الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سمير العيطة / أمن العراق ومستقبل سوريا

أمن العراق ومستقبل سوريا


سمير العيطة

يتناسى كثيرون أنّ العراق ما زال يخضع لقرارات مجلس الأمن تحت الفصل السابع التي تمّ فرضها عليه منذ 1990، ولا يزال يعاني في حياته اليوميّة من آثار إدارة الاحتلال بعد غزوه في 2003، حيث تمّ حلّ مؤسّسات الجيش والأمن، التي لم تقاوم أصلاً هذا الاحتلال. هكذا بعد اثني وعشرين سنة، يدفع الشعب العراقي ثمن جنون صدام حسين في غزوه للكويت، بالإضافة إلى معاناته من المجتمع الدولي ومن أشقائه العرب، بالرغم من أنّه دفع آلاف الضحايا ثمن انتفاضه ضدّ هذا الحاكم المستبدّ. ويبدو الأمر كانتقامٍ من هذا البلد، حتّى لا تقوم له قائمة على المدى الطويل، وكي يُترك عرضة للتدخّلات الإقليميّة، من إيران ودول الخليج وتركيا، وحتّى سوريا بشار الأسد، تارةً عبر موجات تفجيرات من تنظيمات أصوليّة إرهابيّة، وأخرى عبر تدفّق مال سياسي يعيق تثبيت الديموقراطية على أساس المساواة التامّة في المواطنة. إنّ ألمانيا لم تخضع لعقوبات طويلة كهذه بعد سقوط النازيّة، مع أنّ هذه الأخيرة عاثت قتلاً ودماراً في أوروبا وارتكبت جرائم ضدّ الإنسانيّة تفوق بشكلٍ كبير.

لا أحد يهتمّ اليوم بإنهاء مفعول قرارات الفصل السابع، وبالمساعدة كي تنتهي موجات التفجير الإرهابيّة شبه اليوميّة، حتّى يستطيع البلد إعادة بناء نفسه ودولته. وفي حين يتناسى الجميع، وخاصّة الولايات المتّحدة، أنّ لا ديموقراطيّة وحريّات حقيقيّة من دون دولة، وفي ظلّ نزاعات إقليميّة تتمّ تصفيتها داخل بلد تمّ إضعافه عبر السيارات المفخّخة. كردستان العراق وحدها سمح لها أن تبني تدريجيّاً كلّ مكوّنات الدولة، بما في ذلك جيشها وأجهزة أمنها الخاصّة، في ظلّ دستورٍ فدرالي توافق عليه الفرقاء بصعوبة، ولكنّ لا يحترمون قواعده في الواقع.

هكذا بعد كلّ هذه السنوات يمنع هذا البلد الغنيّ بالموارد من تطوير إنتاجه النفطيّ حتّى يعود إلى سابق عهده، ومن إعادة تشييد بناه التحتيّة التي أنهكها الحصار الطويل، وحتّى من تحفيز قدراته الإنتاجيّة الخاصّة، في ظلّ مفارقة إيديولوجيّة “حريّة المبادلات التجارية” السائدة اليوم، حتّى مع الدول التي تفرض عليه عقوبات. هذا إلى درجة أنّ التمر الذي يباع في أسواقه مصنّع في السعودية أو إيران! ويبدو واضحاً من تجربة العراق أنّ عقوبات “المجتمع الدولي” على نظام بلد تبقى بعد رحيله وسيلة للإضعاف وللهيمنة الاقتصادية والسياسية.

في ظلّ هذه الظروف، عرفت العلاقة بين العراق وسوريا مفارقة غريبة. من ناحية، احتضن الشعب السوري – وليس حكومته – مئات الألاف من العراقيين من مختلف الأطياف، حين انفجر النزاع الطائفيّ بشراسة في بلدهم بين 2006 و2007، ليصل عددهم بين 5 و7% من عدد السوريين الإجمالي، دون مساعدة خارجيّة تذكر. وهذا يشكّل فعلاً تاريخيّاً على مستوى التضامن بين الشعوب، لم تقم به أكثر البلدان دفاعاً عن القيم الإنسانيّة. ومن ناحية أخرى، تركت السلطات السوريّة آلاف الجهاديين المتطرّفين، بمن فيهم تنظيم القاعدة، يتدفّقون عبر حدودها نحو العراق، بحجّة مقاومة الاحتلال، ليعيثوا فيه حتّى اليوم.

بعد خمس سنوات من ذلك، يبدو العراق غالباً أقلّ تحمساً للثورة السوريّة من نظرائه الخليجيين، مع أنّه أكثر ديموقراطيّة منها، أو على الأقلّ شديد الحذر في أدنى تحرّكاته. والواقع أنّه يتعرّض لحملة تفجيرات عند شروعه بأيّ خطوة سياسيّة، خاصّة على الصعيد الإقليميّ. بكلّ الحالات، ستأثّر مآلات الأمور في سوريا بشكلٍ كبير… على مستقبل العراق، والعكس بالعكس.

بالنسبة العراق، من الواضح أنّ هناك دفعاً نحو ابتعاد كردستان العراق أكثر فأكثر عن الدولة المركزيّة، بل ربّما لإعلان استقلاله. هذا لا يمكن أن يحصل إلاّ من خلال صيغة تعاونٍ سياسيّ ما مع تركيا، ومن خلال حلٍّ للنزاع المزمن بين تركيا وحزب العمّال الكردستاني. وهما أمران تلوح ملامحهما في الأفق. وبالنسبة سوريا، من الواضح أنّ تركيا أصبحت منخرطة بشكلٍ تفصيليّ في مآلات المعارضة السوريّة، خاصّة المسلّحة منها في شمال سوريا وشرقها، دون الجنوب. وهذا ما يضعها في موقعٍ يمكّنها من دفع تطوير الأمور في هذه المنطقة على سجيّتها. ليس فقط كون أنّ العدد الأكبر من الجهاديين العرب أتوا عبر تركيا وبعلمها، بل أنّ الدعم المالي والعسكريّ الذي انتقل عبرها ذهب خصيصاً لتطييف حراكٍ كان ينادي بالشعب الواحد، وبغية تأطيره في تنظيمات إسلاميّة معيّنة، حتّى لو كان غطاؤها المعلن هو المجلس الوطني السوري الذي احتضنته.

تدفع هذه التطوّرات، التي أخذ إليها جنون النظام السوريّ، بعد جنون جورج والكر بوش، العراق كما سوريا إلى المجهول. فهل يمكن إيقاف القفز نحو هذا المجهول؟ وهل يمكن للشعب العراقي أن يستفيق موحّداً، شيعة وسنّة، عرباً وأكراداً وغيرهم، رغم آلامه اليوميّة، كي ينتصب ويفي للشعب السوري تضامنه معه في محناته، على الأقلّ على مستوى الإغاثة؟ إذا استفاق الشعب العراقي، قد يشكّل ذلك منفذاً لاستفاقة الشعب السوريّ أيضاً من ألمه: أنّ طرد الطاغية ليس ممكناً إلاّ عبر وحدة هذا الشعب. وقد يدرك الشعب التركي أنّ عزّته لن تكون عبر إضعاف جواره، بل عبر تعزيز وحدتهم وسيادتهم.

افتتاحية النشرة العربية

لوموند ديلوماتيك العربية

* اقتصادي، رئيس تحرير النشرة العربية من لوموند ديبلوماتيك، ومؤّلف: Les Travailleurs Arabes Hors-La-Loi, L’Harmattan, 2011. ورئيس مجلس ادارة موقع مفهوم A Concept mafhoum, www.mafhoum.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...