صفحات العالم

أميركا… هل تتدخل في سوريا؟

 

دويل مكمانوس

لقد أعلنها البيت الأبيض بشكل رسمي أخيراً، حيث عنه ما مفاده أن الحرب الأهلية في سوريا تمثل منحدراً زلقاً؛ وأجل، إننا نسير عليه.

الواقع ألا أحد في إدارة أوباما استعمل هذه الكلمات بالطبع؛ ولكن إذا انتبهت إلى ما قاله المسؤولون، فإنه من الواضح أن أوباما قرر الإقدام على خطوة تجريبية أخرى في الحرب السورية القبيحة، لأن كل البدائل تبدو أسوأ.

ففي يوم الخميس الماضي، قال المتحدث باسم البيت الأبيض “دجاي كارني” للصحفيين: “إننا مستمرون في الزيادة”، مؤكداً تقارير تفيد بزيادة مقبلة في المساعدات الأميركية للثوار، الذين يقاتلون نظام بشار الأسد القمعي. وما يعنيه ذلك هو أن أوباما قرر الموافقة على تقديم إمدادات “غير مميتة” جديدة لمجموعات الثوار المفضلة لدى الولايات المتحدة، ويشمل ذلك حسب بعض التقارير مواد ذات الاستعمال العسكري، مثل الدروع ومعدات الرؤية الليلية للمرة الأولى، علماً بأن المساعدات عموماً كانت مقتصرة حتى الآن على المواد الغذائية والأدوية ومعدات الاتصال.

بيد أن ما يريده الثوار هو الأسلحة، خاصة الصواريخ التي تستطيع وقف دبابات الأسد، أو إسقاط الطائرات التي تقصف المدن السورية. كما أنه من غير الواضح تماماً أن المساعدات غير المميتة ستكون كافية لتحقيق النتيجة التي يريدها الرئيس: استقالة الأسد وانتقال متفاوض بشأنه إلى الديمقراطية. وللتذكير، فإن أوباما أعلن تأييده لسقوط الأسد في 2011 ،بعد أن هزت انتفاضة شعبية النظام السوري، ولكنه كان بطيئاً في دعم تلك الكلمات وترجمتها إلى أعمال، حتى بعدما أطلق الأسد ضربات عسكرية أسفرت عن مقتل أكثر من 30 ألف مدني في حرب حصدت أرواح ما يقدر بـ70 ألف شخص إجمالاً.

وبالطبع، فإن للرئيس أسباباً تفسر هذا التباطؤ، ذلك أنه يرغب في تجنب توريط الولايات المتحدة في حرب أخرى في الشرق الأوسط. ولكن هل ذلك ممكن على منحدر زلق؟ الواقع أن الأمر يزداد صعوبة، لأن الرهان في سوريا تطور خلال الأشهر الأخيرة من إنساني في الغالب (وهو ما رد عليه أوباما بمساعدات إنسانية) إلى استراتيجي في الغالب. وهكذا، فحتى لو تنحى الأسد عن السلطة، فإن الولايات المتحدة ستضطر للبقاء منخرطة في سوريا، لأن هناك مشكلة مصير أسلحة الأسد الكيماوية؛ وهناك احتمال أن تتحول سوريا إلى ملاذ للإرهابيين المتحالفين مع تنظيم “القاعدة”؛ ثم هناك حقيقة أن حرب سوريا أخذت تتسبب في مشاكل حقيقية لجيرانها، ومنهم ثلاثة حلفاء رئيسيين للولايات المتحدة: تركيا وإسرائيل والأردن.

غير أنه يبدو من غير المحتمل أن الأسد سيتنحى. وفي هذه الأثناء، لدى الولايات المتحدة مصلحة في توازن القوة بين مجموعات المعارضة التي تقاتل من أجل إسقاطه. وفي هذا السياق، قال “روبرت فورد”، المكلف بملف سوريا، للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي: “هناك تنافس الآن في سوريا بين القوى المعتدلة… (و) نماذج القاعدة”، مضيفاً: “ولذلك، فإنه من المهم جداً أن نرمي بثقلنا لإحداث ذلك التوازن الداخلي في القوة”.

في تلك الحالة، لماذا لا ترسل الولايات المتحدة أسلحة إلى مجموعات الثوار المعتدلين نسبياً، أو تفرض منطقة حظر جوي لحماية المدنيين من قوات الأسد الجوية؟ سأل السيناتور جون ماكين. ولكن “فورد” تجنب السؤال بكل بساطة واكتفى بالقول: “إن سياسة الإدارة، أيها السيناتور، كانت دائماً تعتبر أن تسوية متفاوضاً بشأنها هي السبيل الوحيد إلى نهاية دائمة للأزمة السورية”.

والواقع أنه من السهل رؤية لماذا يرغب أوباما في تجنب مشكلة سوريا. ذلك أن آفاق هذه الأخيرة تبدو قاتمة. فإذا سقط الأسد غداً، كما قال مدير الاستخبارات الوطنية في شهادته الأسبوع الماضي، فإن سوريا ستبقى لمدة عام، أو أكثر عالقة في حرب طائفية.

ثم إنه حتى في حال حدَّت الولايات المتحدة من دورها في النزاع، فإنه سينتهي بها المطاف مع ذلك إلى التعاطي مع العواقب، كما يقول “فريديريك سي. هولف”، المفاوض الرئيسي حول سوريا في وزارة الخارجية الأميركية العام الماضي. وأضاف “هولف”: “أجل، إنه منحدر زلق، والسؤال هو ما إذا كنا نستطيع أن نصنع لأنفسنا بعض العرى والمقابض (التي يمكن الاستمساك بها تجنباً للسقوط”.

والواقع أنه منذ الحرب العالمية الثانية، تدخلت الولايات المتحدة في عشرات الحروب التي ينطبق عليها وصف “المنحدر الزلق” من دون استعمال القوات البرية. فالرئيس كلينتون، مثلاً، استعمل القوة الجوية في البوسنة وكوسوفو لهزم القوات الصربية من دون قوات برية. وقد ذهبت قوات أميركية إلى الميدان لاحقاً، ولكن فقط كقوات لحفظ السلام، بعد أن وضعت الحرب أوزارها. وفي عهد أوباما، انضمت انضمت البحرية والقوات الجوية الأميركية إلى الحرب في ليبيا، ولكن الجنود الأميركيين لم يدخلوا البلاد براً.

وفي سوريا، تقدم إدارة أوباما للثوار أكثر مما تعترف به علناً؛ حيث قامت الولايات المتحدة في صمت بتدريب وحدات منتقاة من الثوار في قواعد في الأردن المجاور. والشهر الماضي، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن وكالة الاستخبارات المركزية “سي. آي. إيه” قد وسَّعت دورها السري في مساعدة شحنات الأسلحة من بلدان عربية.

وفي هذه اللحظة، يبدو أوباما مصمماً على تقديم فقط ما يكفي من المساعدات لتغيير ميزان القوة، ولكن ليس إلى درجة التورط. غير أن تمييز الإدارة الأميركية بين المساعدة المميتة وغير المميتة يبدو مصطنعاً على نحو متزايد؛ كما أن الأسباب التي قد تبرر تقديم المساعدة العسكرية للثوار أو فرض منطقة حظر جوي فوق سوريا لا تزداد إلا قوة. إنه نقاش قد يفضل أوباما تحاشيه، ولكن تلك هي المشكلة مع المنحدرات الزلقة!

دويل مكمانوس

محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة “إم. سي. تي. انترناشيونال”

الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى