الرئيسية / صفحات الثقافة / أصوات تقّصّف ألأصابع

أصوات تقّصّف ألأصابع


عناية جابر

منذ أيام قليلة، تعرّض رسام الكاريكاتير السوري علي فرزات، الى كفّ هائلة أطبقت على جسده، وطحنت اصابع يديه. ومنذ أيام قليلة أعاند صورة أصابعه مطحونة، وأرفض خوض الكتابة عنها، حتى هدّني ألمي، وجلست الى كومبيوتري أعالج أناملي نفسها، أطمئن إليها، تحت وطأة إحساس بالعجز غير قابل للشفاء. كنت منذ مّدة، نجحت في ما فرضتهُ على نفسي من حظر على الكتابة عن الألم. لكن الحظر لم يمنع تأمليّ في أن شيئاً جحيمياً قد حدث فعلاً، وان لهذا الشيء صلة واضحة بالثقافة وبالفن، بالحرية وبالجوهر الإنساني، وبكسر الأصابع.

أمام الكومبيوتر متيقنة من أن علي فرزات لا يراني الآن، تشاغلت بعمل تخطيطات ذات تظليل دقيق لرسم كفّ بأصابع خمس رشيقة. اليد جعلتها في لون لحم المحار، ذات عروق ومسارات ماضية في إتجاهات معقدة، وحواش دائرية هلامية متصلة بالأظافر، وتقعرات صغيرة في الكف مثل ثقوب دودة الأرض. رسمت سكينا وطعنت راحة اليد، عملُتُ بها جرحاً غائراً وهذبّتُ من طول الأنامل ورهافتها، قصصت رؤوسها وأماكن استشعارها الجمال.

مضيت في رسوماتي وتخطيطاتي بصورة متقطعة، صافنة حيناً ومنشغلة حيناً، لكني أخيراً أطفأت جهاز الكومبيوتر. فردتُ كلتا يديّ أمام عينيّ، ثم عضضت الحواشي الهلامية لأصابعي، أطرافها وجنباتها، مُحاولة إستدعاء مذاق الدم. لكن لم يتخلّف عن العضّ المكين، إلا طعم الجلد البارد لكفيّ.

غاص إحساسي بالعجز الى أعماق سحيقة، ووجدتني أترّدى في ما يشبه بئراً من الكآبة لاسبيل الى الخروج منه.

على شاشة التلفزيون، رأيت الرجل بإنتفاخات وجهه، وعينيه المغلقتين، ويديه المضمدتين. الكاميرا جالت لدقائق من دون أدنى مرافقة صوتية، على الرجل طريح فراشه. من دون أدنى صوت جالت الكاميرا، مع ذلك في داخلي ضجة كثيفة، تختلط بين حين وآخر بصيحات متوعدة، غاضبة ومهتاجة.

أصوات تقّصف أصابع كما لو قطع أشجار ضخمة بمنشار آلي. شكوتُ عبثاً قوة غير موجودة، وعضضت على نواجذي بإمتعاض كبير: إنني أتساءل عن سبب كل هذا التحطيب الدامي، ولا بد أن لدى فرزات موهبة حقيقية في إثارة رغبتهم الى كسر أصابعه. لدى فرزات ذلك الشيء الحقيقي الذي يُخيفهم، لديه الشيء الذي يُغمضون أعينهم عنه، ولديه تلك الحرية التي يمقتونها ولا يُسبّحون بها.

كانوا أفرطوا في الكره. ضربوه في الشريط الذي يمر أمام عينيّ المغمضتين، بقبضات مشدودة، منقضين عليه بصبر عجيب وغباء صامت مثل كلاب تتهاوش. صار فرزات كلُهُ، إصبعاً منكمشاً، وبت متأكدة من ان الضربة الأوجع على اليد التي ترسم، ستتلوها صرخة تنّز لها بشرته الجافة في وجهه المتوتر.

بأذنيّ جيداً، سمعتُ التأوهات الضعيفة للضحية، ولهاث الرجال الذين يضربونه. أيضاً في الشريط الذي يمّر أمام عينيّ المغمضتين، جلستُ على الأرض أمام جسده المُلقى في الشارع وبحثتُ قربي عن الشيء الذي سقط هناك. كان قلم ما وجدته. مدعوس لكنه غير مكسور، (على عادة الأقلام الحقيقية) وبقعة دم مضغوطة حمراء في حجم شمس صغيرة. في اصبعه، شيء يشبه برعماً لشجرة، وردياً مائلاً الى القرمزي، قطعة صغيرة من اللحم والعظم تشبه في شكل خريطة لسورية، وقد إرتبطت بجذورها.

كنت بالغة الإضطراب حتى أني شعرتُ بالحاجة الى كتابة شيء ما، أنا التي شهدتُ وشاركتُ في هذه الإهانة من مكامنها. ابتسم فرزات من خوفي، ابتسامة مريبة حدّ السخرية، ثم هزّ رأسه صامتاً مرتين او ثلاثاً، وانسحب أخيراً الى إغماءة هادئة دون ان ينبس بكلمة. بدا لي أنه يخشى أنني رأيت أصابعهُ المكسورة.

كان شيئاً وحشياً ما نالهُ هذا الجسد الناحل الراقد، ووجد منفذهُ في كابوسي الشخصي.

كان فرزات لم يقاوم ضرباتهم المتواصلة. أحسستُ برعب جسدي وبإحساس وجع أعضاء بُترت، ومازالت تحمل أوجاعها كما لو غير مبتورة. رعب جسدي حقيقي أمام خيالات تقتحم غفوتي على طاولة الكمبيوتر، حتى اخترق هذا الرعب جفوني فأفقت. على لساني الطعم المحزن لسوائل معدتي، وبصري غضيض، انسحبتُ في العتمة الى سريري تاركة خيالات الرجل، يرقد وحده مكوّماً على طريق المطار.

هالة العنف الإجرامي التي هجستها حول فرزات إتسعت بإضطراد وشعّت ببريق أكثر، حتى أضاءت غرفتي بأسره مثل فجر سوري منذر بحرية اكيدة، تكتسب في ضوئه قضية فرزات، جانباً جديداً تماماً في الحياة السورية.

فقط الإنسحاب الى الحمى الشخصي المحض للنوم، قدّم لي أملاً في النجاة من الضوء البغيض للعنف، لكنه النوم نفسه رفض أن يأتي بهدهداته الى ذهني الذي كان مثل قدر مليء بالأصابع المقّطعة. فتحتُ عينّي في أعماق الظلمة، ونظرت الى حيث النافذة تُضيء بلدات بيضاء كالحليب. على الزجاج كان ثمة رسم لفرزات، أحد رسومه، وميّزت فيه قمراً مشرقاً على أطراف الأنامل وقد استعاد كسوته العاشقة، ومسيرته ثانية الى ناس الحرية تحت ضوء القمر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

18 − 9 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...