الرئيسية / صفحات العالم / أميركا لم تصنع الثورات العربية/ علاء بيومي

أميركا لم تصنع الثورات العربية/ علاء بيومي

 

 

غزت أميركا العراق في العام 2003، رافعة شعار نشر الديمقراطية. وبعد الحرب، خصصت إدارة جورج دبليو بوش عشرات ملايين الدولارات للإنفاق على نشر الديمقراطية في العالم العربي، كما أقر الكونغرس قوانين تفرض على الحكومة الأميركية تخطي سلطة النظم العربية، وتمويل منظمات المجتمع المدني العربية مباشرة. ولما قامت الثورات في 2011، دعمتها إدارة الرئيس باراك أوباما، إلى درجة تخليه عن حلفاء تقليديين، مثل حسني مبارك، على الرغم من معارضة بعض أهم حلفائه كالسعودية. كما رحب بصعود “الإخوان المسلمين” إلى الحكم، وأرسل قواتٍ لإطاحة معمر القذافي في ليبيا، وقام بتدريب جماعات مسلحة في سورية وحمايتها في شمال البلاد وجنوبها.

الشواهد السابقة كافية للتدليل على الدعم الذي قدمته أميركا للربيع العربي، أو للثورات، قبل وقوعها بسنوات، بل قد توفر براهين كافية، لدى بعض أنصار النظم وربما معارضيها، على أن الثورات كانت صناعة أميركية، أو مؤامرة أدارتها الولايات المتحدة، وأعدت لها منذ سنوات للتحكم أكثر في مصير الدول العربية.

وفي الواقع، التصور التأمري السابق منتشر، ليس فقط في أوساط أنصار النظم. ولكن وسط بعض أنصار الثورات أنفسهم، وقد يعود ذلك إلى الثقافة السياسية السائدة في العالم العربي، والتي تتحكم فيها الأنظمة الاستبدادية بالأساس، وتملأها بانتظام بنظريات المؤامرة الكونية، والتي تصور تلك النظم مستهدفة دائما من القوى الدولية، على الرغم من اعتماد تلك النظم (في قدر كبير من وجودها واستمراريتها) على الدعم المالي والأمني والسياسي الذي تحصل عليه من قوى دولية كروسيا أو أميركا.

ولعل أفضل رد على تلك النظرية هو العودة قليلا إلى الوراء، والتذكير بسياسة أميركا تجاه

“سياسة أميركا تجاه العالم العربي طغت عليها تاريخياً اعتبارات المصلحة السياسية”

العالم العربي، والتي طغت عليها تاريخيا اعتبارات المصلحة السياسية، فلا توجد داخل الولايات المتحدة لوبيات قوية معنية بالديمقراطية في الشرق الأوسط سوى منظمات حقوقية ومراكز دراسات تنصت لها الحكومات الأميركية على فترات متباعدة. أما اللوبيات القوية، صاحبة التأثير، فهي المرتبطة بالأساس بلوبي النفط والطاقة من ناحية ولوبي إسرائيل من ناحية أخرى، وكلاهما غير مشغول بنشر الديمقراطية، إن لم يكن يعاديها، فإسرائيل تعادي الديمقراطية العربية، لأنها ستسمح بصعود ممثلين للشعوب، يعبرون عن إرادتها الرافضة الاحتلال الإسرائيلي وممارساته، ولوبي النفط مشغول بالحفاظ على استقرار النظم وتدفق الأرباح.

لذا دارت السياسة الأميركية تقليديا حول الحفاظ على أمن إسرائيل من ناحية، وعلى أمن النظم النفطية والحليفة من ناحية أخرى. وخلال الحرب الباردة، سعت أميركا إلى خطب ود بعض الدول العربية، كمصر، للحيلولة دون اقترابها من الاتحاد السوفييتي. وبعد سقوط الأخير، عادت السياسة الأميركية إلى التمحور مجدّدا حول حماية إمدادات النفط من ناحية، ومقتضيات ما يسمى بعملية السلام من ناحية أخرى، والتي تراجعت سريعا ومنذ نهاية عهد الرئيس بيل كلينتون، نظرا لرفض إسرائيل تقديم أي تنازلات حقيقية، من شأنها إقامة دولة فلسطينية ذات معنى.

أما قضية الديمقراطية ونشرها في العالم العربي فظلت غريبة عن مفردات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، حتى أحداث “11 سبتمبر” في العام 2001، فعلى الرغم من اهتمام أميركا بنشر الديمقراطية في شرق أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إلا أنها لم تهتم بنشرها في العالم العربي الذي ظل رهينة لاعتبارات أميركا الجيواستراتيجية (النفط وإسرائيل). ولكن أحداث “11 سبتمبر”، والتي قام بها متطرفون عرب مسلمون، أحدثت صدمةً في واشنطن، أخرجت الرئيس جورج دبليو بوش عن رغبته في التركيز على الداخل الأميركي، وجعلته يربط بين أمن أميركا وانتشار الديمقراطية في العالم العربي، حيث اعتقد بوش أن من شأن نشر الديمقراطية أن يجفف منابع الغضب، والتي تقود إلى الإرهاب.

لذا تحول بوش الانعزالي المحافظ إلى ناشر للحريات والديمقراطية في العالم العربي، وخصوصا بعد غزو العراق وما تعرضت له أميركا خلاله من تخبط وفشل جعلها تحاول التغطية عليه، برفع شعارات الحرية والديمقراطية أكثر. لذا تحرّك بوش للضغط على نظم عربية مختلفة لإجراء الانتخابات واشراك المعارضة، ولتقديم مزيدٍ من الدعم المالي لسياسات نشر الديمقراطية في العالم العربي، والتي خصصت لها أميركا في حالة دولة كمصر حوالي 50 مليون دولار في عام 2005.

ولكن سرعان ما استعاد بوش ولوبيات المصالح الأميركية توازنهم، حيث أسهمت سياسات الديمقراطية في صعود القوى الدينية في الانتخابات الفلسطينية واللبنانية والمصرية، بالإضافة إلى صعود الجماعات الدينية المعارضة للوجود الأميركي في العراق، والتي كبدت القوات الأميركية خسائر فادحة.

وبناء عليه، قرّر بوش سريعا التخلي عن سياسته السابقة، وتخفيض دعمه لنشر الديمقراطية والذي تراجع بمعدل النصف، وربما أكثر، في حالة دولة كمصر، وعادت أميركا مجدّدا إلى فكرة الحفاظ على استقرار النظم العربية الحليفة لها، والتي قدمت لها عشرات المليارات من الدولارات الأميركية في صورة مساعدات على مدى عقود في حالة دولة كمصر، أو دعمتها أمنيا وسياسيا، وقامت بتسليحها منذ استقلالها في حالة الدول الخليجية.

وبمجيء أوباما إلى الحكم، كانت أميركا قد أصبحت أكثر عزما على إدارة ظهرها للشرق الأوسط ومشكلاته، حيث حرص أوباما على تقليل الاعتماد على النفط العربي، بزيادة اكتشافات النفط الصخري في الولايات المتحدة، وحاول دفع عملية السلام في بداية حكمه وفشل، فتخلى عن الفكرة، وسعى كذلك إلى إصلاح علاقته بالنظم العربية المختلفة، والتي أفسدتها ضغوط بوش، وحافظ على التمويل الضعيف لبرامج دعم الديمقراطية عند حدوده الأدنى.

ولم تتوقع أميركا الثورات، أو تتنبأ بها، فعندما قامت الثورة المصرية، كان رد فعل هيلاري كلينتون في 25 يناير تأكيدها على استقرار النظام المصري، لكن الأحداث السياسية المتسارعة أفقدت أوباما، صاحب الخطاب البراق، توازنه، فقرّر دعم ثورة يناير ومطالبة مبارك بالتنازل عن الحكم، رغبة منه في أن يضع أميركا على الجانب الصحيح من التاريخ، وإلا يتركها في معسكر معارض للثورات والحرية والتغيير.

وعلى الرغم من ذلك لم يفعل أوباما الكثير على مدى السنوات التالية لدعم الربيع العربي، ففي ليبيا شاركت أميركا في العمليات العسكرية التي أطاحت القذافي، لكنها لم تقدم أي استراتيجية

تذكر لتوحيد البلاد بعد ذلك. وفي سورية، دعمت أميركا آلافا من الثوار السوريين بالسلاح في شمال سورية وجنوبها، لكنها رفضت التدخل العسكري لإطاحة النظام، ولم تعارض التدخل الروسي الحاسم لصالح نظام الأسد، وتركت اليمن يتخبط تحت تأثير التدخل الخليجي. وفي مصر، لم تقدم أميركا أي مساعداتٍ تذكر للثورة في ظل تصارع الدول الإقليمية على التأثير عليها، ولما وقع انقلاب يوليو 2013 لم تعارضه أميركا أيضا بأي شكل جاد، بل توقفت نحو عام عن تزويد النظام المصري بمساعدات عسكرية ثم استأنفتها.

في مقابل الموقف السابق، قدمت الولايات المتحدة الدعم السياسي والمالي والعسكري للديكتاتوريات العربية على مدى عقود، فالولايات المتحدة تدعم ديكتاتوريات عربية منذ الاستقلال، وتقدم لها الأسلحة، وتدرب قواتها من دون أي مطالب ديمقراطية تذكر، كما تقدم أيضا مساعدات مالية بالمليارات لأنظمة أخرى ضمن التزامات أمنية واستراتيجية، كالعلاقة مع إسرائيل.

والواضح كذلك أن اهتمام أميركا بالمنطقة كلها في تراجع، فأوباما لم يحرص على تطوير أي استراتيجية تذكر لنشر الديمقراطية، أو علاج مشكلات الإقليم، وتخلى عن دفع مفاوضات السلام سريعا، أما ترامب فهو حريص على تحويل المنطقة ودولها إلى مصدر دخل للولايات المتحدة، من خلال صفقات الأسلحة، والحصول مقدّما على ثمن الدور الأميركي في بعض الأزمات، مثل سورية، هذا بالإضافة إلى تحيزه السافر لإسرائيل، ولرؤية حكومة نتنياهو لسبل تصفية القضية الفلسطينية.

ولعل الخلفية التاريخية السريعة السابقة توضح للقارئ حقيقة الموقف الأميركي من الربيع العربي، وما إذا كان الأخير صناعة أميركية، كما تروج الأنظمة الاستبدادية، ويصدّق بعضهم.

العربي الجديد

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إمّا أن تنسحب إيران من سورية وإما أن تصطدم بروسيا/ عبدالوهاب بدرخان

    هناك جديد في الأزمة السورية يؤكّد أن تفاهمات الولايات المتحدة وروسيا لم تسقط، ...