الرئيسية / صفحات سورية / أكراد سوريا: عندما يصبح الإتحاد ضعفاً

أكراد سوريا: عندما يصبح الإتحاد ضعفاً

 


هوشنك بروكا

بدايةً أعيد وأكرر، ههنا، كما نوهت في مناسبات أخرى، عند الكتابة في شئون وشجون الثورة السورية، أن القصد من ال”أكراد السوريين” ههنا، هو “أكراد الأحزاب” أولاً وآخراً، لا أكراد الشوارع.

لن أكون مبالغاً، إن قلت، بأنّ الأحزاب الكردية السورية، بمجموعها(أكثر من 14 حزب يعمل بين 3 مليون كردي فقط) هي أكثر الأحزاب إنتاجاً للبيانات وصناعة الكلام على الإطلاق. فلا تمرّ مناسبة بدون بيان، وما أدراك ما البيان.

مؤخراً، وبالتزامن مع تبشير وزير الإعلام السوري الدكتور عدنان محمود السوريين، بأن “الأيام القادمة ستشهد حواراً وطنياً شاملاً، في مختلف المحافظات السورية”، أطلقت الأحزاب الكردية في الحادي عشر من الشهر الجاري، ما سمّتها ب”مبادرة لحل الأزمة السورية”.

المبادرة الكردية “الوحدوية” هذه، والتي وقعّ عليها 12 حزباً كردياً، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ضمت 8 نقاط “قديمة جديدة”، قِدم بيانات هذه الأحزاب، والتي حفظها أكرادها كالمحفوظات، عن ظهر قلب، من فرط تكرارها واجترارها، بمناسبة وبدونها.

شخصياً لا اعتراض لدي، من حيث المبدأ، على أية نقطة من النقاط الورادة في المبادرة، لأنها في مجملها “دعوة عمومية” إلى “الديمقراطية للبلاد ومنح الأكراد حقوقهم السياسية والثقافية والإجتماعية، في إطار سوريا واحدة موحدة”، وحين أصفها بالقديمة، لا يعني أبداً أنّ ما ورد فيها قد أصبح في حكم الماضي لأنها تحققت، وإنما لأنّ المبادرة طُرحت وكأنها تعيش “خارج الزمان”، و”خارج المكان” السوري ما بعد الخامس عشر من آذار أيضاً.

المبادرة جاءت قديمةً، لأنّ أصحابها “الحزبيون جداً”، والميتون على أحزابهم، أكثر من موتهم على “سوريا”(هم) وقضية أكرادهم، هؤلاء لا يزالون يستقلون “الوراء”، لا بل يقيمون في أكثر من وراء: وراء الثورة السورية، ووراء الدم السوري المراق من درعا إلى قامشلو.

أكثر ما يلفت النظر في هذه المبادرة، هو أنّ أصحابها قد قفزوا على ما يجري في سوريا، منذ أكثر من شهرين، من إرهابٍ منظمٍ للدولة، وحصارٍ للمدن بالدبابات، وقتلٍ فظيع للمتظاهرين، وقطعٍ للماء والكهرباء وكلّ وسائل الإتصال عنها، لكأنها “أحداث عابرة”، عفى الله عنها.

هؤلاء الموقعون على هذه المبادرة “الورائية” بإمتياز، لم يتناولوا مأساة المدن السورية، التي لا تزال تعيش تحت خط النار، وحصار دبابات النظام، بكلمةٍ واحدة.

جاء البيان، بكلّ أريحية، وبال الموقعين عليه “مرتاحٌ على الآخر”، لكأن حال درعا وحمص وتلكلخ وبانياس وتلبيسة والمعضمية ودوما وسائر المدن السورية الأخرى المحاصرة، هي من حال قامشلو الهادئة حتى اللحظة نسبياً، والتي عقدوا فيها اجتماعهم الهادئ جداً، بحضور كافة القيادات الكردية، في الهواء الطلق، بدون أية إزعاجات أمنية، أو قطعٍ للماء والكهرباء والخبز والحليب.

أصحاب الحل للأزمة السورية، كردياً، دعوا في الأول من مبادرتهم إلى “تجنب اللجوء إلى استخدام العنف والقتل تحت أية ذريعة كانت والسماح للاحتجاجات السلمية بالتعبير عن نفسها، واعتماد مبدأ ولغة الحوار الوطني الشامل بين مختلف الاتجاهات السياسية الوطنية والنخب الثقافية التي تؤمن بالحوار سبيلا للتفاهم”.

ولكن السؤال ههنا، هو، على مَن يجب تجنّب العنف؟

من عليه تجنّب العنف ضد من؟

من استخدم العنف ضد من؟

من خوّن وحاصَر وجوّع وأرهب وقتل ومثّل بجثة من؟

الشعب السوري المنتفض الأعزل في المدن القتيلة، الذي يتهمه النظام ب”المدسوس” و”العميل للخارج”، و”الداعي لإمارات سلفية”، أم النظام وشبيحته، المدججين بشتى صنوف الأسلحة؟

في الوقت الذي دعا فيه أصحاب المبادرة الكردية، إلى “تجنب العنف”، كان عليهم أن يسمّوا ما يجري من عنفٍ وإرهابٍ حقيقيين بمسمياته الحقيقة، لا أن يقفزوا على العنف المفرط الخارج عن كلّ معقول، وعلى تسمية مرتكبيه الحقيقيين، بكلام هوائي، محايد، لا يفرّق بين القاتل والمقتول، الفاعل والمفعول به، الجلاّد والضحية.

لا بل أنّ بعض هذه الأحزاب لا تزال تقول برواية قريبة من رواية السلطة، بأنّ هناك “عنف وعنف مضاد، ولا يمكن معرفة حقيقة كلّ ما يجري في المدن السورية المحاصرة، لصعوبة الحصول على المعلومات من مصادر مستقلة”.

من يقرأ بين سطور المبادرة، سيضيع في “عمومياتها” المفرطة، لفرط خروجها من المكان السوري الراهن، الذي يُرتكب فيه الآن، أبشع الجرائم ضد الإنسان السوري، قلما ارتكبه نظامٌ ضد شعبه، اللهم إلا شقيقاه، النظامان العراقي السابق ونظام معمّر القذافي، الفاشيان.

كان من الممكن للأحزاب الكردية أن تطرح مبادرةً “مريحة” كهذه، قبل الخامس عشر من آذار الماضي، أيّ قبل ارتكاب النظام السوري جرائم ضد الإنسانية، بحق شعبه، حيث ذهب ضحية سلوكه للخيار الأمني والعسكري، حلاً نهائياً، في قمع المتظاهرين العزّل، حتى الآن، أكثر من ألف قتيل، و8 آلاف معتقل، فضلاً عن آلاف الجرحى والمعوّقين.

أما الآن، بعد كلّ هذا الكم الهائل والفظيع من الإرهاب الذي ارتكبه النظام بحق شعبه، لم يعد “الحوار الوطني الشامل”، الذي تعوّل عليه هذه الأحزاب الكردية “المرتاحة”، كما يبدو، ممكناً أبداً، من دون التحقيق في هذه الجرائم، وتسمية المجرمين الحقيقيين بأسمائهم الحقيقية.

هذه الحقيقة السورية، التي لا بدّ لها أن تُكشف، ولا بدّ أن يُبحث ويحقق فيها، دولياً، كما طالب بذلك مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جينيف، قفزت عليها الأحزاب الكردية، وكأنها أصبحت خبراً لكان وأخواتها، ما يجعل موقف الأحزاب الكردية “مشكوكاً فيه”، لا سيما وأنها لم تحسم أمر حضورها في الثورة السورية بعد، ولم تشارك حتى اللحظة في أية تظاهرات جديّة تنادي ب”إسقاط النظام” تحت أسمائها الصريحة، فهي تقول صراحة أنها لا تصنف نفسها في خانة “المعارضة الحقيقية” مع بعض المعارضات السورية الأخرى، التي تصف نفسها بالبديلة للنظام. الأحزاب الكردية، لا تزال تعيش حالةً من المعارضة “الهلامية”، فهي لا مع النظام ولا ضده.

لكن سلوك هذه الأحزاب، خصوصاً بعد مرور أكثر من شهرين على قيام الغضب السوري، الذي يطالب بإسقاط النظام، في مجمل الشوارع السورية، هو سلوكٌ محافظ وحذر جداً، يريد التغيير الجزئي مع الإبقاء على النظام، وما هذه المبادرة إلا ترجمةً حقيقية واضحة لسلوك هذه الأحزاب، التي لا تزال مؤمنة بالتغيير تحت قيادة النظام.

ولكن السؤال الذي بات في سوريا ما بعد الخامس عشر من آذار، أهم من كلّ مبادرة، هو: هل سيقبل الشعب السوري ب”حوارٍ مريح” كهذا الذي طُرح، مع نظامٍ فاشيّ حاصره في مدنه، وقصفه بدباباته، ومارس بحقه أبشع صنوف القتل المبرمج وإرهاب الدولة المنظم؟

ففي الوقت الذي اختار النظام السوري الخيار الأمني والعسكري، كما هو حاصلٌ حتى اللحظة، وسلك طريق قتل وتصفية الشعب عن بكرة أبيه، حلاً لأزمته التي خرجت عن كونها “شأناً داخلياً”، لا يمكن التعويل على أية مبادرة للحوار “الوطني الشامل”، تمرّ على جرائم نظام الأسد البشعة الأخيرة، والمدانة دولياً، مرور الكرام، وكأنّ شيئاً لم يكن.

بعد قرار مجلس حقوق الأنسان، الذي أدان فيه النظام السوري لإستخدامه العنف المفرط، وأمره بفتح تحقيق دولي في جرائم القتل البشعة، التي ارتكبت بحق المتظاهرين والسكان العزّل، بدأنا نسمع عن مبادرات أوروبية(بريطانية وفرنسية بالدرجة الأولى) لإدراج الرئيس الأسد تحت قائمة العقوبات الأوربية، وليس من المستبعد أن يرتفع سقف هذه العقوبات إلى إصدار مذكرة اعتقال ضده من المحكمة الجنائية الدولية، بتهمة ارتكاب نظامه جرائم ضد الإنسانية.

أممياً، هناك تحرّك أوروبي حثيث، لتمرير قرار دولي في مجلس الأمن لإدانة النظام السوري، ومطالبته بالتنحي.

سيدة الديبلوماسية الأميركية هيلاري كلينتون، صرّحت اليوم أنّ “وقت التغيير الديمقراطي في سوريا قد حان”.

عرّابو هذه المبادرة الكردية، لم يتطرقوا ولو بنصف كلمة إلى المطلب الأممي، الذي يدين النظام السوري صراحةً، ويطالبه بالسماح للمنظمة الدولية بفتح تحقيق دولي عاجل، في الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري، ولا تزال السلطات السورية ترفض دخول أية منظمات دولية، ولو لأغراض إنسانية، إلى المدن والبلدات السورية المحاصرة، التي يعيش سكانها، تحت قصف الدبابات وإرهاب شبيحة النظام.

قفز الأحزاب الكردية في مبادرتها “الجديدة القديمة”، على هذه الحقيقة السورية، التي يتم تدويلها يوماً إثر آخر، وتجنبها استخدام أية عبارات مباشرة من شأنها تدين النظام بارتكاب جرائم إنسانية ضد شعبه، ولعبه في الفضاء العام، عبر استخدامه عبارات عمومية، يصلح استخدامها، على العموم، في أية أزمة داخلية كالأزمة السورية، كلّ ذلك يسحب البساط من تحت “حكماء” الأحزاب الكردية السورية، التي تنظر إلى الأزمة السورية، بعين “المراقب المتفرج” وكأنها “طرف ثالث” تريد “التدخل” أو “التوسط” بين الشعب السوري الذي يريد إسقاط النظام، وهذا الأخير المصرّ بدوره على إسقاط الشعب ومحوه.

أعلم(كما يعلم معي الكثيرون) أن الأحزاب الكردية، قد تنازلت عن دماء أكرادها في الإنتفاضة الآذارية التي انطلقت في 12 آذار 2004، وداست عليها ببضع بيانات ووعودٍ للنظام بإجراء تحقيقاتٍ، لم ولن تتحقق أبداً، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تكون ذاكرة الكلّ السوري، أكراداً وعرباً وآشوريين وسريان وقوميات أخرى، مثقوبة كذاكرتهم.

ثمّ أنّ هذه الأحزاب التي لم تعلن انضمامها للثورة السورية، حتى الآن، لا من قريب ولا من بعيد، ولا تزال تسبح في فضاءٍ من “الإصلاحات العمومية” والتعويل على صلاحية النظام، مبررةً عدم مشاركتها في الإحتجاجات التي عمّت مختلف المناطق السورية، بهذه الحجة السخيفة وتلك، ليس من حقها أن تبادر لحلّ أزمةٍ، هي لا تعتبر نفسها طرفاً فيها. هذا فضلاً عنّ أنها لم تدفع ثمن الفاتورة الباهظة للثورة، حتى اللحظة، قطرة دم واحدة.

كأنّ بأكراد هذه الأحزاب السورية، يريدون تقليد أخوانهم في الجنوب الكردستاني(أكراد العراق) الذين يلعبون دور “بيضة القبان” في كلّ الأزمات العراقية، منذ سقوط نظام صدام حسين في التاسع من نيسان 2003. ولكن شتان ما بين أكراد العراق وهؤلاء.

فأكراد العراق، الذين كانوا نواة المعارضة العراقية قبل سقوط النظام، ودفعوا الغالي والنفيس لأجل كردستانهم في عراقهم، لهم حقهم في الكعكة العراقية، مثلهم مثل كلّ أطياف المعارضة العراقية، ولا أحد يستطيع المزاودة على دورهم في العراق الجديد، هذا بغض النظر عن اختلافنا مع سياسات الفوق الكردي تجاه أكراده، واحتكار الحزبين الرئيسيين المتحالفين الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني للسلطة والمال والبيشمركة والمخابرات.

فمن يدفع ثمن التغيير أكثر، يحصل ما بعده على أكثر.

الأحزاب الكردية السورية، لا تزال تعوّل على تغييرٍ سوريا تحت قيادة النظام، إذن، فلتذهب إليه وتحاوره “حواراً وطنياً شاملاً” كما تشاء، أما أن تدعو قياداتها السوريين الغاضبين، عرباً وأكراداً وقوميات أخرى، ممّن فقدوا الثقة بهكذا نظامٍ فاشي، فقد شرعيته، يحاصر ويجوّع ويقتل شعبه، كما فعل صدّام حسين من قبل، ويفعله القذافي الآن، فهذا يحتاج إلى أكثر من ردّ، وأكثر من موقف كردي بشكلٍ خاص، وسوري بشكلٍ عام.

قبل أن تطرح هذه الأحزاب مبادراتها لحل “الأزمة السورية”، كان عليها أن تبني داخل بيوتها المكركبة على بعضها، والمهدّمة على رؤوس أمنائها العامين، وأن تطرح مبادرات جدية لإعادة الثقة بينها وبين جماهيرها.

هل استطلعت هذه الأحزاب آراء الشارع الكردي مثلاً، قبل طرحها لمبادرتها؟

بالطبع لا.

في اجتماعها الذي ضمّ أقل من ألف شخص، والذي طرحت فيه الأحزاب الكردية مبادرتها خلال أقل من نصف ساعة، تبيّن من خلال أسئلة الجمهور الحاضر، حجم الهوّة السحيقة بينه وبين ركاب المبادرة، الذين قالوا كلمتهم ومشوا، لكأنهم أرادوا بذلك “تسجيل” حضورٍ أو موقف كان لا بدّ منه، لا أكثر ولا أقل.

ربما يكون من حق هذه الأحزاب، بحكم مصالحها الحزبية الضيقة، أن تتمسك بخطها السياسي، المراوح مكانه منذ أكثر من نصف قرنٍ من الزمان، وأن تعوّل على “الحوار الوطني الشامل” مع نظامٍ ما عاد وطنياً، كما تشاء، ولكنّ من حق الآخر السوري المعارض أيضاً(بضمنهم الكردي، الذي يخرج هذه الأيام، على فقه أحزابه، مع أخوانه السوريين الغاضبين الآخرين في شتى أنحاء البلاد)، أن يذهب إلى صحيحه الثوري، الذي يقتضي إسقاط النظام كما يشاء.

ولكن المؤكد، هو أنّ بين هذا الغضب الشعبي الذي يريد إسقاط النظام، وذاك الهدوء الحزبي الذي يريد الحوار مع النظام، سنشهد في القادم من سوريا، حراكاً سورياً، يقوده شبابٌ لإسقاط الأحزاب من بعد إسقاط النظام.

وما نشهده هذه الأيام في الساحة السورية(الكردية ضمناً)، من حراك شبابي، وتأسيس لحركات شبابية جديدة، تتبنى الثورة السورية وقيادة المظاهرات، هو ردّ واضح على تقاعس هذه الأحزاب، لأخذ زمام المبادرة منها، لا سيما وأنّ شعوب الشوارع الغاضبة اليوم، ما عادت كشعوب الشوارع السابقة، تثق بالبيانات والعرائض والأقوال على حساب الأفعال.

لهذه الأحزاب تاريخٌ حافل بالبيانات التي قالت كثيراً دون أن تفعل شيئاً يستحق الذكر.

طيلة أكثر من نصف قرنٍ، من الزمان، تهرب هذه الأحزاب إلى البيانات والبيانات المضادة، التي سرعان ما تُحيله الجهات الأمنية إلى التقاعد في أرشيفٍ ميت.

لا تزال هذه الأحزاب تختبئ وراء الفرصة التي لم تأتِ بعد..أو الظروف التي لا تزال حسب فقهها، غير مؤاتية.

البعض الكرديّ، هللّ لهذا “الإتحاد الكردي”، الذي يشهده الأكراد السوريون لأول مرّة في تاريخهم، منذ حوالي نصف قرنٍ ونيف من تأسيس أول حزب كردي، عام 1957.

ولكن أية قوة في أيّ اتحاد؟

كان من الممكن أن يؤخذ هذا الإتحاد الذي يضم تحت سقفه 12 حزباً، على محمل الجد في كونه قوةً كردية فعلاً، فيما لو كان بإمكانه أن يشكّل بأوراق “اتحاده” هذا، ضغطاً حقيقياً على النظام ليجلس إليه هذا الأخير، كأحد المحاورين الحقيقيين، في أي حوار وطني حقيقي.

ولكن يبدو ذلك، راهناً، ليس بعيد المنال فحسب، وإنما ضرباً من المستحيل أيضاً، لأن النظام السوري لا يقبل حتى اللحظة بأيّ حوار وطني حقيقي، حول سوريا ديمقراطية تعددية حرّة، يعترف بالأكراد ك”وجود قومي” وأحزابه، طرفاً فيه، لطرح القضية الكردية، في كونها “قضية أرض وشعب”، كما تقول أدبيات الحركة الكردية السورية.

منذ أكثر من نصف قرنٍ، نسمع ونقرأ لأحزاب الحركة الكردية من يمينها إلى يسارها، الشعار ذاته، المرفوع على ظهر البيانات ذاتها، فماذا تحقق منه؟

ألم يجابه النظام الأكراد السوريين بذات المنع والمكتومية والأجنبية والمراسيم الإستثنائية والإعتقالات العشوائية، بحجة “خطر” هؤلاء على أمن الدولة وتهمة محاولتهم “اقتطاع” أجزاء من الأراضي السورية؟.

لا يزال المسؤولون السوريون، من الفوق إلى التحت، ينظرون إلى القضية الكردية، في كونها قضية أمنية استخبارتية بحتة. ومن هذا الباب تحديداً يمكن فهم اتهام رئيس الإستخبارات السورية علي مملوك، قبل حوالي شهر فقط، الأكراد ب”العمالة لإسرائيل”.

لا أدري على أية “قوة كردية”، أو أي موقف كردي “قوي”، يعوّل البعض في هذه “المبادرة الإتحادية”؟

ما هي أوراق واضعي هذه المبادرة للضغط على النظام بالجلوس إليهم، بما تقتضيه مصلحة الأكراد، كمكوّن أساسي من مكونات الشعب السوري، في “الحوار الوطني الشامل” المزعوم؟

ما هي القوة التي يمكن أن يعوّل عليها هذا الإتحاد في مبادرته هذه، طالما أنّ الكلمة الفصل الآن هي للشارع، والشارع الكردي تمّ فرملته وتعطيله، بقرار رسمي صريح لا يزال ساري المفعول، من قيادات هذه الأحزاب نفسها؟

 

الأحزاب الكردية لا تزال تمسك العصا السورية من منتصفها، وكأنها في “دولة جارة” لا تريد التدخل في شئون جارتها الداخلية.

هذا الموقف “الهلامي” و”الفاتر”، ليس موقفاً قوياً كما يبدو للبعض، حتى لو اجتمعت تحته أحزاب كلّ الكردستانات، لسبب بسيط، وهو لأنه موقف فيه من الوراء أكثر من كونه موقفاً في الأمام، فضلاً عن أنه لا يعبّر عن رأي الشارع الكردي السوري، بأغلبيته الصامتة، المتعاطف مع الشوارع السورية الأخرى، بقدر ما أنه يعبّر عن رأي قيادات هذه الأحزاب، التي اختارت الصمت والحياد طريقاً لها إلى “سوريا تعددية ديمقراطية حرّة” مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

فسوريا ليست كمصر وتونس ولا حتى كليبيا، كما يقول لسان حال هذه الأحزاب. تلك هي بعض حجتها للهروب من الثورة، كيلا تكون “كبش فداء”.

 

هذه الأحزاب نست أو تناست أنّ وجع درعا وحمص وتلكلخ وبانياس ودوما هو من وجع قامشلو وأخواتها، وما يصيب الجنوب السوري وغربه ووسطه وشرقه، يصيب شماله، طالما أن الديكتاتور هو واحد ضد شعب سوري واحد، كما يردده المتظاهرون من قامشلو إلى درعا.

هذا الموقف الكردي الحزبي الموّحد ضعيفٌ، لأنه يقف موقف المتفرج بين “سوريا الشعب” و”سوريا النظام”.

هو، موقفٌ ضعيف، لأن أصحابه لا يزالون يتمسكون بالوقوف مسافة تكاد تكون واحدة، من طرفي النزاع، وكأنّ هؤلاء ليسوا طرفاً فيه.

هو، موقفٌ ضعيف، لأنه يوصي ب”تجنب العنف والقتل تحت أية ذريعةٍ كانت”، دون أن يوجه تهمة العنف إلى أيٍّ من الطرفين، وكأنّ أصحابه “حقوقيون مستقلون” لا يملكون بحوزتهم الأدلة الكافية للإدانة، لا سياسيون، أصحاب قضية مهدورة، مثلهم مثل شعب درعا وأخوانهم في المدن السورية الأخرى المحاصرة.

هو، موقفٌ ضعيف، لأنه يخلط بين أهل الحق وأهل الباطل، أو المظلوم والظالم، أو الضحية والجلاّد، أو الشعب والديكتاتور، أو الشارع والشبيحة، أو الثورة والنظام.

هو، موقفٌ ضعيف، لأنه لا يزال يصدّق النظام، أكثر من تصديقه للشعب السوري الأعزل المحاصر بالدبابات، والمجتمع الدولي، ومجلسه لحقوق الإنسان، الذي سمّى الحقيقة السورية، بمسمياتها الحقيقية، وأدان صراحةً انتهاكات النظام السوري لحقوق الشعب السوري الأعزل.

هو، موقفٌ ضعيف، لأن أهله لا يزالون يمشون خلف نظامٍ ديكتاتوريّ عتيقٍ، سيصير وراءً، بدلاً من المشي أمام الشعب وثورته، التي ليس لها إلا أن تسير إلى الأمام.

هو، موقف ضعيف، لأن “سوريا النظام” تستفيد منه، أكثر من أن تستفيد “سوريا الشعب”، وينقذ النظام الجلاّد أكثر من إنقاذه للشعب الضحية، ويبرر وجود “سوريا الثابتة” أكثر من تبريره لوجود “سوريا المتغيّرة”.

هو، موقفٌ ضعيف، لأنه موقف مبنيٌ أوّلاً وآخراً، وفقاً لحسابات أكراد الكردستانات الأخرى، أكثر من كونه مبنياً طبقاً لحسابات الأكراد السوريين.

ايلاف

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...