الرئيسية / صفحات الناس / ألمانيا واللاجئون: قصة “غرام” فاشل/ محمد أبي سمرا

ألمانيا واللاجئون: قصة “غرام” فاشل/ محمد أبي سمرا

 

 

تبدو تجربة ألمانيا الإستثنائية أوروبياً في استقبالها ما يزيد عن مليون لاجئ فارين من ديارهم في العام المنصرم (2015)، شبيهة بقصة غرام غير استثنائي في عدم استمرارها طويلاً. بدأت القصة بفجيعة العالم الإعلامية بصورة الطفل السوري الكردي إيلان ملقى جثة لفظها البحر على الشاطئ التركي، وانتهت في ليلة عيد رأس السنة الميلادية (2016) في ساحة محطة القطارات الرئيسية في مدينة كولونيا الألمانية، بعدما أقدمت جمهرة كبرى من “اللاجئين” على عمليات تحرّش واعتداء جنسيين ونشل وسرقة ضد نساء مغفلات عابرات في تلك الساحة. فبلغ عدد النساء اللواتي تعرّضنَ للاعتداء ما يقارب الـ900، ثلاثٌ منهن جرى اغتصابهن.

منذ تلك الليلة المحمومة تحوّل “الغرام” الألماني الإنساني باللاجئين وغرام اللاجئين بألمانيا وبـ”ماما ميركل” وبالاً على الطرفين، من دون أن يتوقف سيل اللاجئين الفارين من ديارهم إلى أوروبا. فالشهر المنقضي على حادثة ساحة كولونيا، سجّل وحده، وفقاً لإحصاءات منظمة دولية غير حكومية، موت مئتي لاجئ غرقاً في البحر المتوسط (هل نقول “غراماً”من طرف واحد؟!) بين السواحل التركية واليونانية.

هيهات، إذاً، لغرام أن يدوم ويستمر ويعمّر طويلاً، مهما كان حاله ونوعه وشأنه، ما دام ابن الهشاشة والمفاجأة والخفة في الخروج من النفس واجتياز الحدود، من دون حسبان للعواقب والنتائج، ليكون الإقبال عليه واستقباله والاستجابة الآنية المفاجئة له، على حالٍ مفارقةٍ للخوض فيه وتحوّلِهِ علاقةً زمنية متبادلة. ففي خضم العلاقة الزمنية وتعرُّضِها للاختبار والتجربة ولوقائع الحياة اليومية وحوادثها وتفاصيلها وشؤونها وشجونها المتدافعة المتنازعة، سرعان ما تتضاعف الهشاشة التي تلابس العلاقات الانسانية على أنواعها، فتنقلبُ خفّتُها الساحرة ثِقلاً يجعلُ الخروج المفاجئ من النفس لعناق الآخر ارتداداً أو انكفاءً وشروعاً في التنازع مع النفس والآخر، وفي عدم التكافؤ والتنابذ بين الطرفين.

وعلى غرار صدمتهما وصحوتهما الإنسانيتين بصورة الطفل إيلان الكردي، صُدِمتْ وصَحتْ ألمانيا وأوروبا صدمةً وصحوةً معاكستين تماماً حيال حادثة ساحة كولونيا. فانكشف أن سياسات التعاطف الإعلامي الإنساني حيال مآسي البشر والعالم في منتهى الهشاشة، وسرعان ما تعصف بها وتحطِّمها الحوادث والوقائع الاجتماعية السائرة والمتدافعة. فمنذ ليلة رأس السنة في كولونيا لا يمرُّ نهار من دون تفاعل الحادثة الألمانية مع الحوادث الإرهابية الباريسية الدموية، وتفاقم ردود الفعل الأوروبية عليها قلقاً وخوفاً متناسلين حيال اللجوء واللاجئين والهجرة والمهاجرين والجاليات الإسلامية المقيمة في بلدان القارة العجوز.

القلق والخوف هذان سرعان ما غَذَّيا الانقسامات والشقاق بين الدول والحكومات والقوى السياسية والاجتماعية والرأي العام في أوروبا. وهذا ما أدى إلى قرارات وإجراءات سياسية وإدارية وأمنية متسرّعة، متدافعة ومتضاربة، تهدّد الوحدة الأوروبية الهشة والمتعثرة أصلاً. فمعضلة تدفق اللاجئين والتهديدات الإرهابية، فاقمت الهشاشة والتعثر، وشرّعتهما على الاضطراب والتنازع. ذلك  لأن الوقائع والحوادث الزمنية وتحولاتها، واختلاف الرأي والنظر فيها والتنازع حولها، هي التي تصنع السياسة والاجتماع والتمثيل السياسي والانتخابات والحكم في الدول الأوروبية العريقة بديمقراطيتها التي لا تنفك قوتها وصلابتها من الخِفَّةِ والهشاشة، على خلاف ما هي عليه الحال في دول السلطان الاستبدادي الواحد بطغيانه الصلب، الثقيل والغاشم.

لكن التقارير والتحقيقات الصحافية والإدارية الرسمية الألمانية – ومنها ما نقلته الصحف الفرنسية وترجمته منال نحاس في ملحق “صحافة العالم”، “الحياة” 27 كانون الثاني الماضي – تشير إلى ان معظم منفّذي  عمليات الإعتداء الجنسي والنشل السرقة في كولونيا ليلة رأس السنة، هم من تونس والمغرب والجزائر، وليسوا من اللاجئين السوريين الذين يحوزون الحق في العمل والمشاركة في دورات تعلُّم اللغة الألمانية والإندماج.

المهاجرون المغاربة والتوانسة والجزائريون في ألمانيا، هم من المهاجرين غير الشرعيين المتدفقين في موجات متعاقبة تعود بداياتها الى ستينات وسبعينات القرن العشرين. والموجات الأخيرة منهم وصلت قبل سنوات قليلة من بلدانها المصنّفة آمنة وخالية من الحروب. وهذا يحرم هؤلاء المهاجرين حقَّ اللجوء والعل والسكن، فيضطرون إلى العيش في الخفاء وفي عالم موازٍ، شبه مشردين. لذا ينزلقون إلى أعمال جرمية، على غرار ما حصل في ساحة كولونيا. والشرطة الألمانية تعرف عن كثب عصابات التوانسة والجزائريين والمغاربة، ولطالما كان محيط محطة كولونيا للقطارات حيزاً لأعمالهم الجرمية، حيث يسيطر مغاربة على فناء المحطة، بعدما اجتازوا اسبانيا وعملوا في حقولها، قبل وصولهم الى ألمانيا وتعذّر أسباب عملهم واندماجهم فيها.

يبلغ عدد أبناء المغرب وتونس والجزائر المدرجين على لوائح الترحيل من ألمانيا بضعة آلاف يجولون ويصولون في الأراضي الألمانية، وتعجز السلطات عن ترحيلهم لأسباب قانونية وإنسانية، بعدما صمّت سفارات وحكومات بلدانهم آذانها عن الإتصالات الألمانية بها. هذا فيما يتوجّه رجال الشرطة الألمان كأصدقاء ومقدِّمي عون للسكان في ديموقراطية عمرها 66 سنة. وتحت وطأة ما حصل في كولونيا، اتصلت أنغيلا ميركل هاتفياً بالملك المغربي، وبحثت معه مسألة تدفق المهاجرين المغاربة غير الشرعيين، ورغبة حكومتها في إعادتهم إلى بلدهم بالتعاون مع السلطات المغربية.

لكن لسان حال المواطن الألماني العادي لا يكفُّ عن التساؤل: لماذا تعجز الدولة عن فرض الأمن والقانون والنظام العام، فيما هي قادرة على تسجيل كل تفاصيل حيوات الألمان لفرض أصغر فئات الضرائب عليهم. وهي عدّلت 8 آلاف مقطع من القوانين في العام الماضي، في ما يتعلق بالضريبة. هذا فيما تولت الشرطة في الصيف والخريف الماضيين مهمات الاعتناء باللاجئين: توزيع وجبات الطعام عليهم، تنظيم نقلهم في باصات إلى مراكز استقبالهم وتسجيل أسمائهم. ويروي ضابط شرطة ألماني محبط أن النمسا ترسل لاجئين إلى بافاريا الألمانية، فتعيد ألمانيا كثراً منهم إلى النمسا لرغبتهم في التوجه إلى السويد. لكن النمسا تعيدهم إلى ألمانيا بعد أقل من 24 ساعة.

أما وزير الداخلية السويدي فأعلن أن بلاده ستطرد 80 ألف لاجئ وصلوا اليها العام الماضي، وأوضح أن الحكومة طلبت من الشرطة ومكاتب الهجرة تنظيم عمليات الطرد. وهذا رئيس الوزراء الإيطالي يعلن احتجاجه على اتفاقات منفردة بين ألمانيا وفرنسا تتعلق بأزمة اللجوء، من دون مشاركة إيطاليا. وأيد في المقابل فكرة نائب المستشارة الألمانية الداعية لخفض مساعدات التنمية الأوروبية لدول شمال إفريقيا الرافضة عودة مواطنيها إليها، بعد رفض طلبات لجوئهم في أوروبا. أما اليونان الخائفة من إجراءات دول الشمال الأوروبي لأنها تحصِّنُها ضد موجات اللاجئين، فلا تزال تُحصي الموتى غرقاً من اللاجئين قبل وصولهم إلى سواحلها: 24 شخصاً، بينهم 10 من أمثال إيلان كردي، و11 من  من المفقودين في يوم واحد هو 28 كانون الثاني المنصرم.

لكن بابل الأوروبية هذه – حيال أزمة اللجوء ومآسيه المتفاقمة ما بين صورة الطفل السوري إيلان وحادثة ساحة كولونيا التي أنهت قصة “الغرام” الألماني الإنساني باللاجئين – تناست أن التحرش الجنسي ظاهرة منتشرة في سائر أرجاء العالم. فوفقاً لاستطلاع أجرته الوكالة الأوروبية للحقوق العامة في العام 2014، هناك 50 في المئة من الألمانيات المشاركات في الاستطلاع تعرّضنَ لتحرش جنسي. وفي تقرير آخر لمنظمات أوروبية متخصصة، ورد أن امرأة واحدة من عشر تتعرض لاعتداء جنسي كل 7 دقائق في دول الاتحاد الاوروبي. هذا فيما 25 في المئة من الأوروبيات يتعرضن إلى العنف من أزواجهن.

لكن هذه الإحصاءات، مهما بلغ شأنها، تظل تجميعا عدديا لحوادث فردية حصلت على مدىً زمني طويل وممتد، وهي أيضاً من طبيعة يوميات الحياة وحوادثها المتناثرة داخل الإجتماع والثقافة الأوروبيين. أما حادثة كولونيا – في مناسبتها وكثافتها وجماعيتها والغربة والانقطاع التامين بين النساء والمعتدين عليهنَّ والتحامها بمعضلة المهاجرين واللاجئين والجاليات الإسلامية المقيمة في أوروبا، وبالرعب من الإرهاب الإسلاموي المعولم – فحوّلت القارة المتعثِّرة وحدتُها، إلى بابل خائفةٍ من الخارج، أي من المهاجرين واللاجئين الذين يفاقمون انقساماتها الداخلية.

هذا فيما “يعمُّ الدولَ والشعوبَ شعورٌ بانفلات عقال العالم من غير قائد ولا دولة قوية توجّه دفته، ولا مؤسسة جامعة تعيد الأمور إلى نصابها. (…) فنجد أنفسنا في أرضٍ قفر من غير مؤسسات وطنية وما فوق وطنية تسمو عليها، قوية وقادرة على حلِّ المشكلات”، على ما كتب كيفن رود رئيس وزراء أستراليا السابق في صحيفة “لوموند” الفرنسية ، داعياً إلى إصلاح الأمم المتحدة.

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...