الداخل السوري بمواجهة الثوار، وفي إطار البنية الأمنية والاجتماعية للإقليم، وفي مرحلةٍ أخرى، تحويلها إلى مهددات للأمن الدولي برمته، في إطار عمليةٍ تهدف إلى عكس ارتدادات الحدث على الأطراف التي تنخرط في تأييد حق السوريين بالثورة، ووضعها أمام أزمات متوالدة ومتواترة، وهو ما أكده بشار الأسد، في خطابه الأول بعد اندلاع الثورة ضده، حينما ذكر أنه “يريد أن يعكس دومينو الثورات في الاتجاه المعاكس”، ويجعل الثورة السورية آخر ثورة عربية.

في بنية مجال أحزمة الأمان تلك، تشكل داعش أول الأحزمة التي صار يستند إليها نظام الأسد بقوة، في توفير الحماية له، وإذا كانت ثمة خلاصات صدرت من عواصم غربية، تنبه إلى ضرورة الربط بين داعش ونظام الأسد، غير أن ذلك يبقى في الإطار التحليلي، ذاك أن تطور حركية داعش، والتداعيات التي تتولد عنها، أوجدت حالة ارتباك غربي، يعمل نظام الأسد على استثمارها، من خلال ثغرة ضيقةٍ، تتعلق بالتنسيق الأمني مع أجهزة الاستخبارات الغربية بشأنها، والمعلوم أن الدول الغربية تتعامل مع أزمات المنطقة، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 من زاوية استخبارية، في الغالب، لدرء التهديدات المحتملة ضدها، وغالباً ما يجري تبني تقديرات تلك الأجهزة، وتحويلها إلى مخرجات سياسية وإجراءات عملانية.

“استغل النظام السوري حقيقة أن المجتمعات الغربية تبدي تعاطفاً مع الأقليات في المنطقة، وتعتقد أنها تتعرض لخطر الإبادة والتهجير، جراء التطرف الأكثري”

يتمثل حزام الأمان الثاني في حالة السيولة الإقليمية، وممكنات التفجير في البيئة الإقليمية، فبعد التطورات المتسارعة في العراق، ووصولها إلى مرحلة مشرّعة على مروحة واسعة من الاحتمالات، يدخل لبنان بوابة اللعبة نفسها، بعد بروز مؤشرات عديدة عن وجود استعداد وبيئةٍ مناسبةٍ، لحصول الفوضى، وليس الأردن بعيداً عن هذا المناخ، أقله لجهة التوتر والاستنفار الذي بات يعيش على وقعه، ولعل ما يزيد من حدة هذه الحالة وجود أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في هذه البلدان، ما قد يحول أي شرارة قد تحصل إلى حريق لهّاب، وما يجعل معه أي إجراء عملاني، قد يجري التفكير فيه، يشبه عملية جراحية معقدة بمخاطر عالية جداً.

حزام الأمان الثالث تمثل بحالة الاستقطاب والفرز الاجتماعيين، على المستوى الإقليمي، وحالة التوتر بين الأقليات والاكثريات المكوناتية، وقد شكل هذا المتغير واحدة من تعقيدات الأزمة، وهامشاً لمجال تحرك نظام الأسد، وخصوصاً على الصعيد الإعلامي، الأمر الذي شكل صعوبة في وجه خطاب الثورة في المجتمعات الغربية التي تبدي تعاطفاً مع الأقليات في المنطقة، وتعتقد أنها تتعرض لخطر الإبادة والتهجير، جراء التطرف الأكثري.

أنتجت هذه الأحزمة حزاماً لا يقل أهمية وتأثيراً، يتمثل بتردد الغرب في اتخاذ إجراء حاسم في مواجهة جرائم نظام الأسد، ويمكن ملاحظة مدى تأثير تلك التطورات في السلوك السياسي الغربي، المتردد والرافض للقيام بإجراءات عملانية حاسمة، على الرغم من إدراك دوائر صنع القرار في الغرب الخطر الذي يمثله استمرار نظام الأسد، عبر تحويله سورية مركز استقطاب عالمي للأصوليات المتطرفة.

قامت استراتيجية نظام الأسد، في صناعتها نطاق الأحزمة، على مبدأ توسيع دوائر الاستهداف، وتسريع تيارات التداعيات المحتملة، عبر تكتيكات تقوم على ترك التطورات تتفاعل وتتوالد، بطريقة انسيابية، في مقابل تحمّل الحد الأدنى من الخسائر المتوقعة، ومقابلة الفوضى بمزيد منها، والعمل على صناعة المناخ المناسب لإشاعتها، والرهان على الاستفادة من عنصر التغذية الذي توفره عملية اشتباك تلك التطورات في الفضاءين، السوري والإقليمي.

ما هي استراتيجية المواجهة المطلوبة؟ يفترض المنطق الطبيعي تفكيك قوى الثورة عناصر هذا المجال الذي صنعه نظام الأسد، بدءاً من الحيثيات والوقائع، وانتهاء بإعادة صياغة الحدث، وتقديمه بصورة جديدة، لكن سؤالاً يبرز عما إذا كانت الثورة تملك ترف القيام بمثل هذا الأمر، وخصوصاً أن عملية تفكيك تلك الأحزمة باتت تتطلب ثورةً جديدةً، بطاقة وإمكانات تنطوي على جهود تساوي التي جرى استنفادها، منذ بداية الثورة حتى اليوم، في وقت تصارع فيه الثورة في سبيل البقاء؟

يشير الواقع إلى ما هو أكثر إمكانية وقابلية للتحقق، هو ضرورة التركيز على الأولويات، بحيث يمكن، على أساسها، بلورة الجهود وتوجيهها الوجهة الصحيحة، وإذا كان استمرار النظام، طوال هذه المدة، العامل الذي ساهم بصناعة تلك التعقيدات، والمحرك الأساسي في إدارة تلك اللعبة القاتلة، فإن سقوطه هو العامل الوحيد الكفيل بكسر تلك الدينامية التي صنعها، ووقف عوامل التغذية بداخلها، وهو ما يجعل التركيز على الميدان يأخذ الأولوية الأساسية، واعتبار ما عداها روافد إضافية في مهمة إنجاح الثورة.

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...