الرئيسية / صفحات الرأي / أزمة تكوين السلطة

أزمة تكوين السلطة

 

 


سليمان تقي الدين

يحصد العنف المزيد من الضحايا في غير بلد عربي. لا يقبل الحاكم مشاركته في السلطة ولا يقبل التنازل عنها طوعاً. كل الحكّام العرب استولوا على السلطة وكوّنوا من حولها شرعية ومبررات. قلة منظمة فاعلة تسيطر على مجتمعات تم إلغاء دورها وقدرتها على التأثير في السياسات الجارية. لم يعد هذا الأمر ممكناً اليوم حين صار الجمهور خارج «الأمية السياسية». هذا المتغير الكبير في ثقافة المنطقة هو الثورة بذاتها. تريد الشعوب العربية أن تختار وتشارك وتراقب وتحاسب شأنها شأن معظم شعوب العالم. هذا المخاض يصدر عن محرّضات كثيرة سياسية واجتماعية وثقافية.

مجتمعاتنا التي استوعبت هذا الكم من الكبت والعنف السلطوي لا بد أنها تضخ عنفاً مضاداً. هذا الاشتراك في العنف المتبادل دليل على أزمة ممارسة السياسة وتخلف المستوى السياسي لا على نزعة جوهرية في ثقافة المنطقة. الثقافات الحصرية الدينية أو المدنية تساهم في شحن السلوك العنيف وهذا ما حصل ويحصل في أي بيئة غير البيئة العربية. مجرد أن تكون في حال من الإلغاء المتبادل معنوياً، والعجز عن إدارة حوار بين أطراف يجب الاعتراف بوجودها نذهب إلى العنف فوراً.

ينطبق الأمر على التجربة اللبنانية التي قفزت من الليبرالية السياسية إلى الفاشية الطائفية نتيجة المأزق الذي بدأ في الحرب الأهلية. تأصلت هذه الثقافة وتوسعت لتشمل كل القوى السياسية حيث لا حلول سياسية للمشكلات يتقدم العنف.

العنف ليس ظاهرة قوة بل ظاهرة فشل. اجتاز اللبنانيون محطات كثيرة من التسويات ثم خرجوا عليها. خرجوا على التسويات لأن الحلول السياسية لم تكن جذرية بمعنى أنها لم تعالج جذور المشكلات. يدور التاريخ اللبناني على نفسه بسبب البحث عن فكرة الهيمنة والغلبة لا عن فكرة المساواة. شجع على هذا الأمر سهولة الحصول على القوة المادية والرهان عليها. لكن أي طرف لبناني حقق مكتسبات ومميزات وامتيازات لم يستطع أن يجعلها شرعية وطنية. كل آليات التحكّم أو التوازن بين مواقع السلطة برغم عدم تساويها في الفاعلية هي موضع طعن وحسد الطرف الآخر. لا نعرف على وجه اليقين أين مرجعية السلطة وأين العقدة وأين الحل بين جميع المؤسسات لأن الممارسة تنتمي إلى قوى الأمر الواقع لا إلى القواعد الدستورية.

تراجع المجتمع اللبناني عن الخيار اللاطائفي. في جزء مهم من هذا التراجع كان المناخ الإقليمي الذي تربص بالتجربة اللبنانية وأحبط تطورها. في أساس «الخوف اللبناني» هذا البعد الإقليمي الذي تعاظم في هيمنته على لبنان وهو الذي يكبح رغبة اللبنانيين في البحث عن صيغة متقدمة لعيشهم واجتماعهم السياسي. في هذه اللحظة بالذات ما يزال الأفق العربي غامضاً، لأن النظام العربي قد جرى تدويله ولم تعد احتمالاته موقوفة على فاعلية القوى المحلية. في شكل ما هذا «خوف عربي» لا يمكن تجاهله. لكن هذا العنف ليس إلا ردة فعل على مساكنة بالإكراه بين أشكال السلطة والجمهور وليس بين مكونات المجتمع. هذه هي التجربة اللبنانية في وجهها الإيجابي، أي الصراع بين التفكك والوحدة، بين الخصومة السياسية والرغبة في العيش معاً. لم يطرح سؤال العيش في لبنان إلا على قاعدة الصراع على السلطة. في كل مكان من دنيا العرب أزمة العلاقات الشعبية أو الأهلية هي أزمة تكوين السلطة لا أزمة تنابذ الهويات الثقافية الفرعية، في العراق واليمن والبحرين والسودان وليبيا وسوريا ومصر ما يحصل هو حادث تاريخي مستجد، هو ظاهرة اجتماعية نشأت في ظروف تداعيات الفشل عن إدارة مجتمعات بواسطة الاستبداد. يتفق الجميع أن الحال لم تكن قبل نصف قرن على هذا المنوال ولن تكون في المستقبل كذلك.

الإسلام السياسي حدث عارض في الشكل الذي يتصدر فيه المسرح الآن. ربما يتجه نحو المزيد من الانغلاق وربما نحو مزيد من الحرية. لكن ليس هذا الاحتمال في عالم الغيب طالما أن واقع العصر وتحدياته يفرضان منطق الملاءمة. هكذا لا تعود تجربة أي بلد عربي أو مسلم بنجاح التعددية شذوذاً واستثناءً ولا يجب أن نفهمها كذلك. عاش العرب عقوداً طويلة في ظل أنظمة شبه علمانية أو مدنية. لم تكن عوائق تطور تلك الأنظمة ثقافة شعوبها الإيمانية بقدر ما كانت ثقافتها السياسية السلطوية. الأنظمة السياسية التي أدارت الحياة الوطنية هي التي أنتجت كل الظواهر السلبية لواقعنا الراهن.

لم تعد المفاضلة الآن بين الاستقرار وبين الحركات الشعبوية ذات الثقافة التقليدية. ما يحصل أن المنظومة ذاتها بعنصريها السلطوي والشعبوي قد انفجرت أمام احتياجات التغيير والتطور. معظم جمهور المجتمعات العربية يعاني هذا الحصار بين شكلين من السياسات التي تنطوي على إقصاء وتهميش وإلغاء، أو على احتمالات السيطرة.

لبنان نفسه في هذا المستوى من التحدي بسبب تقاطع ثقافة الاستبداد والثقافة الطائفية. لا تضمن الدساتير وحدها كل شيء. هذه الموجة الصاخبة من التأزم السياسي لا بد أن تنحسر أمام واقع جديد يفرض نفسه في المنطقة. القبول بالتعددية والقبول بالآخر ثقافياً وسياسياً من شروط الاستقرار والعيش والتصدي لقضايا ومشكلات تتفاقم خارج اللغة الإيديولوجية الدينية والمدنية. الثورة ليست إلا لحظة في التاريخ والعنف كذلك. لم يتراجع «مشروع الثورة» بل بدأت مهمات ما بعدها.

السفير

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

22 − 12 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...