الرئيسية / صفحات سورية / أما باقي الناس في سوريا فهم “الأغلبية الساكنة”

أما باقي الناس في سوريا فهم “الأغلبية الساكنة”

 


نجيب جورج عوض

بدأت الانعطافة الدموية والكارثية الأخيرة في سوريا تبين لنا أنَّ الشعب السوري يبدو وكأنه منقسم إلى ثلاث فئات: فئة داعمة للنظام ومدافعة بشراسة عنه، لابل وتتمنى استمراره باستخدام قبضة الحديد والنار وتربط وجودها برمته بخلاص النظام من محنته، وهي تمثل أقلية. وهناك فئة ثانية داعمة لانتفاضة الشارع بالمطلق وبكل الأحوال وتدافع عنها كائناً ما كانت طبيعتها وتطلب منها الاستمرار بل والاستعار وتبرر لها مزالقها وهفواتها وغموضها لأنها تربط أيضاً مصيرها بمصير الشارع. هذه الفئة أيضاً تمثل أقلية تعادل في حجمها حجم الفئة الأولى.

إلا أنَّ الأيام الأخيرة كشفت عن وجود فئة ثالثة حقيقية في سوريا تمثل برأيي أغلبية بالمقارنة بالفئتين السابقيتن وقياساً لهما. لن اسميها فئة “صامتة” فهي ليست صامتة وإن لم تكن عالية الصوت وتجييشية الأسلوب. ولن أسميها فئة “محايدة” فلا أحد يستطيع أن يكون محايداً في سوريا اليوم ولا أحد برأيي يريد ذلك. كما أنَّ تلك الفئة ليست محايدة بل تأخذ موقف حقيقي وواعي بعدم وقوفها مع أيٍّ من الطرفين لعدم شعورها بأن أياً منهما يحمل صوتها. وهي برأيي أيضاً ليست فئة يجب تسميتها بفئة “الخائفين”، فالخوف في أوساط هذه الفئة لا يختلف بطبيعته ولا يزيد (وإن لم ينقص بطبيعة الحال) بدرجته برأيي عن الخوف بين أوساط النظام وداعميه من نجاح انتفاضة الشارع وقلبها للنظام وتغيير وجه سوريا للأبد، أو عن الخوف بين أوساط المنتفضين في الشارع وداعميهم من انتقام النظام منهم والارتداد عليهم في حال عادوا إلى بيوتهم وقبلوا التفاوض مع النظام والحوار معه.

ليست الفئة الثالثة إذاً لا صامتة ولا محايدة ولا فئة الخائفين حصراً. إنها فئة أفضِّل أن أدعوها “بالساكنة”. هي فئة لا يرضيها أبداً استمرار النظام بأسلوبه المعتاد القمعي والعنفي والدموي ومنطقه المتعالي على الناس والمستهتر بحقوقهم وصوتهم وبعمق معاناتهم وسوء أحوالهم وتعبهم من منظومة السلطة الحالية. ولكنها فئة يحزنها أيضاً ويخيب أملها نوعية الخطاب وآلية التجييش الإقصائية والتصنيفية التي تدفع الناس للبقاء في الشارع، خاصة مع تنامي قوة الصوت التجييشي ذو الطابع التديني والتكفيري والإقصائي والقبلي والانتقامي. وهي كذلك فئة لا يريحها غموض رؤية الشارع ولا البدائل التي يقدمها من يركبون موجة الحراك الشعبي باسم المعارضات، بل ولا يشعرون أنَّ الشارع عنده بدائل حقيقية وإن كانت لديه “مطالب” أساسية وجوهرية يحتاجها الشعب السوري برمته ولا يمكن للبلد أن تكون “دولة” بدونها. إلا أنها مازالت مطالب ولم تصبح “بدائل” دولتية متكاملة لمشروع مدني جمهوري جديد يمكن لأحد أن يركن إليه.

تقف الغالبية الساكنة بين خيارين أحلاهما مر في سوريا إذاً: خيار النظام للعنف وللعماء السياسي والوطني، من جهة، وخيار الانتفاض العاطفي والتجييش الانفعالي (الأقرب للكربلائية والندب العاشورائي) للشارع، من جهة أخرى. وهي تترجى أن تخرج سوريا من تحت رحمة كلا الطرفين وأن ينبعث من أفقٍ ما وراء ضفةِ تعنت وعنجهية النظام وضفةِ انفعالية وغموض مآل الشارع صوت عاقل وعقلاني ووطني يستطيع التعالي على أي منطق غوغائي ويخرق حلقة العنف الجسدي والعنف الكلامي المضاد وحلقة الخوف الانتقامي والخوف الانتحاري المضاد وحلقة التخوين والحقد والتأجيج العاطفي والإقصائي المضاد. يحبط الأغلبية الساكنة أن تجد أنَّ في منظومة السلطة صوت القوة والقمع يعلو على صوت الإصلاح والاعتراف بالخطأ والرغبة بالتغيير. وهي تتساءل بقوة عن التناقض الواضح الذي نراه بين وعود الرئيس وقراراته ومراسيمه وبين ممارسات الأمن والإعلام الرسمي واستمرار كل الممارسات المناقضة لما تم الوعد به ولما صدر من مراسيم وما أعلن من نوايا. وهي تطرح، وإن بصوت خفيض لكنه عقلاني، سؤالاً كبيراً عن من يحكم سوريا الآن ومن يقرر مصيرها وأيّة لعبة حمقاء يجر البلد إليها. الأغلبية الساكنة، من جهة أخرى، لا تشعر أن كل ما يجري في الشارع وكل ما ينادي به محركي الشارع مرضٍ ومطمئن في طبيعته ونواياه وطروحاته وذهنيته. وهي تعلم أنَّ من في الشارع هم مواطنون شرفاء من قلب الشعب، أعياهم الظلم والقهر الحرمان وإهانة الكرامات. لكنها تسمع أيضاً خطاب من يجيش هؤلاء ويدعونهم للبقاء في الشارع برغم الدم والعنف وعدم إعطاء فرصة لامتحان رغبة النظام بالتغيير واكتشاف كذبه من صدق نواياه. تسمع الأغلبية الساكنة خطاب محركي الشارع فترى فيه طروحات إقصائية وعشائرية وتقسيمية وانتقامية وتحميسية تلعب على عواطف الناس وتوظف قتلاهم ودماء شهدائهم النبيلة في خطابها وعنفها الكلامي.

نعم، لم تنزل سوريا برمتها إلى الشارع ولا تقف سوريا برمتها حتماً وراء النظام ولا تتمناه أن يبقى كما هو. ماتزال غالبية أهل البلد تلتحف قلقها وحزنها وتركن لمنازلها وتعتكف بسكونها ومازال الكثير من مثقفي سوريا وعقلائها يقفون مع الغالبية الساكنة لأنهم يرون ما تراه تلك الأخيرة ويقرأون بين سطور الأحداث هباءً وفراغاً ويبصرون حلقة صراع مفرغة لا تبشر ببديل ولا تحمل دلائل فسحة أمل. لو نظرنا لموقف مثقفي سوريا من خارج إطار العاشورائية الإعلامية والتجييشية المنبرية لكلا الطرفين على حد سواء لرأينا أنهم لم يصمتوا أبداً ولا هم بقوا على الحياد، إلا أنهم تجنبوا الدخول في ذهنية تبرير دوامة الدم والعنف التي يفرضها النظام ورفضوا المشاركة في صنع دوامة التوظيف الديني والإعلامي والطائفي للدم والشهادة. يقف العديد من مثقفي سوريا ذوي التوجه التغييري والاعتراضي التاريخي مع الغالبية الساكنة ويمدون أيديهم لعقلاء الأقليتين وللموضوعيين والحواريين فيهما. وهم يدفعون، وليعلم الجميع، ثمن هذا الموقف اعتقالاً وملاحقة وتهديداً من أمن النظام وتشكيكاً ولوماً واتهاماً بالتقاعس من منابر التجييش الصدامية والعاطفية.

إلى أين تمضي سوريا في هذا الواقع؟ هذا أصعب سؤال الآن. أحداث الشارع وحدها ستقرر كما يبدو، وللأسف، مع أن لا الناس في الشارع ولا حتى مفاصل النظام أنفسهم، كما يبدو، يستطيعون أن يقولوا لنا ما هي الخاتمة أو أن يحددوها. الرجاء هو أن يسمع الشارع لصوت آخر مختلف عن صوت المنبر التجيشي والإعلامي للنظام ولمن يجيش الشارع الحاليين. هذا الصوت المختلف هو اليوم صوت الأغلبية الساكنة والفئة المثقفة المعارضة والمؤمنة بالتغيير والتي دفعت أثمان غالية لمعارضتها في السنوات العشر الأخيرة على الأقل. ولكن هذا الصوت يحتاج من وسائل الإعلام ومن أصحاب الرأي والقلم والتأثير ومراكز صنع القرار العربية والعالمية أن تساعده كي يجد طريقه إلى آذان وعقول الناس. يحتاج هذا الصوت إلى منبر يتحدث منه مع عقلاء الانتفاضة وعقلاء النظام. يحتاج الأبطال والشرفاء الذين نزلوا إلى الشارع، بل تحتاج الانتفاضة في سوريا قبل سواها، إلى إتاحة الفرصة لصوت الغالبية الساكنة الداعي للتعقل والحوار والعمل السياسي المرافق والداعم للحراك الشعبي السلمي والشريف والوطني. يحتاج كل من يؤمن بالتغيير والحرية والمستقبل في سوريا أن يدعم صوت الغالبية الساكنة وأن يساعد المثقفين فيها على التواصل مع عقلاء الطرفين كي نخرج سوريا من ثقب المجهول الأسود.

شاعر ولاهوتي من سورية

خاص بأوكسجين

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...