الرئيسية / صفحات الثقافة / أزمتنا مثلثة: الإسلام السياسي والنفط والديكتاتورية

أزمتنا مثلثة: الإسلام السياسي والنفط والديكتاتورية

 


الواقع العربي في أعمال عبد الرحمن منيف:

د. كفاح درويش

إن المتصفح في الروايات العربية على سبيل المثال لا الحصر، أمثال روايات عبد الرحمن منيف وحيدر حيدر وغالب هلسا وغسان كنفاني وصنع الله إبراهيم…الخ، يجد صوراً قاتمة من القمع والقهر، تتجلى في الاعتقال والتعذيب الجسدي والنفسي في عتامة أقبية السجون والمعتقلات. إنها روايات تتعرض لظاهرة القمع وتعريتها وآثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية على المجتمع العربي.

إن ما نجده من واقع متأرجح وفساد على الساحة السياسية والاجتماعية والثقافية ما هو إلا انعكاس لصور القمع والاستبداد ومصادرة للحريات الفكرية والمادية، فالإنسان العربي يعاني من أزمة الحرية، التي كانت قضية محور عمل معظم المفكرين والمثقفين طيلة القرن المنصرم، فمنذ بداية القرن الفائت والمثقف العربي يشكو من الاستبداد والظلم بكل أشكاله، وقد عمد معظم المثقفين إلى تحليل أسبابه ومخاطره ومحاولة إيجاد الصيغ واقتراح الوسائل للخروج منه إلى أفق الحرية. أما اليوم، فقد أصبح القمع مطورا ومقنعا ومتوارثا، وأمسى متجذرا في دقائق حياتنا اليومية، فالعالم العربي عانى من وطأة تاريخ طويل من الحكم الطائفي أو العسكري أو غيره من الأنظمة التي تغيب عنها أبسط مفردات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. أصبحت ثقافة الاعتقال والسجن غذاء يوميا للمواطن العربي، فكثيرة هي القصص والحكايات عمن اعتقل ووقع فريسة الجلادين الذين تفننوا في ابتكار وسائل التعذيب لمحاولة تحطيم فكر ورؤيا تصطدم أحيانا بأنظمة مستبدة.

ومن هنا بات السجن يحتل حيزا في حياة الإنسان العربي ويعيش أياما من حياته بين جدرانه، يعاني ويقاسي من عذابات آمريه. جعلت من المعتقلات سوقا أدبيا وسياسيا وثقافة فرضته جدران المعتقلات المغلقة وعقول لا تحتمل أفكارا مضادة.

تزخر المذكرات والروايات والتحقيقات بوصف حي يظل عاجزا عن ملامسة الوقائع التي عاشها المعتقلون، فالسجون السياسية تشترك بصفة واحدة هي التعامل الوحشي مع المعتقل سواء كان التعذيب جسديا ونفسيا وقهرا وإذلالا ليس إلا خوفا من فكر قد يتشربه المجتمع فيصبح نهج حياة. ونتوقف هنا عند الأدب السياسي في السجون العربية وتشخيص الواقع السياسي المعاصر ومصادرة حقوق الإنسان الفكرية والحياتية والتي سنتناولها مع الأديب الراحل عبد الرحمن منيف الذي صور في رواياته بعضاً مما فجرته الثورات الحالية التي تجتاح بعضاً من عالمنا العربي وكأنه كتبها لهذا الزمان.

وتشهد الروايات السياسية بكل صدق على تعفن الواقع العربي وترديه على جميع المستويات ولا سيما على المستوى الإنساني نظرا لغياب حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية.

وتعتبر رواية ‘ شرق المتوسط ‘ لعبد الرحمن منيف حجر الأساس لذلك النوع من الروايات التي اصطلح على تسميتها بأدب السجون، وهو للأسف أدب واقعي من صلب الحياة اليومية في عالمنا..وقد شعرت بما شعر به كل من سمعت رأيهم بعد قراءة هذه الرواية من غصة في القلب وجفاف في الحلق. وقد كتب سعد الله ونوس عن هذا الشعور في تقديمه رواية ‘ الآن هنا..أو شرق المتوسط مرة أخرى ‘، والآن هنا.. هي إعادة نظر لواقع تقييد الحريات والقمع العربي بعد أكثر من عقدين من كتابه ‘ شرق المتوسط’، وقد أراد منيف من إعادة النظر تلك أن يشير إلى أن الواقع العربي لم يتغير في هذه السنين، ولو كتبت له الحياة حتى يومنا هذا لكتب ‘شرق المتوسط مرة ثالثة’ ليعيد الإشارة إلى استمرار القمع والاستبداد وآلياتهما الجنونية…..

ينتشر فضاء السجن في رواية ‘شرق المتوسط’ بشكل أخطبوطي ويستغرق جميع الأمكنة، ويقدم الكاتب صورة درامية لمنطقة الشرق المتميزة بكثرة سجونها وامتدادها عبر شواطئ شرق المتوسط إلى أعماق الصحراء. ويعد فضاء السجن أبرز الأمكنة حضورا في نصوص منيف الحكائية، وهذا يدل على وضع غير طبيعي يعيشه المجتمع، بسبب اختلال العلاقة بين النظام الحاكم والمواطن. تشير الرواية منذ البداية إلى أنه شرق المتوسط، وتحاول كشف معالم هذا الفضاء ومميزاته من خلال معاناة شخصية ‘ رجب’ المسجون بسبب أفكاره السياسية، وينفتح باب السجن على مصراعيه، فيرتد ‘ رجب’ إلى تلك الدهاليز اللعينة يقول ‘ أتذكر أني رأيت الباب ينفتح ثم رأيت بقعة من الدم غطت مساحة واسعة من أرض القبو، لا أعرف كيف نزلت الدرجات العشر، حصل ذلك في لمح البصر، ضربني ( حاتم) على وجهي بظهر يده، وفي اللحظة الثانية أحسست رجلا تضربني على ظهري… ‘

‘… أوقعني خرطوم الماء المندفع من أعلى، وخلال فترة قصيرة كنت أعوم في بركة من المياه، وذهبت كلماتي التي حاولت أن تكون قاسية في جوف المياه المتدفقة، حتى إذا تعبت قال: هذه المرة ماء، إذا سمعت صوتك مرة أخرى أغرقتك في البول.

ويلجأ الجلاد إلى منع المعتقل من أبسط أساليب الراحة حتى لا يسترجع قواه، ويصبح قابلا للسقوط والاعتراف على كل شيء وأي شيء!!. ويستعير منيف لغة الجلادين المليئة بالشتائم والسباب والألفاظ السوقية البذيئة وذلك بدءا من مدير السجن ومرورا بالمساعد والعريف والمجند. كما يصور حال المساجين في الزنازين والمهاجع.

ومن الملاحظ أن الرواية تستقبل في بدايتها بداية عَنونها منيف ‘ تقديم متأخر لكنه ضروري’ بمناسبة الطبعة 12، هذه المقدمة مقيدة ومفيدة جدا لكل مهتم بأدب السجون السياسية وما لاقى هذه البداية من كره وتدمير من بعض الحكومات العربية، حيث يقول منيف عن شرق المتوسط ‘ فالرواية حين صدرت، قوبلت بموقفين يكادان يكونان متعارضين، موقف القارئ الذي يريد أن يعرف أدق التفاصيل عن عالم السجن السياسي، وموقف السلطات التي رأت مجرد الاقتراب من المحرمات وعلى رأسها السجن السياسي تعديا على وجودها وهيبتها، وتاليا فضحا لممارستها.

إن الاعتقال السياسي كان الحدث الأبرز في الرواية، قد شكل عدوانا على الحب؛ لأنه كان سبب انفصال العاشقين ‘رجب وهدى’ فقد تخلت ‘هدى’ عن حبيبها بعد طول انتظار وتزوجت رجلا آخر! ويمثل عدوانا على علاقة الأمومة، فقد هز أم رجب من أعماقها، وراحت تسأل عنه في كل مكان، وتتحمل وحشية المحققين، حتى أنها دفعت حياتها ثمنا لملاحقة شؤون ابنها السجين، حين دفعها أحد الجلادين فتسبب في موتها…! وكان الاعتقال عدوانا على علاقات الأخوة ما بين ‘ رجب وأنيسة’! وهو أخيرا عدوان على حقوق الإنسان.

توقف منيف عند حالة الغربة التي يعيشها المثقف العربي وكيف أن هذا المثقف لا يجد أمامه إذا ما أراد أن يؤدي دوره الثقافي تجاه وطنه إلا السجن أو الغربة وكثيرا ما يكون الموت هو الحل المثالي والوحيد.

لقد استطاع منيف بحسه المعرفي أن يعرف ما حدث في عالمنا العربي قبل ثلاثين عاما وخصوصا الدول الخليجية وما طرأ من تحولات على الصحراء العربية ربما ساعده في هذا أنه أساسا خبير بترول عمل في العديد من شركات النفط مما جعله مدركا بحجم التغيرات التي أحدثتها الثورة النفطية في صميم وبنية المجتمعات الخليجية والعربية،وقد جسد ذلك كله في خماسيته المعروفة ‘ مدن الملح’ حيث قدم فيها خلاصة ما تحويه الصحراء العربية من أبرز المعالم والتضاريس الحية المتغلغلة في نسيج البشر، فقد ابتدع منيف ‘ حران’ و ‘ موران’ وهي صور حية لمدائن النفط في صحراء العرب. إن ملحمة ‘ مدن الملح’ هي علامة بارزة في عالم منيف السردي وفي السرد العربي المعاصر، حيث اعتبر النفط والإسلام السياسي والدكتاتورية هذا الثالوث هو الذي أدى إلى حالة الانهيار والتخبط التي تعيشها المجتمعات العربية، فالنفط التقى مع الإسلام السياسي وكان الحاضنة التي أعطته الكثير من القوة وفي الوقت نفسه سهل للأنظمة الديكتاتورية أن تستمر وتمارس أبشع صور الإرهاب. كما انتقد سياسات الأنظمة في الدول النفطية في تبديد هذه الثروة الهائلة من خلال إقامة مدن واهية نشأت في أمكنة غير أمكنتها، وصنعت من أجل أن تكون أفرانا للأجيال القادمة والتي صممت في طريقة بنائها وأحجامها لا لتكون مستوطنات بشرية ولكن لتكون مدافن. هذه المدن هي بالتأكيد ‘ مدن الملح’. وتمنى لو أن النفط استخدم كوسيلة من وسائل بناء المستقبل خاصة وأنه مادة ناضبة ومدته ليست طويلة وبالتالي من حق الجيل الحاضر كما هو من حق الأجيال القادمة أن تتمتع بهذه الثروة وأن تبني مستقبلها ضمن أسس تستطيع البقاء والدوام. لقد كان منيف بحق عرافة العرب فقد صدق حسه المعرفي في رؤية وطن عربي حالم بالحرية والأمل وهذا ما حققه الشباب العربي في بعض أمكنة الوطن العربي من كسر للخوف ورفض للاستبداد بثورات حملت اسم ‘ التغيير’… وأتوقف مع كلمات عاشت حلما مع منيف حين يقول: ‘ أكاد ألمس الصبح بيدي الاثنتين وأكاد أرى جميع التفاهات التي تغطي الأرض العربية تنزلق بسرعة نحو المراحيض… وأكاد أسمع أصوات الأجنة في بطون الأمهات ينادين بأسماء وكلمات أكثر وضوحا من كل الصراخ الذي يملأ الأجواء العربية في الوقت الحاضر…..يمكن أن تقولوا أنه الحلم… ولكن كثيرا من الأحلام هي التي غيرت الواقع ‘. لقد راهن منيف وكان رهانه صائبا.

لقد انطوت سيرة منيف على تراجيديا مؤلمة وعلى خيبات كثيرة لم يستطع التغلب عليها سوى بالكتابة الجارحة الصادقة ما دفع الناقد الفلسطيني ‘ فيصل دراج’ إلى وصفه بالرومانسي النظيف، رحلة طويلة مع الكتابة والشقاء والمنفى آثر خلالها منيف أن يقدم نصا روائيا بعيدا عن الخضوع لأي سلطة كانت سوى سلطة المعرفة التي تستمد حقائقها المؤلمة من الواقع بكل آلامه وأحلامه ورغباته…

رحل منيف عن دنيانا ولم يكتب له ان يشهد الجماهير وهي تفكك قيودها وتطلق الخوف وتصرخ في وجه جلاديها وتفتح الصدر للشمس التي اصبحت ملك السجين والذي كان سجانه يمنحه منها شعاعا من كوة زنزانة قذرة. هذا هو الزمن العربي الجديد يصنع بالدم والعنفوان قصة جديدة لشرق المتوسط، الان الان وليس هناك. ويبقى السؤال الأخير لماذا تركت الحصان وحيدا…؟

كاتبة من الاردن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...