الرئيسية / صفحات الثقافة / أريدُ أن أنزلَ القبر معهم

أريدُ أن أنزلَ القبر معهم

 

هنادي زرقه

منذ عامين، والسوريون يرزحون تحت وطأة الموت والتهجير والنزوح، منهم مَن نزح طواعية إلى قريته أو مدينته الأصلية، ومنهم مَن هُجِّر تحت القصف والضغط هارباً من جحيم الموت.

والحال، انَّ معظم السوريين الذين نزحوا لم يختروا أماكن نزوحهم، بل فرضته، في أوقاتٍ كثيرة، جغرافية المدن التي قطنوها وقربها من المدن الآمنة نسبياً، هذا إذا افترضنا بقاء أمان نسبيّ!

وإذ يستمر النزوح والتهجير، يخطر في الذهن سؤالٌ لافت: لِمَ لا يهاجر بعض السوريين الذين بمقدورهم أن يهاجروا؟

لقد هاجر رجال أعمال وأموال، أصحاب مهن، نخب ثقافية وفنية، أناس اختاروا النأي بالنفس، وآخرون تعرضوا لضغوط أمنية أو عنف أو قصف أو تهجير، وسواهم ممن لم يتعرضوا، وغيرهم ادّعوا كاذبين وادّعين كاذبات أنهم وأنهنَّ تعرضوا وتعرضن لمخاطر؟

أليس ضرباً من الجنون أن تعيش في بلاد يترصَّدك فيها الموت والاعتقال من كلّ جانب وفي كلّ لحظة، مع أنَّ بمقدورك أن تتحصّل على إقامة وعمل في مدينة أجنبية؟ ما الدافع الخفيّ الذي يدفع بعض السوريين لأن يبقوا في بلد مفتوح على المجهول؟

تقول صديقتي التي نزحت من بيتها في دمشق وعادت تتفقّده بعد فترة: «الأمكنة خوّانة! تسلم نفسها إلى أيّ وافد جديد».هل خوف الخيانة ما يدفعنا إلى أن نلتصق بأماكننا التي نحبّ!

قد تفاجئك أسباب السوريين الذين لم يخضعوا لإغراء الهجرة، رغم ظروفهم الضاغطة التي لا تطاق. لدى عدنان، الستينيّ، ولدان، أحدهما يعمل في شركة يابانية كبيرة، تعهّدت الشركة بإعطاء الأب إقامة في طوكيو، إلا أنه رفض متذرِّعاً بوالدته العجوز: «أجد لذّة كبيرة في زيارة أمي، وتناول قهوتي الصباحية معها، كيف لي أن أغادر إلى مدينة لا تعيش فيها أمي!»

بعض الأطباء الذين لديهم جنسيات أجنبية وشهادات تخوّلهم العمل في مشافي كبرى في مدن أوروبية عديدة، لديهم حكاياتهم الغريبة. يخبرنا أحدهم: «بقيت لأنني مولعٌ بأحياء مدينتي القديمة، أزورها يومياً، أخاف أن تتعرض للتدمير كباقي المدن».

ثمة رابط عاطفي بالمكان، وخوف حقيقي من زواله، ودافع إلى حراسته، كأن مجرّد البقاء بالقرب مصدرٌ للحماية!

من هؤلاء الأطباء من بقي لأنه، ببساطةٍ، لا يريد أن يُهْدَم ما بناه خلال سنيّ عمله الطويلة. لقد أسس لذاكرة مديدة في هذه البلاد، وليس لديه الوقت الكافي ليبدأ حياة جديدة في بلاد أخرى لا يربطه بها شيء، ولا تاريخ له فيها.

للشعراء رواياتهم أيضاً. يقول شاعر في حوار معه: «كنت دائماً على قناعةٍ أن الحياة هنا مأثرة». ترى، ما المأثرة في الموت المجاني؟ ما المأثرة في قذيفة تخطئك الآن فتعيش في انتظار القذيفة التالية! هل ثمة لذّة لا تضاهى في لعب الغميضة مع الموت؟

كاتب آخر يحمل الجنسية الأميركية غادر إلى أميركا ولم يليث أن عاد بعد سبعة أشهر كي يعيش وسط أناسه، بعد أن استولت عليه في الغربة كآبة فظيعة، فلم يستطع البقاء بينما يموت شطر كبير منه دون أن يراه: «جئتُ إلى هنا لأشهد موتي وأنا قريب منه، ربما كان هذا بحث السوري عن سوريّاه».

سوريّاه! هل هذا هو المعنى الحقيقي لوجود أيّ سوري، بل لكينونته برمّتها؟

سوريّاه هي سيدة كهلة، هاجر أولادها وبقيت وحيدة تريد أن تموت وتُدفَن هنا مع عائلتها: «عائلتي كلها نزلت في قبر واحد، أريد أن أنزل معهم القبر نفسه».

هؤلاء جميعاً ليسوا ناشطين أو معارضين سياسيين، لكنهم يمثلون عمقاً في بنية المجتمع السوري لا يمكن إغفاله. وبالحديث عن الناشطين السياسيين، فإنَّ كثيراً منهم رفضوا الخروج أو تقديم لجوء إلى دول قدَّمت لهم كلَّ التسهيلات الممكنة، على الرغم من انعدام الأمان والخوف المتكرّر من الاعتقال وتردّي أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية على حدِّ سواء. تقول إحدى هؤلاء بعد اعتقال متكرر ومنتظَر: «مادمت سأخرج، لِمَ كنتُ أنادي بالحرية؟! أنتمي إلى هنا، إلى هذه الشوارع. لمن سنترك البلد؟ مَنْ سينتظر رفاقي حين يخرجون من السجن؟»

ناشط ومعتقل آخر، هو أستاذ جامعي، يتوق للهجرة. يريد أن يعيش مع زوجته وأولاده، لكنه يخجل، كما يقول، من بناته وزوجته، من سوريّاه، إذا خرج من البلاد. بل إنَّ حالة من الإحباط باتت تتولاه إزاء المهاجرين: «أنا خجل من فشلي هنا، وتَعِبٌ من الذين هاجروا ويهاجرون».

تعبنا من الغياب، وسوريا تضيق تضيق كلما غادر أحد من أبنائها. غير أن غيابات كثيرة كانت من غير ضغوط جدية، أو بضغوط مزعومة؟ أليس للمثقفين والسياسيين دور يقومون به داخل البلد؟ هذا سؤال يطرحه مثقف سوري، قبل أن يواصل: «سوريا لكلِّ أبنائها بمكوناتهم المختلفة، علينا العمل على مفهوم المواطنة، ونزع أيّ فتيل محتمل لحرب طائفية أو أهلية، هذا دورنا، طالما أنَّ الأحزاب التي تدّعي العلمانية واليسارية تشغلها السياسة والحصص والأدوار، وتنسى أهمَّ ما يمكن أن تقوم به».

تعبنا، ربما من كلّ شيء. لعلّ الذرائع التي نتلطى خلفها للبقاء هنا أن تكون واهية، لكنه فصل من فصول التاريخ مرّت به بلدان كثيرة.

ما عانيناه وما سنعانيه سيذهب مع الريح ما إن تشفى جراح البلد، لكنه اختبار للصمود، صمودُ من قرّر البقاء رغم هول ما يحصل. صمود من قرّر نزول القبر مع من يحبّ.

(كاتبة سورية)

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...