الرئيسية / صفحات سورية / أكراد سوريا: العلمانيّة والنظام البرلماني

أكراد سوريا: العلمانيّة والنظام البرلماني


علي جازو

توصلت الحركة السياسية لأكراد سوريا، بعد خلافات طويلة وحسابات معقدة حول نسب تمثيل الحزبيّين والمستقلين والتنسيقيات، ناهيك عن آليات الترشح والانتخاب، إلى عقد أول مؤتمر وطني أواخر شهر تشرين الأول من العام المنصرم، في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا.

حسب ما ورد في بيان المؤتمر الختامي، وما تكشَّف جزئياً عن وثائقه، طرأ أمران أساسيان يشكلان التوجه السياسي الجديد للأحزاب الكردية السورية التي انضوت تحت تنظيم أوسع هو «المجلس الوطني الكردي«.

يتعلق التوجه الأول بتصور الأكراد لشكل النظام السياسي الذي سيعقب النظام الحالي، ويناقش الثاني السبل التي يرونها مناسبة لحل قضية الأكراد القومية في سوريا باعتبارها قضية وطنية عامة تمس جوهر الهوية الوطنية لسوريا ما بعد البعث، وتشكل معياراً هاماً لقدرة السوريين على تجاوز حقبة الاستبداد السوداء.

خلص المؤتمر الذي ضم 250 شخصية سياسية حزبية ومستقلة، إضافة إلى ممثلين عن تنسيقات الشباب الكردي التي نشأت مع تطور الأحداث الأخيرة، رغم رفض بعض التنسيقيات لطريقة التحضير للمؤتمر، إلى أن النظام البرلماني هو الكفيل بنقل سوريا إلى دولة ديمقراطية تعددية. فالبرلمان يظهر تنوع المجتمع السوري ويسمح بعودة الرقابة المباشرة والفاعلة على أعمال السلطة التنفيذية ويجعل الحكومة تحت نظر النواب، إضافة إلى أنه ينزع السلطة من منصب رئاسة الجمهورية ويعيدها إلى البرلمان ورئاسة الحكومة، وهما الهيئتان اللتان ظلتا دون شأن طيلة حكم البعث(القيادة القطرية) الذي لم يكن سوى واجهة لتفرد «الرئيس» بسلطة مطلقة.

أما تصور الأكراد لحل القضية الكردية داخل سوريا فبدا غامضاً، إذ جاء البيان الختامي مشتتاً ومتأرجحاً بين حق تقرير المصير داخل حدود الدولة السورية من جهة، مما يقصد به ضمناً أن يتولى الأكراد إدارة شؤونهم ليس على النحو الذي تتضمنه فحوى عبارة تقرير المصير عادة؛ إذ إنها تحيل إلى استفتاء يؤخذ فيه رأي الشعب الكردي في البقاء كجزء من سوريا أو الانفصال عنها. لكن حق تقرير المصير، من جهة أخرى، جاء مرفقاً مع تصورين فرعيين آخرين هما الإدارة الذاتية أو الفيدرالية، وهما ترجمتان عمليتان تشكل الأولى منهما حلا أكثر واقعية من الثانية. وما سبق يعكس ضبابية تنم عن عدم وضوح الرؤية السياسية المستقبلية للأكراد في سوريا، الذين بدوا واضحين إزاء نظام الحكم الذي يرونه مناسباً لصياغة قواعد السلطة الجديدة، في حين كانوا عاجزين عن تصور مخرج يغلق ملف القضية الكردية السورية. فعبارات كالحل العادل والديمقراطي عامة وملتبسة، ما لم تجد لها صيغة مقبولة على الأرض تتوافق مع مدنية الدولة التي يضحي السوريون بأرواحهم من أجل بلوغها.

على أن الاكثر أهمية ربما والمفاجئ هو مبدأ علمانية الدولة. فالمؤتمر خلص إلى اعتبار العلمانية أساساً للدولة البرلمانية القادمة. كما إنه من اللافت أن الأكراد اعتبروا انفسهم، في خطوة مفاجئة وشديدة التسرع، منسحبين من كافة تشكيلات المعارضة الداخلية منها والخارجية (هيئة التنسيق، إعلان دمشق، والمجلس الوطني)، ما لم يؤخذ بوجهة نظرهم في حل الأزمة السورية، وعلى هذا التصور إنما يضع الأكراد تحالفاتهم القادمة.

ويعكس تمسك الأكراد بعلمانية الدولة تخوفاً من التوجه الإسلامي الذي يغطي سماء السياسة ويغيم أجواء كل من تونس ومصر وليبيا. مع الإشارة إلى أن هذا التوجه يخدم مصالح خاصة لتركيا (العلمانية التي تدعم الإسلاميين) التي احتضنت الإسلاميين السوريين. ومعروف مدى تعقد الوضع الكردي في تركيا التي يرى بعض ساستها المتعصبين ضرورة حل القضية الكردية بالقوة المسلحة حتى إن استدعى ذلك اجتياح كردستان العراق واحتلاله، وحالٌ كهذا لا يختلف عما يجري في شوارع المدن والبلدات السورية.

يتبنى الأكراد علمانية الدولة كأقلية قومية عانت كابوس «البعث» الذي سجن سوريا في «حصن العروبة»، وصارت تخشى من كابوس جديد يسجنها في طغيان الإسلام السياسي، كما يجري في مصر والمغرب وليبيا وتونس؛ الذي يبدو تخوف المجتمع منه، بسبب الوهم غالباً، أضخم من حقيقته على سوريا التي لا يسمح تكوينها السكاني الشديد التنوع بغلبة أي تيار سياسي بمفرده على الساحة السياسية، إضافة إلى أن لا صيغة واحدة تحكم الاسلاميين السوريين. ناهيك عن أن توجهاتهم العملية لم توضع تحت أي اختبار فعلي. وفي هذه الخشية المتبادلة علامة خطيرة على عدم ثقة بمآل الاحوال في سوريا الجديدة، الذي يدل مضمونها الخفي على مدى الشك المتبادل بين مختلف أطياف المعارضة السورية التي لم تصنع الحدث السوري أصلاً، ولا هي قادرة على وضع مخرج له. يؤلف «العوام» و«العاديون» و»الفقراء» غالبية جمهور الثورة السورية، لكن «المعارضين القدماء»، على ضعف أدائهم وتراجع حضورهم عما بلغه الحس الوطني لدى الشباب السوري من رفعة وتضامن، يخططون للنتائج ويتنافسون على (نهايتها) التي تبدو عسيرة وأكثر دموية يوماً إثر آخر.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...