الرئيسية / صفحات الثقافة / أخفض من شجيرة قطن، ومن عنق سنبلة/ عزيز تبسي

أخفض من شجيرة قطن، ومن عنق سنبلة/ عزيز تبسي

بعض من حال الرقة ودساكرها

-1-

وعندما تُذكرُ الرقه، يتوجب التريّث، لتُعبّر وتجمع ما يفيض عن دورق الروح الهابط مجدها كقوالب الزنك!! قل لنا: ما هذه الملائكة التي تُرسل إلينا، وتعبر مفتونة كأسراب القطا، يتعقبها أولاد “الشوايا”، بجبائر من عيدان الطرفاء لأجنحتها المهيضة، لتسعفها في إتمام رحلتها، وينتظرون على الرمل الحار عودتها، ليتلقفوا رسالتها الرصينة عن الوعد الجميل، لم يعد مهماً التساؤل الآن إن قرر الأمير أخيراً أن يوزع بعض مسروقاته الأقل قيمة على العبيد الأكثر قيمة، ومنحهم يوم عطلة ليزوروا تماثيله، ويقلبّوا دفتر الهواء للتيقن من انجازاته. وإن عزم الصبي المفتون بعضلاته الناهضة لتوها، الركض حافياً فوق الجسر العتيق، ليقبض بكلتا يديه على سوره الحديدي دافعاً جذعه نحو الأمام، ليرى ما يُرى كل هنيهة: تدفق مسيل الماء، وتعثر أسماك الشبوط في صخور لحظية، قبل تطايرها إلى الأعلى وعودتها مذعورة إلى السيلان المستمر، ملتحقة بأهلها المسرعين إلى شط العرب، لتنام هناك في كثافة ملح الأبد. وإن استعد أخيراً الأصدقاء المكرسون، تثبيت صورة تذكارية أمام “باب بغداد”، مظهرين وجوههم المحروقة بالشمس، وعيونهم القلقة من غفوة عجولة لهذه الاستفاقة التاريخية، واستعجال قاطراتها اللجوج بالعودة إلى محطات الزبد، مبقية الحالمين المؤبدين على رصيفها العالي، بعدها لن توقظها من غطيطها الثقيل، أصابع الأطفال النحيلة التي دونت بغفلة عن رجالات الأمير كلمات القيامة، وهي ترتجف في برد الشتاء، قبل أن تدركها وثبة الوعود المنذرة، لتخطفها وتقطعها بالسواطير دون شفقة.

-2-

الشارع طويل، الفلاحون بأعينهم الملتصقة بالرمد يعاتبون الباعة والمواسم على بضائع لا يملكون ثمنها، ويعبرون ببطئ أمام صواني الحلويات المرطبة بقطرها الدبق، مطقطقين أفكاكهم، من حين لآخر، كمقصات الحلاقين. العيادات الطبية تعالج بعجالة فقر الدم المزمن بأقراص الحديد،وتسكن الأوجاع العضلية بزرقات دورية من مصول تهب التثاؤب والنوم الطويل فوق مفارش القدر. المؤسسات الحكومية ترصد الأملاك العامة بمناظير المساحة وشاخصاتها، وتوزعها بين ديوك الثورة وصيصانها، بينما سياراتها الرمادية العالية تسحج الإسفلت الهش بدواليبها، تاركة خلفها سحابة من غبار، ومزارع الدولة التي شدت عربة أعنتها إلى زبائن “الحجيات” وحاملي سراويلهن وعطورهن وقارعي طبلتهن وشاحذي قوس ربابتهن، ومناديي الكاراجات والوشاة المؤبدون، ليقولوا في اجتماعاتهم المغلقة بعد سنوات، ما كان يجب أن يقال لهم في الساحات العامة من اللحظة الأولى لاعتلائهم كرسي السلطة كدراجة هوائية، إنها أفلست أو سرقت، مبددة آمال الناس التي تتوارث التمهل من قرون، في غبطة للإتكاء النهائي على جذع الرفاهية الصقيل ورتق جروح الظلم العميقة، والسلطة، وهي اسم مستحدث لقطاع الطرق، تستدعي الفلاحين من حين لآخر للتفرج عليها ومدح انجازاتها، وهم يأتون طائعين لدرء الشبهة عن قناعاتهم العميقة، موعودين بصندويشة فلافل وكازوزة تدفعهم للتجشؤ وتمخط الغاز الحارق من فتحات أنوفهم، يقبلون من آخر خط حراثة، ليقفوا أو يجلسوا ليتابعوها، مسترجعين الأيام السالفة للسينما، متأففين من وقت لآخر حين يتذكرون أن الأفلام كانت تنتهي وتضاء الصالة المظلمة، إيذاناً بالتحرر من العتمة والخروج إلى الهواء النقي والنور، لكن استدعاءات هؤلاء وعتمتهم لا تنتهيان، والناس طيبون، صدقوا كلام المخاتير ورؤساء المخافر والوعود الآتية مع سيارات “اللاندروفر”، ولفرط الطيبة الذائبة كقوالب الثلج، كانوا يعتبرون شجيرات الطرفاء أجمات وارفة، يقرفصون خلفها لقضاء حوائجهم غير مبالين بمؤخراتهم العارية التي تظهر من الجهة الأخرى. لا شئ محجب فوق هذه الأرض المستوية، قبل أن يدرج السادة الجدد، أمثولات التحجب خلف أصابعهم، بينما الناس يرون كل شئ بعينهم المكحلة بالأثمد الثقيل، وبالعين المتبقية حزمة الخيزرانات الصلبة المنقوعة بسطول الماء، والرؤوس النحاسية المدببة لسيور طلقات الرصاص، والسادة يوهمون الأهل بيأس، أن جميع الطرقات تنتهي بنهاية رقائع الإسفلت، التي يدحلونها في الصباح وتفتتها الأحذية المطاطية ودواليب السيارات قبل حلول المساء، وكانوا ينتظرون من نوافذ غرفهم العالية، بترقب القابلات، سيلان الدمع الساخن على وجنتي الناس، لكن عبثاً تبحث عن دمعة في عين”شاوي”، إنهم لا يبكون إلا في السر، على المرأة التي تسرقها في الآماسي مياه النهر، والمجد المبدد على الرمل، حارقين صدورهم بـ”التتن” وشفاههم بالصمت، والمجازفون منهم يعبرون بلاغة مياه النهر العجولة، على ظهر يقطينة مقلبّين مويجات صفحاتها بمغرفة البرغل. وعبثاً كذلك تجد شاوياً ثرياً،” لكنهم يبوقون” يأتي صوت السادة الجدد، الشاوي يبوق ليأكل لا ليدخر في السراب. فمازالوا يجتمعون قبل الغروب حول بعضهم وحول الطبق الوحيد، لتتحارب ملاعقهم التوتياء في فراغه كسيوف التتار.

-3-

تخرج الحرارة من الرمل على مهل، ويتندّى الماء الساخن، المتبقي من التبخر العجول، كرقائق لامعة على بلاط الأرصفة المخلوع كأضراس العجائز، يدلف اللصوص المهرة تباعاً إلى المقصف البلدي، لتبادل الوشايات وتقاسم المسروقات، وترقب تقطع السبل في أزرار سراويل السلطة، للاندفاع بغريزة كلبية نحو مؤخرتها وتقبيلها بأمزجة العبيد، وتدليكها بعد ذلك بعصائر المراهم المرطبة، كطقس شكر على نعمها وحمايتها، رابطين مفاتيح الثورة في حلقة معدنية بعرى أحزمتهم الجلدية، التي ترفع سراويلهم ما فوق كروشهم، التي بدأت تظهرهم كنساء حوامل. يتحدثون بصوت عال، بعد الفراغ من التقاسم الهامس للغنائم وتجرع أقداح العرق، عن القدرات الإعجازية لثورتهم ووعودها القادمة المدوية كديناميت مقالع الحصى، وعن ضرورات مبادئها الخالدة، لا للبشر فحسب، بل للأغنام كذلك، ناقرين بحركة حرفية من إبهامهم ووسطاهم ذؤابة الوقائع وذيلها في آن، بعد أن يطلبوا من خدم المقصف كراس إضافية لإسناد سواعدهم، علها تمكّن رئاتهم من التنفس المخنوق بأكداس من الشحوم والألبسة التي تضيق كل يوم على أبدانهم. أثناءها بدأ الإقلاع الحازم للخطط الخمسية التي تسير بورق أضابير الاقتصاد الزراعي نحو الأمام، مترافقاً مع تراجع الغلال إلى الخلف، وانبثاق اللقب الجديد للمحافظ، ليكرس ما أطلق في المراحل المقفرة من أنظمة الإقطاع الشرقي على القيمين على إدارة المدن والولايات وجبايات المكوس والجعالات من الأهالي وسواهم: الوالي، واضعاً كلتا يديه على الأراضي البكر، مكرساً كل المقدرات العامة للدولة (الآليات الزراعية الحديثة-البذار-الأسمدة-المبيدات الحشرية-شاحنات النقل ) لزراعتها وأخذ غلالها إلى حساباته المصرفية، محطماً الحدود بين الملكيات العامة والامتيازات الخاصة، مفتتحاً عهداً جديداً من السطو السافر على البلاد، متهماً أي من يفتح فمه ليتحدث عن هذه السرقات بالعمالة للإستعمار. وكان يسمع في الشوارع صراخ راكبي الدراجات النارية وسيارات اللاندروفر الحكومية “إنطيها .. محروق بوجيها”، وهم يقودون آلياتهم بأقدام حافية تاركين أحذيتهم المكسورة من الخلف، و”شواريخهم” في المسافة المتبقية بين الدواسات الثلاث والمقعد الجلدي،ضاغطين على دواسة البنزين على آخرها، لتلتهب الشوارع التي لم تمتلئ بعد بالسيارات، رافعة الغبار الساخن في وجه المارة، اللذين ينزلون من فورهم حطاتهم على عيونهم. بعد نصف قرن، غُيرت الأحوال كلها، حتى الكلاب لم تعد تنبح كما يجب!! الجميع يتحول في فرز الأجهزة المختصة إلى شاوي، وفق معنى كان قد استخرجه إبن منظور في لسان العرب (الشويّة: بقية قوم هلكوا، والجمع شوايّا). تبقى الشويّات متناثرة، ويتعثر لقاءها واتحادها. تلتقي على مآدب السحور والإفطار والأعراس ومجالس العزاء، لتتنافر بعد ذلك محمية بسلاح يتسرب إلى مخادع نومها، مراقب من أعين لا يأتيها النوم، مقمطة بأوهام التسلط على بعضها، قناعات تخرج باردة من المزابل الحكومية، وفق صيغة تشريع للحلول العاجلة “الدبوس أو الناموس”. في الرقة لابد من العبور على قبر رفيق المحنة القاص هيثم الخوجة، الذي طالما حلم أن تترنح السلطة فور الانتهاء من ترنيم مواله الطويل عن “القحط” المزمن. وقبر الصديق الشاعر عبد اللطيف الخطاب المقتول خنقاً بجديلة عبارته الشعرية متعقباً أحجيات الأمير الشرقي “زولني”، رافعاً التراب عن مستورها، لا إهالته برعونة في عيون السابلة، وقبر الترجمان معن مصطفى الحسون يرفع الدثائر عن لغة دانتي، ويطلقها بعربية جليلة، في حقول السابلة، وهو يبحث في أول ليله وآخره عن حظوظ “الأمير المشطور” في حماية انشطار دولته، وتتساءل لماذا رحلوا في عز الشباب وخطواته المذعورة، كما يرحل هذا الماء العفيف إلى أحواض الملح.

موقع الكلمة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...