الرئيسية / صفحات الثقافة / أربع سنوات على رحيله: كارلوس فيونتس:الرواية هي الجامع بين اللغة والزمن والحضارة والاشخاص/ حسّونة المصباحي

أربع سنوات على رحيله: كارلوس فيونتس:الرواية هي الجامع بين اللغة والزمن والحضارة والاشخاص/ حسّونة المصباحي

 

 

في الثاني عشر من شهر مايو-أيار 20012،فقدت الرواية العالمية واحدا من أكبر رموزها في النصف الثاني من القرن العشرين ،اعني بذلك المكسيكي كارلوس فيونتس الذي ساهم بقدر كبير في تطورها شكلا ومضمونا،عاكسا من خلالها رؤيته الفلسفية للعالم،وللتاريخ،وللعديد من القضايا الوجودية،والإنسانية.

ولم يكن كارلوس فيونتاس يحبّ أن يكتب سيرته الذّاتيّة مثلمافعل ويفعل العديد من مشاهير الكتّاب.وكان يقول:”أن يكتب الواحد سيرته فلكأنّه يحفر كلمات موته على قبره!” وفي كتابه”ما أنا أعتقده”الذي صدر مطلع الألفيّة والذي قدّم فيه مجمل أطروحاته وأفكاره حول الأدب والسياسة والموت والحياة وتاريخ بلاده المكسيك في حاضرها وفي ماضيها ، أشارالى أنّ كلمة “آنتباه”هي من أهمّ الكلمات بالنّسبة اليه.فهي “محور وقطب” مجمل آعتقاداته الفكريّة والفلسفيّة والميتافيزيقيّة وغيرها.وهو ينجز كتابه المذكور ،كان يتساءل دائما:”في النّهاية ما الذي لفت آنتباهي في الحياة؟”.

وينتسب كارلوس فيونتس المولود في باناما عام 1928 الى عائلة ديبلوماسية.وهو ما سمح له بالتنقل بين العديد من البلدان في سنوات مراهقته وشبابة،والتعرف على ثقافات مختلفة ،وتعلم اللغة الإنجيلزية .وفي ما بعد سيحلو له العيش في أماكن متعددة.وكان يقول:”الكاتب يكون سعيدا عندما يكون له وطن يحلو العيش فيه.غير انه يكون أسعد عندما يعيش في الكون”.ويضيف فيونتس قائلا:”درست الإبتدائية في الولايات المتحدة الأمريكية.ولعبت أمريكا اللاتينية دورا أساسيّا في تكويني.وفي الحادية عشرة من عمري ،ذهبت الى الشيلي.وفي سنّ الخامسة عشرة،عشت في بيونس آيرس.وفي السابعة عشرة من عمري،كنت طالبا في جامعة مكسيكو.وبسرعة وجدت نفسي امام لغات عدّة داخل الاسبانية نفسها.ومبكرا أدركت أن اللغات مرايا مشوّهة ،وأنها ترسل لبعضها البعض صورا بدائية تقريبا”.وفي طفولته،آلتهم كارلوس فيونتاس الكثير من الكتب في مختلف نواحي المعرفة.غير أن الكتاب الذي أثّر فيه اكثر من غيره هو رائعة سرفانتس :”دون كيخوتي”.لذا ظلّ يحرص حتى نهاية حياته على إعادة قراءته مرة واحدة كلّ سنة.وفي كلّ قراءة ،يشعر كما لو انه يقرؤه للمرة الأولى.وعن هذا الكتاب هو يقول:”حين قرأت “دون كيخوتي” شعرت أن قراءتي له هي الأولى منذ أن كُتب!ليس هناك كتاب ميّت.فالكتاب يدعونا دائما لآكتشاف ما هو جديد في الماضي.لهذا كان دور الأدب أساسيّا وجوهريّا إذ أنه يضعنا في مفترق الطرق حيث يلتقي خيال الماضي،وذاكرة المستقبل،وما يتناقض معهما.إن الدرس الكبير للرواية هو ذلك الذي يوجد عند شهرزاد:انه حكاية الماضي تروى في الحاضر،وتنقذ المستقبل.وهناك أشياء لا يمكن التحدث عنها الاّ في الرواية.ان الراواية هي االمجال المفضل للقاء يجمع بين اللغة،والزمن،والحضارة،والناس وألأشخاص”.الى جانب “دون كيخوتي،قرأ فيونتاس في شبابه أيضا قصص بورخيس. وقد أقنعه هذا الأخير بان يكتب بالإنجليزية التي كان مغرما بها،معتبرا إيّاها اللغة الأمثل والأفضل في الكتابة.وعن الغة الاسبانية،هو يقول:”ان اللغة التي فرضتها اسبانيا على العالم الجديد كانت لغة صافية آبتكرت لكي توجب نوعا من الفروقات الاجتماعية.أما لغة الابداع،لغة سرفانتس،وكيفيدو،وغونغورا،فإنها حاولت أن تعثر على آستثناء للقاعدة،وولفروقات الاجتماعية،وأن تتضمّن الشعب،والحلم،والخديعة،والكذب.ذلك هو الدرس الكبير للغة الاسبانية”.

وفي سن التاسعة عشرة ،تلقّى كارلوس فيونتس ما سمّاه ب”ضربة قويّة على المعدة” متمثلة في اكتشافه لجيمس جويس،وثلاثية دوس باسوس .بعدها قرأ بلزاك،وفوكنر.وجميع هذه القراءات أثّرت فيه بطبيعة الحال:”نحن مثل الحقول،والقراءات تزرعنا”.وكان فيونتاس يرى أنه ينتمي الى تلك الفئة من الكتاب الذين يؤمنون ان الكتب تتناسل.وفي مجمل رواياته التي حازت على شهرة عالمية واسعة،كان فيونتس يتجنب التطرق الى حياته بأي شكل من ألأشكال..وكان يقول بإنه يحاول دائما أن يكتب أدبا لا يستند الى تجربة مهما كان نوعها،متقنّعا لكي يتيح لشخصياته بأن تتكلم بحرية.وفي بداية كلّ عمل يشرع في كتابته هو لا يعلم شيئا غير ان يمضي في المغامرة حتى النهاية مثل دون كيخوتي.وهو لا ينتسب الى تلك الفئة من الروائيين الذين يكتبون رواية دون معركة كبيرة ،ودون آستناد الى وثائق واضحة ودقيقة مثل تلك التي كان يعتمدها اميل زولا.ومن بين المضامين التي آهتمّ بها كارلوس فيونتس،وكانت في قلب مشاغله ،التاريخ والزمن.وفي كتابه:”الشموس الخمس للمكسيك،ذاكرة ألف عام” هو يتحدث عن المراحل ألأساسية في تاريخ بلاده من عهد ألأستيك حتى العصر الحديث.ويتكون الكتاب من نصوص مقتطفة من روايات،ومن حكايات قديمة،ومن مقالات،ومن ابحاث أنثروبولوجيّة،وروبورتاجات.وكان فيونتس يرى أن هناك بعدين في علاقة الكاتب بالزمن والتاريخ.أولا:زمن الروائي .وهو بالضرورة مختلف عن زمن المؤرخ.فحتى عندما يتحدثون عن تاريخ ليس دائما موضوعيّا ،فإن المؤرخين يجدون أنفسهم مجبرين دائما على الإلتزام بالحقيقة التي هي حقيقة المنطق.والتي هي في النهاية محافظة على المعتى ذاته.عكس ذلك،يستند الروائي الى الحقائق الشعرية ،وهي بطبيعتها مختلفة عن بعضها البعض. في رواية واحدة،نحن نستمع الى اصوات مختلفة ومتعددة ومتناقضة.وهذا ما يتنافى كلّيا مع عمل المؤرخين ،الكلاسيكيين منهم بالخصوص.وكان فيونتاس يرى أن كلّ روائي له طريقته في آستعمال الزمن.فهناك الزمن الدائري عند بورخيس،وزمن العودالأبدي عند أليخو كاربانتييه،وزمن الرواح والمجيء عند جيمس جويس.ويعتقد كارلوس فيونتس أن مهمة الروائي هو إعادة آكتشاف ما هو جديد في الماضي ذلك أن الماضي يطالبنا دائما بحسابات.وهو -أي الماضي-ليس تراكما لا وزن له.وإذا ما نحن عاملناه كزمن ميت ،فإن المستقبل سيكون ميّتا أيضا.

وفي مجمل رويات كارلوس فيونتاس تحضر السياسة بقوة .كما يحضر تاريخ المكسيك متشظّيّا.وفي جميعها تغيب السّعادة ويشقى الأفراد والجماعات،ويزداد العنف ضراوة وحدّة حتى أن روايته التي حملت عنوان:”سعادة العائلات” تنتهي ب:”العنف،العنف”.هذا العنف الذي أصبح يوميّا في حياة المكسيكييّن والذي ذهبت ضحيّته ناتاشا، آبنة الكاتب نفسه ،والتي عثر على جسدها مشوّها في حيّ “تيبيتو”السييء الذّكر في مجال الجريمة والمخدّرات.وفي إحدى الحوارات التي أجريت معه قال كارلوس فيونتاس:”في سنوات شبابي ،كنت أسهر في المقاهي وفي الكباريهات حتى الثالثة صباحا ثم أعود الى البيت راجلا من دون أن أخشى شيئا.أمّا اليوم فأنا لا أجرؤ على الإبتعاد وحيدا عن الشارع الذي أسكن فيه ولو أمتارا قليلة .علينا أن نبتكر فورا حداثة مكسيكيّة فيها يكون القانون والعدالة متوفّرين وناجعين.غير أنّ هذا يتطلّب منّا وقتا طويلا وعملا كثيرا.وعلى أيّة حال أنا لن أكون هنا لكي أرى النتيجة”.

ويعتبر كارلوس فيونتس الكذب عنصرا أساسيا في ألأدب.وعن ذلك هو يقول:”أنا لا أعتقد أن هناك ادبا من دون كذب.وربما يكون دستويفسكي هو الذي قال بإن الحقيقة في “دون كيخوتي” أنقذت من قبل الكذب.ومن دون هذا العنصر الهائل،عنصر الكذب عند سرفانتس،لا أعتقد أننا قادرون على بلوغ الحقيقة.ان الكذب الذي هو غير محتمل في المجال السياسي،وفي المجال الأخلاقي ،يمكن ان يكون مقبولا كعنصر خلاّق في العمل الابداعي،وهو يسمى عندئذ بالخيال”.

ومتحدثا عن الواقعية السحرية،قال كارلوس فيونتاس:”الكوبي أليخو كاربانتييه هو الذي آبتكر الواقعية السحرية.ثم جاء بعده الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز فأوصل هذا الأسلوب الجديد ال الذروة بحيث أن الذين سعوا الى تقليده ،والاتيان بمثل ما اتى به،أصيبوا بالعجز،ولم يتوصلوا الى أية نتيجة مقنعة،أو لافتة للانتباه.وفي آعتقادي بعد أليخو كاربانتييه،وماركيز لم يعد هناك مجال للحديث عن الواقعية السحرية .أما انا فأعطي الواقعية معنى اسبانيّا ،وهو نفس المعنى الذي منحه اياها سرفانتس في رائعته “دون كيخوتي”،وفالسكيز في لوحاته.معنى ذلك أن الفنان لا يعكس الواقع،وانما هو يؤسسه،ويخلقه في عمله.فهل تعرفون شخصيّة أكثر واقعية من دون كيخوتي ،وأشدّ حيويّة ،وأبديّة منه؟”.

وفيي حوار مسهب أجرته معه الأسبوعيّة الفرنسيّة “لونوفال أوبسارفتور”عام 2003، تحدّث كارلوس فيونتاس عن حرب العراق ،وعن الديمقراطيّة في بلدان أمريكا اللأتينيّة ،ووعن موت آبنه،وعن المعنى التّراجيدي للتّاريخ …وبخصوص الحرب ضدّ العراق ،قال :”كنت من الذين نبّهوا الى أن الحرب ضدّ العراق ستكون شبيهة الى حدّ كبير بالحرب الفيتناميّة.ومن سخرية القدر أنّ الطّاغية الكريه الذي هو صدّام حسين كان يغلق أبواب بلاده في وجه الإرهابييّن .أمّا اليوم فقد أصبح العراق ملاذا لهم فيه يرتعون ويمرحون كما يحلو لهم .وكانت حرب المقاومة ضدّ الإحتلال منتظرة.فحتّى وإن كنّا نكره نظاما معيّنا فإنّ ذلك لا يمكن أن يمنعنا من أن حبّ أرضنا ووطننا .والخاسر الأكبر في كلّ هذا هو القانون الدّولي .وقد خاضت كلّ من فرنسا وألمانيا والمكسيك معركة ضدّ التدخّل غير أن تلك المعركة أسيء فهمها. وقد بشّر جورج بوش الأب العالم ب”نظام عالميّ جديد”بعد إنهيار جدار برلين ,لكن ها نحن نعيش راهنا الفوضى الهائلة والخطيرة”

وعن الديمقراطيّة في أمريكا اللأّتينيّة قال كارلوس فيونتاس:”بعد عقود من الديكتاتوريّة العسكريّة ،جاءت الديمقراطيّة فظنّت الشعوب أنها ستحقّق لها الرّخاء الإقتصادي، وتطوّر التّعليم ،وتوفّر الشّغل ،غير أن كل ّ ذلك لم يكن سهل التّحقيق .من هنا المظاهرات والإحتجاجات .والنّاس يقولون :جيد!نحن ننعم بالديمقراطيّة ولكن متى يمكننا أن نحصل على عمل ،ومتى يتوفّر الغذاء ،ويتعلّم أبناؤنا في ظروف حسنة؟وفي كل ّ سنة تزداد االمطالب الشعبيّة حدّة وتصاعدا !”

وتحدّث كارلوس فيونتاس عن المعنى التراجيدي للتاريخ قائلا بإنه مع المسيحيّة ،تهشّمت الفكرة القديمة لما هو تراجيدي إذ أنّ الكاثوليكيّة وعدت بالجنّة وبالخلاص الأبديّ.وضد فكرة التراجيدي هذه ،وعدت فلسفة الأنوار اللأّئكيّة بتحقيق التقدّم والرّقيّ والسّعادة للبشريّة جمعاء.إلأّ أن القرن العشرين أتى بما هو مخالف لذلك .فقد ظهر التراجيدي من جديد خلف قناع الجريمة. وهيتلر وستالين ليسا تراجيديّين وإنّما هما قتلة ومجرمون.ويضيف فيونس قائلا:”أنتم تعرفون المثل الأمريكي الذي يقول:”Nothing succeeds like success”.غير أنه بإمكاننا أن نقول أيضا :”Nothing succeeds like failure “. التراجيدي غائب الى حدّما في العالم الأنجلو-سكسوني.والذين فكّروا فيه جيّدا هم فلاسفة من أمثال إمانويل مونييه،وسيمون فايل وألبيركامو،وميغال دو اونانيمو .وإذن هي مسألة تشغل اللأّتينيّين أكثر من ألأنجلو-سكسونيّين الذين يؤمنون بالنّجاح حتى لو كان هناك واحد مثل فوكنر الذي يمتلك معنى آخر للماضي.الولايات المتحدة تفقد الذّاكرة بسرعة .أمّا نحن فلنا ذاكرة ضاربة في التاريخ لكلّ هزائمنا وإخفاقاتنا ولكلّ آنتصاراتنا أيضالذلك لنا مفهوم للزّمن أكثر حدّة من الأمريكيّين،ودائما بآستثناء فوكنر.ربّما لأنّ الجنوب عرف الهزيمة .وثمّة واحد قال بإنّ أمريكا اللأّتينيّة تبدأعند خطّ ماسون-ديكسون”في فيرجينيا.ولعلّه على حقّ.فأهل الجنوب أمريكيون لاتينيّون.وليس من قبيل االصّدفة أن يكون فوكنر مؤثّرا في فارغاس ليوسا وفي غابرييل غارسيا ماركيز،وفيّ أنا أيضا.نحن جميعا فوكنريّون .وأمريكيّ هو الذي الذي علّمنا معنى الحياة ،ومعنى الأدب،ومعنى عظمة الحب.

ايلاف

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 36 = 46

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...