الرئيسية / صفحات سورية / أقدارٌ كرديّةٌ سوريّةٌ

أقدارٌ كرديّةٌ سوريّةٌ

 

علي جازو

(من نار سينما عامودا إلى جحيم بحر إيجة)

لم أخرجْ فيمن خرج لاستقبال رفات 39 غريقاً كرديّاً في بحر إيجة. قبل الاستقبال بأيام، شاهدْنا “منقذين” أتراك ينتشلون الجثث، ويحصون الأسماء والأعداد. الإحصاء ضروري؛ ليبقَ كلٌّ في مكانه وليحبس أنفاسه، لئلا يضيع عليه أي عدد. هذه ضرورة الواجب المهني “المحايد”. الأتراك أنفسهم يتسترون على عمليات الهجرة غير الشرعية، ويجني اللامرئيون من مافياتهم ثروات هائلة. إنها تجارة، ولا شيء يمنع ازدهارها. كل مصيبة تفتح أبواب الثروة لتجار لا يرون البشر إلا هيئة أرقام وحسابات.

لم يعد الموت مؤثراً. لا الموت ولا التشييع ولا الهزيمة ولا النصر. تبدو المشاركة الأخلاقية اللاحقة ضرباً من تبرير الخزي واستمرائه. إنها الوجه القذر لنسيان مدمِّرٍ وتعاطف مزيف. لم يعد الألم إحساساً طارئاً ومحدداً، إنه واقع كالضباب، شيء من جسم الهواء الغامض واضطراب النفس المترددة وكرامة النظر المهان وسطوة الكلام الصلب، الكلام القتل، وحركة الجسد الخائر المتوتر. يخسر الموتُ المهابةَ لكثرة وقوعه وكثرة تداوله وحصره داخل قفص الأرقام المريضة بالإحصاء والتوثيق. لا الموت ولا الفراق ولا المرض ولا الصراخ ولا القتل ولا الخطف ولا الفقدان ولا الانفجارات ولا دويّ القصف ولا التدمير. المستقبل كلّه بلا مكان الآن. يتكثف المستقبل في أجساد تحولت معها الدقائق إلى أيام تتثاقل عمياء خارج خزين أيام متلفة. تجاوزنا الرعبَ إلى التكيف مع الأسى وتحجَّرتْ حيلُنا في تقبُّل وانتطار مجهولٍ حتميّ. هكذا يكون التكيف القوي الجامد محل نزاع بين أن يتحول إلى عادة شنيعة معدية وبين أن يكون ممراً وعراً إلى نور حياة جديدة. الثمن باهظ وكلفته تتعدى أي مصير.

استسلمتُ لعادة كريهة، ألزمني بها كسلي وخنوعي، لزومَ المنزل كفأر أبيض ضخم، بل صرتُ الحارس السّاهي عن كهف أيامي السوداء، فأنا وحيد البيت هذا المساء أنا وحيد المأتم الجهنمي. أمام ناظريَّ تتموج شجرة زيتون عقيمة كعيني ولساني. يداخلني نسيم الغروب الحار الواهن يتغلغل إلى رئتيّ ويدور بطيئاً على فمي، ويحرك أسفل قميصي المفتوح. هي حصتي البلهاء الكافية من النظر الكسلان والصمت الأبله. لا أطلب المزيد ولا أسعى إلى جديد سرعان ما يهرأ تحت الألسنة اللّوّامة والكلمات المعطوبة. شعاراتُ التباكي جاهزة، كذلك راياتُ الحزن العالية الخفاقة. سألتُ عن واجبٍ عاشقٍ فلم أجد غير حنقٍ منبوذ وتخلٍّ شرهٍ.

كلٌّ يؤدي دورَه السّقيم، ولا نجاة قط من شَرَك الأدوار الجاهزة ومقاصل التُّهم المتبادلة. لن يقدم خروجي ولن يؤخر شيئاً، أبرّرُ ما لا يحتاج تبريراً، بل هالني أن أكون الشاهد الكلبيّ على مهزلة الاستقبال المتوقعة. كان يمكن لعمود إنارة صدئة أن يؤدي الدور الذي يفترض بي أن ألبيه، عمود إنارة أو كرسي يحضنُ تعبَ عجوز محبط، أو حصاة انحصرت تحت قدمي طفلٍ نجا من الغرق فغطاه “المناضلون” بقماش أسود بشع، حتى تاهت خطواته بين أشباح أحاطوه بأسلحة حماية مهرَّبة. ما الفرق: هرِّبْ سلاحاً أو تبغاً أو حشيشاً أو إنساناً أو حزباً كاملاً. الكلّ واحد، وهذا الواحدُ هو لا أحد. التهريب غذاؤنا الوطني، والأشباح كوابيسنا الآدمية. 39 ضحية هم حصة البلدة من أصل 63 جثة، عدا مفقودين تناسى الناس والإعلام مصائرهم على الفور. أقول إن الإعلامَ إعدامٌ يوميّ ولا أحد يصدقني، الإعلام شره شنيع لا يشبع ولا أحد يصغي إلى أنين الحقيقة، التي هي أسوأ من خلافاتنا حول الله. تذكرت عامودا خريفها المؤلم، مأساة حريق السينما عام 1960 التي قضت على 400 تلمليذ. سيضاف هؤلاء إلى أولئك، وسيطفئ بحرُ اليوم نارَ الأمس الشاحبة. ستكون المياه مرآة نارية، سيكون جوابُ الماء الجديد كجواب الحريق القديم، وسيتحول الحنين المارق إلى فخٍ كليّ ومَطْرَدٍ موبوء. ستكون المياه حارقة، ولن يلبي الله استغاثة أحد، وسيبقى المجرمون طلقاء، كما يجدر بكل غدر يبدي كماله القاهر. اختفى المهربون المحليون، المرفهون الجدد وأصحاب السطوة والنفوذ، تجار الهجرة غير الشرعية المزدهرة رفقاء تجار السلاح، متوارين عن الأنظار، وقدَّمتْ تركيا العونَ المضيِّعَ كما يجدر بكلٍّ صديق محتال.

قالوا إنهم سيصلون البلدة الأسطورية عصر الرابعة والنصف، لكنهم تأخروا حتى حلول الظلام. الأسطورة مكان المقيمين الهاربين، مكاننا لا مكاننا، نحن الذين لمنا الغرقى على سلوك طريق البحر مفضلين التهريب عبر طائرات مضمونة. كنا سنفرح لهم، وربما نتحاسدهم إن هم تمكنوا من النجاة إلى البر الأوروبي بثمن طريق بحرية خطرة ورخيصة في آن. من ترك بلد الأساطير صار أخف وألطف وأقدر، ومن مكث في تراب الماضي المتوهم لن يجد على فمه سوى وحل حاضر مزيّف. خرجت البلدة كلّها، الأطفال والفتيات والرجال والنساء، هاموا ساعاتٍ طويلة هنا وهناك، متذاهلين على طريق المقبرة الخفيضة حتى اكتمل الاستقبال، وعادوا إلى بيوتهم مغبرين مرهقين. كانوا كالنّدم أسرىً طلقاءَ. تأهبت الأحزاب الكردية لخطف المناسبة وحرقها دونما رحمة، وحلت الفرصة اللعينة للصراع الثوري المجرم على مصير الجثث المستباحة. لا يستقبل الصراعُ الجثثَ قدر ما يغرقها من جديد. كانت الفرصة مناسبة لسرقات صغيرة ومغامرات عاطفية ملتهبة مؤجلة. استغل المراهقون والمراهقات الفرصة وغزوا المنازل شبه المهجورة. قال مناصرو ال pkk إنهم من تولى الإعداد للدفن. هكذا هم في المقدمة الحماسيّة المذوّبة، لأنهم أحسن تنظيماً والأقدر على أداء واجبات استثنائية. 39 قبراً متلاصقاً فتحت أبوابها دفعة واحدة للضيوف النيام. المجلس الوطني الكردي استقبل الجثث عند الحدود التركية في مدينة “تل أبيض” التي سقطت في أيدي الجيش الحر بعيد أيام قليلة، وتحولت منفذاً لتهريب مزدهر ازدهار قمل في عانة. أحزاب المجلس الوطني الكردي تكفلت كامل المصاريف. هكذا يحل وقت الكرم الذي لا ينقذ أحداً. استغضبَ شابٌّ كردي ثوري أن له بذمة المجلس 22 ألف ليرة سورية تكاليف التظاهر أيام الجمعة، وأن المجلس لم يسدد الدين بعد. تتلطخ الثورة بالمال الذي لا غنى عنه. الخوف كله أن يغدو المال محلَّ تنافس بغيض وتكالب سافل. هكذا تتحول الثورة إلى محرقة انحطاط وإلى عقاب متنقل وإلى اتهامات لا تنتهي. في الطريق من تل أبيض إلى عامودا، حيت حواجز الجيش الحر كوفئ قتلى السفينة برشقات طيارة غزيرة، رافعة بؤس الأرض إلى بؤس السماء. أرفق رجال الأمن التركي لائحة أسماء الجثث بورقة، قيل إنها موقعة ومختومة من مفتٍ تركي رسمي يعتبر فيها الغرقى شهداء. شكراً لثناء المفتي العزيز. لجان التنسيق المحلية كذلك أضافتهم إلى حصيلة شهداء الثورة السورية. لم يقل أحد أن المنقذين الأتراك ورجال الأمن سرقوا، أو تستروا على من سرق ما كان بحوزة الجثث من أموال وقطع ذهبية. غرقى بحر إيجة هربوا من الثورة ومن بلادهم وقراهم ومحلاتهم التي تلفظ كل شيء. باعوا منازلهم، حالمين برفاهية أوروبا الملجئة، وأمنها الجليدي المغري، وسلامها المغلق الآسن. أحد الناجين العائدين إلى قريته فضل الموت فيها. قضوا شهراً وبضع شهر في استانبول وأزمير مختبئين في شقق ضيقة، بعضهم تلقى مسبات شنيعة، ولم يبخل المهربون في استغلالهم وابتزازهم وإهانتهم. أخيراً تكفل البحر بكل شيء وتحول إلى خاتمة مأساوية. البحر المقبرة، دائرة نسيان ملتهمة ذكريات عيون وصرخات استنجاد مخنوقة. هكذا صار للأكراد ذاكرة بحرية، صار للبحر مكان في قلوبهم المحاصرة وعيونهم المتوسلة، هم الذين يحلو لهم تخيل البحر وطلبه كما لو كان البحر حلماً، أليسَ غرقاً، يرتق شتات جغرافيا الكرد الممزقة. وحدها النوارس رأت المجرم الدائم والضحية الدائمة، وواصلت تموجها الطري البارد اللامبالي. تكلم البحر العريق مع الكذب “الحر” الخسيس، وتحالف الطمع مع اليأس، قدموا للأحلام الميتة جثثاً وأيتاماً وأرامل دفعة واحدة. هدية ممتازة لسياسيين متعفنين.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...