الرئيسية / صفحات الثقافة / أسلحة الطغاة خردة… أمام انتفاضة الثوار السلمية

أسلحة الطغاة خردة… أمام انتفاضة الثوار السلمية

 


بول شاوول

لم نكن نُقدّر قوة بعض أنظمة “الطغاة” العربية (المتساقطة كأوراق الخريف في الربيع العربي المظفّر) العسكرية والأمنية والبوليسية، ولا أسلحتها الثقيلة بما فيها الدبابات وناقلات الجنود والمدافع والطائرات وربما السفن، ولا رشاقة تلك الجيوش، وحميّتها وروحها العسكرية العالية وعقيدتها البطاشة، إلاّ عندما ظهرت هذه كلها في بعض ديار العرب. كنّا نظن أن مثل هذه الأسلحة قد صَدِئت في الرمال من ندرة استعمالها، ضد الأعداء أو دُفنت في المخازن من شدة لا ضرورتها، لكن والحمدالله ألف مرة، اكتشفنا ان أسلحة جيوش الأنظمة الطغيانية ما زالت بألف خير، وبألف سلامة، و”خلنج” وحساسة وفائضة ومتقدمة وحديثة وذكية وحتى عبقرية (ربما أذكى من قياداتها!) عندما زحفت على أرضها لتستعيدها من الأعداء (أي من شعبها) الذين “احتلّوها” في تحركاتهم ولتستردّ المدن والمواقع والدساكر والأرياف والصحارى من ثوارها الأعداء والخونة، القتلة، (وإن بدوا أقل من عُزّل) الحشاشين، اللصوص، مدمني المخدرات، العملاء، المهلوسين، قطاع الطرق، العصابات، المغتصبن. والله! لقد “شَنفَّت” آذاننا وكُحّلت عيوننا ونحن نشاهد على الشاشات المتلفزة كل هذه الجيوش الجرارة، بأزيائها القتالية، الميدانية، والمدججة بالأسلحة ومن كل الأنواع والأشكال حتى مناخيرها، وأضراسها وقلوبها وعقولها وبوطاتها وطاساتها، وكلساتها، وهي تطارد “فلول” الزعران، والعصابات والأطفال والنساء وتقنصهم بقناصتها وتَرديهم برشاشاتها، وتدمر بيوتهم ومدنهم بمدافعها!

يا للهول. رائع! من أين جاءت فجأة هذه القدرة “القتالية” الميدانية الفائقة وهذه البسالة “المفاجئة” وإرادة القتل الفردي والجماعي، وهذه المخططات التكتيكية والاستراتيجية العسكرية (أين كان الطغاة يخبئون كل هذه الكنوز عنا!) وهذه “الأوضاع” الدفاعية والهجومية من أين انبثقت فجأة عبقرية هنيبعل وخططه العسكرية ومن أين تفجرت عبقرية الاسكندر المقدوني وفتوحاته ومن أين سطعت الموهبة البونابرتية ، ومن أين استثمرت هذه الطاقة “النازية” وهذه الوحشية الستالينية، وهذه البربرية الشارونية.. كيف تمثلت كل هذه التجليات النادرة فجأة في “عقول” الطغاة (الاستراتيجيين في التخريب!) واضاءت ابداعاً وانتصاراً ودماً على شعوبهم! أين كانت هذه الأسلحة عندما غزت اسرائيل بيروت ولبنان في 1982؟ أين كانت هذه الأسلحة الفتاكة عندما دمرت اسرائيل لبنان في تموز 2006؟ أين كانت هذه الأسلحة عندما احتلت اسرائيل جنوبي لبنان، وعندما هاجمت أميركا بالتحالف مع اسرائيل وإيران والعراق واحتلته؟ وقصفت منزل القذافي… في طرابلس؟ أين كانت كل هذه الأسلحة عندما دمرت إسرائيل غزة؟ ولو؟! اذاً لمن كان الطغاة يدّخرون هذه “الخيرات” و”البركات” ما دام العدو الإسرائيلي ما زال يحتل مزارع شبعا والجولان ويخترق الفضاءات العربية بطائراته العدوانية حتى اعماقها؟ لمن كنتم تدخرون هذه الأسلحة التي لم نكن نشاهد بعضها إلاّ في “المناسبات” الوطنية التي تحتفل فيها هذه الأنظمة بانتصاراتها التاريخية؟ على من؟ والله لا أدري؟ انتصاراتها على من؟ والله أعلم؟ وما كنّا ندري “رشاقة” المبادرة العسكرية ولا سرعة البداهة في قمع الثورات العربية الشبابية التي تطالب بالغاء حالات الطوارئ المزمنة وإجراء انتخابات نزيهة، وتعديل الدساتير “الأبدية” المفصلة على قياس قيادات بتوع “من الأبد إلى الأبد” و”غيرو (أي القائد المُلهم) ما في احد”! إذا! السلاح! “هيا إلى السلاح!” إلى القتل. إلى السحل. إلى القصل.إلى العقيدة العسكرية المشحونة ضد أهلها. زنقة زنقة. بشراً بشراً. مدينة مدينة. بيتاً بيتاً. حقلاً حقلاً. ميداناً ميداناً. ساحة ساحة. “فالموت” “للخونة”! الموت لكل من تسول له نفسه إعلاء صوته. أو اعلان انه موجود. وأنه ليس طاولة. أو كرسياً. أو دجاجة. أو خروفاً. أو عبداً. أو كلباً. أو جرذاً ! وعندما شهر القذافي “ملك الملوك” كل هذه الأسلحة المدمرة (مع المرتزقة) وضعنا أيدينا على قلوبنا خوفاً من أن يستدرج هذا القائد الملم الثُوَّارَ إلى ساحته وملعبه: أي المواجهة بالسلاح. أي الثورة المسلحة في وجه النظام الأقوى، والأكثر تدريباً، وخبرة… وَوَقَع المحظور: وحمل الثوارُ السلاح قسراً ورداً على المجازر الذي ارتكبها النظام، مما أتاح لأميركا وللناتو ولأوروبا أن تتدخل أيضاً لمساعدة “الثوار”. لكن ما حصل ان القرارات الأساسية وغير الأساسية لم تعد كلها في أيدي هؤلاء المنتفضين. ولا الحسم. ولا حتى طريقة التصدي. والهجوم: كر وفر… وهكذا خرجت الثورة الليبية من مسارها السلمي الضاغط (كما رأينا في ثورة الأرز ومصر وتونس واليمن). وهذا يعني انفلات جنون النظام بكل شراسته وبربريته، من دون رادع، وبذريعة، ان الثوار مسلحون. ويا ليت هؤلاء الثوار لم يلجأوا إلى المواجهة المسلحة فلربما كان ذلك النظام الليبي في عداد الراحلين تحت ضغوط الشعب…

ونظن ان الثوار اليمنيين أدركوا منذ البداية خطورة ان يستدرجهم النظام إلى اللعبة التي يتقنها ويمتلكها لعبة القوة، ونجحوا في ذلك. وها هي الملايين تنزل إلى الميادين والشوارع سلمية، عزلاء، وقوية بحضورها الشعبي، برغم القمع الإجرامي الذي تمارسه عليهم “بلاطجة” النظام وعلى هذا الأساس، وأياً تكن الخسائر والتضحيات لا يمكن إلاّ ان نتمنى على كل الثوار الآخرين، الحاضرين والمقبلين، ألاّ يقعوا في الفخاخ التي تنصبها لهم الأنظمة عبر استدراجهم إلى مواجهة السلاح بالسلاح! أوعى! فهذا ما يريده محترفو القتل والتدمير والخراب والمجازر. حتى عندما يستخدم هؤلاء الوحوش الدبابات والطائرات والمجنزرات والمدافع والمصفحات والقصف المركز والعشوائي، ويضربون المدن والناس والعُزّل والبيوت، والأحياء السكنية… ويحاصرون كل شيء، ويقتحمون المناطق، ويهجّرون الناس ويُنكِلون بهم ويمارسون عليهم أبشع أنواع التعذيب والإذلال، ويعتقلونهم بالمئات والألوف… حتى ولو ارتكب الطغاة كل هذه الجرائم ضد شعوبهم فعلى هؤلاء الا يتخلوا عن سلاحهم الوحيد الناجع والفاعل، وهو التحركات والانتفاضات السلمية. فليواجه الثوار بصدورهم الحية، وبدروعهم البشرية، وبلحمهم الحي وبأصواتهم العالية وبوجوههم، وبرموشهم، بربرية هؤلاء القتلة: على طريقة غاندي؟ نعم! على طريقة مارثر لوثر كينغ؟ نعم! على الطريقة الأوكرانية؟ نعم! على طريقة الثورة الإيرانية الخضراء ضد النظام الفاشي في بلاد عمر الخيام؟ نعم! (ولو طال السفر!)، فالأفضل ان يطول النضال من أن يحسم بسرعة السلاح؛ والعنف يولد العنف. والعنف هو السلاح الذي يتقنه الاستبداديون. لم تعد الطريقة الغيفارية ناجعة اليوم. ولا البن لادنية. ولا الأحزمة الناسفة. ولا السيارات المفخخة. ولا الوسائل الانتحارية. ولا القتل الجماعي. هذه كلها باتت تنتمي إلى عصر آخر: كالألوية الحمراء إلى سواها.. فاليوم عصر التكنولوجيا. والفرجة. والاتصالات. والفايس بوك. والتويتر. وما بعد الأحزاب والشموليات والانقلابات والثورات المسلحة التي كانت وراء كل مصائبنا منذ أكثر من نصف قرن. ونظن أن مقارعة سلاح الطغاة وقوتهم الغاشمة لا تتم إلا عبر الأساليب الديموقراطية. ولّى زمن القتل في العتمة. وتغيير الأوضاع تحت جنح الظلام. صار كل شيء اليوم شفافاً، واضحاً. مرئياً مسموعاً. وموصولاً بكل العالم. ولم تعد الثورات مجرد حركات معزولة. اقليمية. أو محلية. كل ثورة أو انتفاضة أو حركة صارت مع كل هذه التكنولوجيات وأشكال التغيير في العقول والأفكار والنفوس عند الناس “عالمية”: البشرية باتت تصغي إلى ما هو سلمي أكثر مما تصغي إلى ما هو عنفي: فالقرن العشرون كان قرن الحرب والتوتاليتاريات والثورات الثقافية المسلحة، والمواجهات الميلشياوية والمجازر الجماعية والخسائر البشرية التي قدرت في الحرب العالمية الأولى بعشرين مليوناً وفي الحرب العالمية الثانية بخمسين مليوناً، ما عدا جرائم النزاعات والدكتاتوريين من رواندا إلى السودان، إلى لبنان (حروب الميليشيات والمقاومات المتناسلة والتقسيمية). وهذا تحديداً ما ادى إلى رفض المجتمعات العربية والعالمية كل ما هو عنيف وكل لجوء إلى سلاح لحل المسائل، أو لتغيير الأوضاع. وهذا بالذات ما جعل العالم كله مُعجباً بالثورات العربية السلمية التي اسقطت بعض الطغاة (مصر، تونس.. وفي الدرب اليمن وآخرون بإذن الشعب تعالى). وهذا بالذات ما جعل العالم من أوروبا إلى أميركا، إلى الصين… وآسيا… وأفريقيا يحتقرون هذه الأنظمة العربية التي تقمع شعوبها بالقوة والاغتيال والاعتقال والحصار والمجازر سقطت أنظمة الطغاة من عين الناس. صارت على مرمى الاحتقار. وهذا بالذات ما سيساعد على اسقاطها بإرادة الشعب ولو بعد حين.

ونظن أن محاولة توريط بعض هذه الأنظمة الأمنية الاستبدادية التافهة، شعوبها، باللجوء إلى السلاح أو إلى اتهامها بجرائم ارتكبتها هي، قد فشلت تماماً لوعي الناس الحاد، بنوايا هذه الاستبداديات والتي لم تعد تمتلك سوى لغة القوة والكذب والتلفيق والنفاق والابتزاز… الثورات المسلحة وَحَدّت الجماهير العربية ونجحت حيث فشلت دعوات بعض الأنظمة لوحدة عربية فوقية توحد القمع كما حدث في الوحدة المصرية السورية التي كانت كارثة على الشعبين وكذلك “وحدّت” هذه الثورة أطراف الأنظمة والسلالات الثورية التافهة والحكام ولمواجهة “الخطر” الداهم من شعوبها. فالطغاة توحدوا على قمع الانتفاضات وأهل الانتفاضات توحدوا على المواجهة لاسقاط هذه العصابات الحاكمة، وهذه المجموعات المتضامنة من اللصوص والمجرمين. ونظن ان ما نراه من ضرورة تفضيل الثوار المواجهات السلمية لوحوش السلطة. ليس سهلاً، خصوصاً وان بعض أبواق هذه الأنظمة داحل بلدانها أو خارجها، وعبر بعض النخب الاعلامية والثقافية السافلة، تصور الأنظمة كضحية والشعب متآمراً وتشاطر إعلام الطغاة كل وسائل التلفيق متواطئة مع جرائمهم وانتهاكهم الحقوق الانسانية والمواطنية والمدنية. (فهنيئاً لهؤلاء الاعلاميين المنخرطين في لعبة إبادة شعوبهم، والذين لن ينساهم لا الناس ولا التاريخ!). ونقول أكثر: ان بعض هذه الأنظمة تلجأ إلى اللغة الخشبية وهي انها تتعرض لمؤامرة خارجية! رائع! وفي الواقع وبحسب متابعاتنا، نجد حتى الآن، حتى في اليمن وليبيا و”سواهما” العكس هو الصحيح: اسرائيل وأميركا وأوروبا هي التي تتآمر على الثوار لمصلحة هذه الأنظمة لحسابات ضيقة، ولمصالح مبنية: 1) استمرار أنظمة الطغاة هو المؤامرة ، 2) الغرب ما زال يدعم بإعلامه ومواقفه وتبريراته هذه النظم ليشارك الأنظمة مؤامراتها على شعوبها! ولولا بعض وسائل الاعلام المستقلة والمؤيدة للثورات العربية، من أجنبية وعربية لازداد الحصار على هذه التحركات الاحتجاجية، ولاكتملت الكماشة الاعلامية بالكماشة العسكرية!

نحن نعرف، من خلال تجاربنا في لبنان، مدى اجرام بعض أنظمة الوصايات التي تعاقبت بالتخريب والقتل والاغتيال على لبنان، وباذكاء الحروب الطائفية والمذهبية لتبرر وجودها عندنا كمنقذ ونعرف جيداً طبيعة اعلام هذه الأنظمة ومخابراتها وفسادها وجنونها ولصوصيتها وجشعها وجرائمها، وما كانت تفعله هذه الوصايات عندنا من قهر للشعب ومن قمع، وتهجير، وتخوين، ها هي تكرره مع شعوبها: انها أنظمة لا تعيش إلا على شقاء أهلها، وعلى خراب الآخرين.

نحن نعرف، ان النضال السلمي ثمنه فادح، وان من يسمي شعبه “عدواً” قادر على ابادته! لكن ما نود التركيز عليه، انه اذا كانت جدران الخوف والحيطة والصمت حتى التواطؤ قد حُطمت فإن لا أحد بات قادراً على دحر شعبه وهذه الأسلحة الثقيلة والطائرات والدبابات والمصفحات والمدافع (والتي لم تطلق منها طلقة واحدة على اسرائيل!) تتحول شيئاًَ فشيئاً إلى خردة (تماماً كما كانت في مستودعاتها!) خردة امام العدو… وخردة أمام زحف الجماهير.

لا أحد يغلب الأرض التي يمشي عليها الثوار! لا أحد! يغلب ارادة الناس المتفجرة بكل حرياتها الكثيرة وبكل توقها إلى استعادة حقوقها ودُولها وأرضها من هؤلاء المحتلين الغاشمين الذين حولوا اوطانهم سجوناً كبيرة!

المستقبل

 

تعليق واحد

  1. كلامك جميل لكن القوة هي التي تنهي الأمر. زين العابدين سقط لأن الجيش (القوة) رفض الانصياع إليه. مبارك سقط للسبب نفسه. صالح و بشار لم يسقطا لأن (القوة) لم تقف ضدهما بعد. الوضع في سورية و اليمن لن ينهي إلا بحسم عسكري. في اليمن بموقف حازم من قيادة الجيش تجاه صالح. أما في سورية فالموقف أعقد و بالتالي فهو بحاجة إلى حالة انشقاق في الجيش، و لكن حينها تدخل البلد في حالة مشابهة للحالة الليبية. في اليمن السلطة تداعب الثوار بقنصهم – مجزرة هادئة، في سورية مجزرة تقصد منها السلطة أن يراها الأعمى حتى تخيف الناس. و لكن في نهاية الأمر لن تسقط السلطة دون قوة تجبرها على الرحيل أو تقضي عليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...