الرئيسية / صفحات سورية / أسئلة ما بعد التغيير السوري

أسئلة ما بعد التغيير السوري

 


د. عبدالله تركماني

بعد أن سالت دماء سوريين من أجل التغيير الوطني الديمقراطي، أضحى هذا التغيير على جدول الأعمال السوري، لذلك من المهم محاولة رؤية محتوى ومضامين ومستويات هذا التغيير وصوغ أسئلته. إذ يمكن تلخيص قصة العالم العربي السياسية، بعد ثورتي تونس ومصر وإرهاصات ثورتي ليبيا واليمن والحراك الشعبي في الأقطار العربية الأخرى، في التحول المؤسسي القائم على مجموعة قيم: الحرية والكرامة والشفافية والديمقراطية وحقوق الإنسان في داخل الدول.

فبعد انتفاضة أغلب المدن السورية بلغت سورية نقطة مفصلية حاسمة، فهل يعي الحكم السوري ذلك قبل فوات الأوان، ويتجاوز استجاباته البطيئة للأحداث، بعد أن حملت في الآونة الأخيرة طابع ردود فعل متوترة وعقيمة، تهدف إلى شل حراك ناشطي الشأن الوطني العام، حين أقدمت سلطة الاستبداد على تصعيد نوعي وخطير قام به شبّيحتها وقواتها الخاصة، بهدف إدامة ثقافة الخوف وإسكات أي صوت معارض وإعادة المجتمع السوري إلى زمن مملكة الصمت؟ أم ينتقل إلى مقاربة جديدة تقطع الطريق على الأخطار، من خلال الشروع في مصالحة وطنية طال انتظارها وكثرت المطالبات بها، وإصلاح النظام بجدية وعمق، وإعادة تحديد المشكلات التي يجب أن تعالجها سورية بجهود أبنائها، الذين لن يتمكنوا من مواجهة الخطر بغير تحوّل نظامهم من نظام أمني إلى نظام سياسي، يعترف بحقهم في الحرية والكرامة، وبحق أحزابهم ومنظمات مجتمعهم المدني في الشرعية والعلنية، ويقوم على نمط من الإدارة والتنظيم يستند الى مشاركة المواطن في الشأن العام، من دون قيود تبطل حريته أو تتــــعارض معها، وبتحويل الدولة من دولة حزب إلى دولة حق وقانون تخص كل واحد من مواطنيها؟

إنّ الحالة التي وصلت إليها سورية، في حجمها وجديتها وأيضاً في تنوعها وشدة تواترها، يضعها أمام خيار هو الأسلم، بل الأفضل لحاضر سورية ومستقبلها، لكنه الأصعب على أغلبية أهل النظام ومصالح بعض المتنفذين بينهم، يقوم على تعاطٍ عقلاني مع الواقع القائم واتجاهات تطوره، تحسباً من أن تصل الأمور إلى حافة الهاوية، وتالياً استثمار مساحات الوقت الضائع، لاتخاذ قرار تاريخي وجريء بنقل مركز الثقل وبؤرة الاهتمام السياسيين صوب الداخل، والسير قدماً نحو الإصلاح الديمقراطي الحقيقي الشامل والانفتاح على المجتمع وقواه الحية، بما يعيد صياغة الشرعية السياسية على أسس جديدة: الحرية فوراً لجميع معتقلي الرأي والضمير في سورية من خلال تبييض السجون، وإلغاء حالة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية في البلاد، وعودة المنفيين السوريين إلى وطنهم من بوابة المواطنية وليس من البوابة الأمنية، وفتح الملف الإنساني للمفقودين في السجون، وإقامة دولة القانون الديمقراطية الدستورية.

وفي كل الأحوال لن نستغرب إن بقيت القيادة السورية تراوح مكانها في سياساتها التي أكل عليها الدهر وشرب، فبنيتها الاستبدادية تبدو عصية على الانفتاح وفهم متغيّرات ومستجدات العصر، إذ أنّ مراكز القوى الأمنية فيها لا زالت أسيرة عقلية من مخلفات الماضي.

لقد نهضت الانتفاضة السورية بفعل عوامل داخلية أساساً، وبسبب تفاقم معاناة الشباب الثائر في بحثه عن لقمة عيشه وكرامته وحريته، ربطاً بحالة غير مسبوقة من الاستبداد والقهر واستشراء الفساد أفضت إلى تخريب البنى الوطنية وامتصاص طاقاتها لحساب مجموعة صغيرة من أصحاب النفوذ والامتيازات، وهذه الأخيرة يسكنها هاجس الخوف من مصير غير محمود في حال أُزيحت عن مواقعها.

لقد عقد الشعب السوري العزم على أن يخرج من حياة العبودية، التي تخبط في أوحالها وظلماتها أكثر من 40 سنة، ويعود افراده احراراً كما ولدتهم أمهاتهم. فما الذي ينبغي تغييره؟ وما الذي ينبغي الإبقاء عليه؟ وكيف نضمن التطورات المستقبلية؟ وماذا نفعل بالثقافة السلطوية القديمة؟ وهل التغيير يحدث من تلقاء نفسه أم لابد من إدارته؟ وما الذي خسرته البلاد أثناء الحكم الشمولي؟ وما هي الفترة التي ستستغرقها عملية التحول؟ وهل يمكن لثقافة بكاملها أن تتغير لتحل محلها ثقافة أخرى؟

إنّ عملية التحول الديمقراطي تقتضي إعادة صياغة القيم السائدة، وتغيير أنماط السلوك من خلال مجــــموعة كبرى متكاملة من التحولات، من أهمها: التغيير من مناخ اليأس والقدرية إلى مناخ الثقة بالذات والقدرة على التحكم في المصــــير، والانتقال من القدرية التي يسيطر عليها الماضي إلى التوجهات المستقبلية.

وفي هذا السياق لا ينبغي توجيه طاقات الشعب السوري لتصفية الحساب مع الماضي وإهمال تحديات الحاضر وتأجيل التفكير في آفاق المستقبل، لأنّ تصفية الحساب مع الماضي ينبغي، استعانة بخبرات الدول الأخرى التي انتقلت من السلطوية إلى الديمقراطية، ألا تؤدي في النهاية إلى تفكيك الدولة ذاتها إلى مكوّناتها الفسيفسائية.

إنّ التحركات الشعبية في سورية تفرض على النظام امتحاناً جديداً، فعلى الضد من لجوء أجهزة الحكم إلى الهراوة الغليظة وتكليف بعض الشبّيحة والرموز الأمنية بالحوار مع المتظاهرين، لا يملك المطالبون بالحرية سوى العمل السلمي حتى لو كانت أثمانه الإنسانية باهظة.

إنّ انتفاضة الشعب السوري دخلت في طور نوعي جديد، حين رفعت شعارات تتصل بالحرية والمواطنة وحقوق الإنسان والدولة المدنية، وتطلعت إلى إرساء أرضية جديدة لنهوض سوري شامل ركيزته إرادة الشعب الحر، الذي قرر أن لا يقبل من جديد بالمهانة والذل. والمهم أن تصل الرسائل الحازمة إلى السلطة بأنها ليست فوق المحاسبة، إنما أمامها استراتيجية خروج من نفق المواجهة قبل تعقّد الأمور وتكرار الرهانات الخاسرة، فالحكم الديمقراطي القابل للمساءلة هو الضمان الوحيد للاستقرار السياسي الحقيقي، والتنمية المستدامة، والسياسات الاجتماعية المتوازنة.

المهم هو أن يتم إطلاق مسار إصلاحي واضح وشفاف يراعي تلبية وتنفيذ الأولويات السورية في الإصلاح، على أن يتم ذلك بمشاركة فاعلة وحقيقية من كافة مكوّنات المجتمع السياسية والفكرية والقومية، فالشعوب لا تنتفض لمجرد الرغبة في الثورة والانتفاضة، وإنما لتحقيق أهداف ومطالب مشروعة، وإذا تم التعامل بجدية مع هذه المطالب ستتوقف التحركات الشعبية. المهم هو الجدية في التعامل مع هذه المطالب وعدم الالتفاف عليها، فالشعب السوري أصبح واعياً ومدركاً ولا يمكن الالتفاف حول مطالبه، وأي تأخير في إحداث الإصلاح المنشود يترتب عليه حدوث ارتفاع في سقف المطالب الشعبية.

والتحدي الكبير هنا لا يقتصر على إصلاح التخريب الإنساني والوطني الذي تسبب به الاستبداد، بل يتعداه إلى ظهور الإنسان الجديد، الفرد المستقل الضمير والعقل. فما هو قادم لا يزال كبيراً، ولا يقل عن ثورة دائمة في أشكال وتعبيرات سياسية وثقافية وإنسانية مختلفة. وما هو قادم أصعب من أن يُحتوى بتنازلات شكلية أو بحلول اقتصادية لمشكلات هي في الأساس سياسية. فالحكم الصالح اليوم يتطلب دستورا جديدا يؤكد قيم الحرية والعدالة، وينجح في إرساء تقاليد التداول على السلطة في ظل انتخابات حرة وشفافة وضـــمانات لكل مكوّنات المجتمع. ففي المرحلة الجديدة لن تكون مصادرة حرية الرأي مقبولة، ولن يكون سجن صاحب الرأي ممكناً بلا مقاومة، ولن يكون انتهاك حقوق الإنسان مقبولاً، ولن يكون السكوت عن الفساد والتسلط أمراً طبيعياً. وفي المرحلة الجديدة لن يقبل الناس بعدم المشاركة ولن يخضعوا لحالة الطوارئ، بل سيتصرفون انطلاقاً من حقهم الطبيعي في الكرامة والعدالة والمساواة التامة في وطنهم. وهذا سيعني اعتبار الوطن ملكاً لجميع مكوّناته وليس لفرد أو حزب أو أقلية.

 

‘ كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

القدس العربي

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...