الرئيسية / صفحات الرأي / أقليات سورية ليست بقرات سوداء بليل أسود/ منير الخطيب

أقليات سورية ليست بقرات سوداء بليل أسود/ منير الخطيب

 

 

تركز جهد السلطة السورية ومن ورائها روسيا وإيران وقوى «الممانعة»، منذ بدايات الثورة السلمية، على إظهار طابعها السنّي في مرحلة أولى، وطابعها السني المتطرف في مرحلة تالية. لذا رفعت تلك القوى شعار «حماية الأقليات»، بهدف منع تشكل مجال سياسي عام، يكون مدخلاً طبيعياً إلى المسألة الوطنية.

وأيضاً، دغدغ ذاك الشعار السياسات الأميركية التي كانت تبحث عن مبررات الانكفاء عن القضـــية السورية.

يستبطن شعار «حماية الأقليات» وأخواته، إضافة إلى اعترافه بعدم وجود شعب ومجتمع ودولة ومواطنين، طمس الفروق والاختلافات بين الأقليات، والتي أقامتها سياسات الهوية السلطوية طيلة خمسين عاماً، لمصلحة محاولة تصنيع تحاجُز بين الأقليات مجتمعة من جهة، والأكثرية السنية من جهة أخرى. ولأن الاشتغال على الخيار الوطني السوري يمر، حتماً، من بوابة الاندماج المجتمعي، يغدو تفكيك الطبيعة الأيديولوجية النفعية لشعار «حماية الأقليات»، والكشف عن زيفه وعن شبكة المصالح المحلية والإقليمية التي تقف خلفه، مسألة واجبة.

يضم النسيج المجتمعي السوري أقليات قومية ودينية ومذهبية عدة، ومن بين جميع هذه الأقليات، الأقلية العلوية هي الوحيدة التي امتلكت إرادة وإستراتيجية للسلطة، ونتج من ممارسة هذه الإرادة، خلال العقود الماضية، تمايزات اجتماعية وسياسية واقتصادية داخل «المجتمع» السوري، ولدّت إحساساً وموقفاً ذمياً عند بقية الأقليات التي ظلت، شأنها شأن الأكثرية السنية، حبيسة المحيط الرخو للنواة العسكرية – الأمنية السلطوية، التي أعادت تشكيل السوسيولوجيا السورية، بما ينسجم مع آليات الإخضاع المطلق لـ «المجتمع والدولة» معاً.

كذلك، لا بد من إبراز الاختلاف الجذري في مواقف الأقليات السورية، من الاندفاعة الإيرانية في المشرق العربي، التي ارتبطت بها ظاهرة «الشيعية السياسية»، بوصفها ظاهرة تخريب للوطنيات المشرقية، تتطابق في هذا الجانب مع نهج التنظيمات السنية المتطرفة، حيث يقود الطرفان معاً حرباً على الأنسجة المجتمعية الوطنية.

الطائفتان الوحيدتان في سورية اللتان ركبتا قاطرة الشيعية السياسية، هما الطائفة الشيعية والطائفة العلوية، في حين بقيت جميع الأقليات الأخرى، القومية والدينية والمذهبية، معارضة، مبدئياً ونهائياً، لهذه الاندفاعة الإيرانية الغازية بتجلياتها القروسطية. كما أن الحضور الإيراني الإمبريالي في المشرق العربي حوّل الطائفتين الشيعية والعلوية إلى موضوع للسياسة الإيرانية، يذكّر ذلك بسياسات الدول الاستعمارية تجاه مسألة الأقليات في القرن التاسع عشر.

وغني عن القول أيضاً: إن أي حل سياسي جدي ومنصف في سورية يتطلب، أولاً وفي المقدمة، إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية وكل إدارات «الدولة»، فهذا سيفقد الكثيرين ممن ينتمون للطائفة العلوية امتيازاتهم، ويطرح إشكاليات عميقة متصلة بتركيب قوى العمل في سورية القادمة، في حين ان تغييراً كهذا يتماشى مع مصالح بقية الطوائف والقوميات. لهذا كله، تبقى تلك الطوائف والقوميات، من حيث المبدأ، منفتحة على الخيار الوطني السوري، موضوعياً وذاتياً، ويقوى ذاك الانفتاح لديها بمقدار تراجع التطرف بشقيه السني والشيعي. إن إبراز الاختلافات والفوارق في مواقف الأقليات لا يهدف إلى إقامة مفاضلة أخلاقية بينها، بل التحذير من أن طمسها في معمعة الفوضى الراهنة يهدف إلى «دفش» هذه الأقليات إلى الثقب الأسود الذي ساهمت في تنضيده، أساساً، السياسات الإيرانية المذهبية في الإقليم، وتراكبت معه عوامل عدة مختلفة ومتناقضة أحياناً.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صناعة الدين سلطويا/ محمد ديبو

      تدفع ظاهرة عمرو خالد وغيره من الدعاة الذين يضعون “علمهم ودينهم” في ...