الرئيسية / صفحات الناس / أم حمزة “الذباحة” سجانة النساء في سجن الرقة الشرعي

أم حمزة “الذباحة” سجانة النساء في سجن الرقة الشرعي

ضحـى حسـن

جاءت “أم حمزة” إلى الرقة بعد تحريرها، مرتديةً اللباس الباكستاني الشرعي، تغطي وجهها “بالنقاب” الأسود ما يجعله مقتصراً على نظارات طبية وسط قناع مشدود داكن. فوق الكتف، علّقت بندقية “روسية” وعلى خصرها ربطت السكين والـ”الكلبشات” وفي يدها كابل كهرباء، وفق وصف كثير من الشهود، وعلى رأسهم رمال نوفل، الصبية ذات الـ٢٦ عاماً، والتي كُتب لها أن تخوض جولات عدة معها بعدما تحولت قصتها إلى قضية رأي عام.

“أم حمزة” السجانة الملقبة بـ”الذباحة”، “تشبه نساء الكوابيس” على حد تعبير رمال، فهي لا تتجول في شوارع المدينة كثيراً إذ تمضي معظم نهارها في حراسة المعتقلات في سجن الهيئة الشرعية في الرقة.

ولكنها كما يصفها “أبو ابراهيم”، القاضي في الهيئة الشرعية، “امرأة مسلمة تسهر على حماية النساء في السجون والاعتناء بهم ليس إلا”.

بين “سجانة ذباحة” و”امرأة حارسة” تتسع مساحة الإشاعات في المدينة المحررة، تغذيها ظروف صراع مستتر ومعلن بين طرفين يتفقان على أمر واحد: كراهية نظام الأسد، ويختلفان في كل ما عداه تقريباً. الأجندات المختلفة، الاستقطاب الإعلامي الهائل، الجوع إلى السبق الصحافي، الرخيص أحياناً، كل ذلك  يجعل إمكانية توخي حدود الموضوعية المعقولة مسألة صعبة.

كثيرون ممن التقيت في الرقة يتحدثون بصراحة عن حالات الجلد التي حدثت والتي ظلت طي الكتمان منذ دخول الكتائب المتشددة، وتعززت هذه الحوادث بمقاطع فيديو رشح بعضها إلى مواقع الانترنت، لكن وجهة نظر أخرى تنفي حدوث مثل هذه الوقائع جملة وتفصيلاً. فالقاضي الشرعي “أبو ابراهيم” ينفي ذلك بذريعة أن “الحد لا يقام في الحروب”، مضيفاً أن “من المستحيل حدوث حالات كهذه، حتى أن رجالنا يمارسون ضبط النفس إلى أقصى الدرجات”. ويبرهن على ذلك أن إحدى الفتيات قامت بإرتداء ملابس فاضحة و”التمختر” أمام مقر جبهة النصرة في محاولة لاستفزاز الحراس، فما كان منهم إلا أن أغلقوا الأبواب وانسحبوا داخل المقر”.

في بيت يشبه معظم بيوت الرقة التي زرت، استقبلتني رمال، الفتاة المحجبة التي صارت القصة في ذلك الأسبوع على لسان أهل المدينة، ورشحت بعض من تفاصيل “حادثة الفناجين” إلى الفضاء الالكتروني.

ملخص الحادثة أن مجموعة من الناشطين، أطلقت مع رمال نوفل مبادرة خيرية “رمضان الخير وزكاة الخير”، حيث قاموا برسم علم الثورة على فناجين قهوة وبيعها في أحد الحدائق بهدف جمع بعض النقود لتمويل سلل غذائية توزع على العائلات الفقيرة خلال شهر رمضان.

تقول نوفل إنهم أثناء العمل، تقدم إليهم أحد الملثمين وطلب منهم جمع الأغراض وإخلاء الحديقة خلال نصف ساعة، معرّفاً عن نفسه بأنه من الهيئة الشرعية. بالطبع لم تمتثل رمال وزملاؤها لهذا القرار التعسفي، فما كان من المسلحين المدججين بالسلاح وعددهم ١٥ إلا أن هاجموهم. تروي رمال “أحد الأصدقاء المشاركين في المبادرة ادعّى بأنه المسؤول خشية إيقافي، فقاموا باعتقاله وجروه إلى السيارة وهو يتلقى ضرباً مبرحاً خلال الطريق”.

تشرح رمال وقد علقت ضحكة مُرَّة على وجهها: “تمّ اتهامنا بجمع مال المسلمين من دون إذن، وأن علينا التقدم بطلب للهيئة الشرعية كي نحصل على الموافقة؛ كانت تلك تهمتنا التي أدت إلى اعتقال صديقي وضربه، واستدعائي في اليوم التالي وجلدي”.

بهدوء، تكشف رمال عن القسم الأسفل من جسدها، علامات السياط تغطي الجزء الممتد من الخاصرة حتى أسفل القدمين. تقول بأسى “لم يكتفوا باعتقالي، لقد قاموا بجلدي أيضاً”.

على صفحتها على موقع “فايسبوك”، كتبت رمال تفاصيل ما حدث معها بعد الاعتقال، تماماً كما روتها لنا: “بعد الاعتقال طلب المحقق تسليمي لأم حمزة، قامت الأخيرة بترك “الروسية” مع الحارس الموجود على الباب قبل أن تجرني إلى الزنزانة. هناك قامت بتقييدي، وبدأت بضربي بكبل الكهرباء على قدميّ وساقيّ. لقد كان شعوري مرتبكاً بين الصدمة والألم. لم أصدق أن هذا يحدث معي في الرقة وأن من يقوم به ليست قوات النظام السوري”. تضيف رمال بصوت مخنوق: “سحبت أم حمزة سكينها المعلق على خاصرتها وقالت: “أخرجي لسانك، سأقطعه لك. أدرت وجهي إلى الحائط، فعادت أم حمزة إلى التأكيد: أنا أذبح فعلاً، اطلبي من الله ألا تبقي الليلة هنا كي لا أعلقك على الحائط وأتسلى بك. كل ذلك حدث على مرأى ومسمع الحارس الواقف عند الباب”.

مكثت رمال في زنزانتها ساعات قليلة، قبل أن يُتخذ قرار الإفراج عنها، لكن مع وصولها إلى بوابة المقر، تقول رمال: “سمعت صوت أم حمزة تناديني وقد وقف بجانبها أحد الملثمين، لقد طلبوا مني العودة إلى الداخل بذريعة أن أحد الشيوخ أقسم بعدم خروجي اليوم من زنزانة الهيئة، حاولت التملص لكن لم يكن هناك مفر من العودة إلى الزنزانة نزولاً عند قسم الشيخ!”. تضيف رمال: “أمسكت أم حمزة بيدي وقالت لي بصوت هادئ: ما بدي أسمع صوتك مشان ما ضايقك، بتقعدي بالزنزانة بدون ما تعملي شي ما بقرب عليكي، إذا سمعت صوتك بدبحك، وجعلتني أعيد الدرس من ورائها”. بعد ساعات، خرجت رمال من السجن تتابعها كلمات أحد أعضاء الهيئة الشرعية. “لم تقم بشيء، لكننا أردنا تأديبك، ولقد تمت مسامحتك”.

على الطرف الآخر يصر قاضي الهيئة الشرعية أبو ابراهيم على نفي الحادثة من أساسها: “أقسم بالله أن ما تدعيه رمال ليس إلا كذبة، كل ما نريده هو الحقيقة، لقد ارتكبت خطأ أن تحدثت مع المحقق والقضاة بطريقة جارحة، ورفضت تمثيل الهيئة الشرعية لها، لقد كانت تصرخ بصوت عال “الهيئة الشرعية لا تمثلني” ورغم ذلك سامحها الجميع” ويضيف القاضي موضحاً: “نوفل لا علاقة لها بالأمر، ونحن لم نقم باستدعائها، بل اعتقلنا صديقها وهو مشتبه به” يختم أبو ابراهيم حديثه: “علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا أيضاً، الأهالي يريدون فصل الدين عن السلطة وهذا أمر يستحيل حدوثه”.

بين هذين الطرفين تقف “لجنة الحكماء” وهي لجنة مؤلفة من ٨ أشخاص تضم أعيان مدينة الرقة، والذين يقومون بتحضير الانتخابات الخاصة بالمجلس المحلي ويلعبون دوراً توفيقياً بين الأهالي، ليتحول اسمهم إلى اللجنة التحضيرية للمجلس.

يعتقد “أبو مهيار”، أحد مؤسسي هذه اللجنة، بأن “النصرة والأحرار أقوياء، ولا يمكننا إنكار حاجتنا لهم اليوم، وبخاصة أن قوات النظام ليست بعيدة عنا، فضلاً عن عدم وجود ضغط مدني كاف لتسلم السلطة”، موضحاً أن الهيئة الشرعية هي “حالة صحية في حال وجود توازن قوى بين الكتائب، وسيادة الحالة السلمية، لكن في الرقة من الواضح أن هذا التوازن معدوم ما يجعلها تحت سيطرة النصرة والأحرار، وما يجعل قوانين الهيئة تتطبق على الضعيف دون القوي، لذا لا يحق لنا التعليق على ممارساتهم طالما أننا عاجزون عن اقتراح بدائل”.

لكن “أبو  مهيار”، الرجل الخمسيني  الذي اعتاد على استقبال الأطراف جميعاً في منزله، بدءاً من شباب الحراك المدني ومقاتلي “الجيش الحر”، وأفراد الكتائب المتشددة، ما زال كما يبدو يتمتع بمخزون كاف من الأمل للخروج من هذه الأزمة، حيث يعلق مستدركاً: “لم يعد يخاف الشباب من شيء، يخرجون في اعتصامات وتظاهرات أمام مقرات هذه الكتائب ومقر الهيئة الشرعية، هناك أمل حقيقي في الشارع”.

بالطبع، لا تقتصر انتهاكات الهيئة الشرعية وممارسات الكتائب المقاتلة على ذلك، حيث يعاني “الرقاوين” الأمرّين من استيلاء “النصرة والأحرار” على الأملاك التي نزح عنها سكانها وتركوها خلفهم. ينفي البعض وقوع مثل هذه الحوادث، فيما يشدد آخرون على وقوعها مرددين عبارة “بكبروا ع الملك وبياخدوه” . الناشط والمدرس فراس النايف كان شاهداً على إحدى حوادث الاستيلاء التي وقعت في المدينة. أخبرنا أن أفراداً من “أحرار الشام” حاولوا “أخذ منزل جارنا الذي استأمننا عليه قبل سفره.

حاولت منعهم وذهبت إلى مقرهم. هناك التقيت بالأمير وأخبرني أنهم سيأخذون المنزل بالقوة. قلت لهم “مافي شي بيتاخد بالقوة” وسرت متجهاً نحو الباب، فهجموا علي وقاموا بضربي” يتابع النايف:”اقتادوني إلى غرفة التحقيق، ثم إلى الزنزانة. سمعت صوت أخي في الخارج وخشيت أن يقوموا بضربه”. يتابع الناشف بمرارة: “انتهى الموضوع بأن قاموا بالإفراج عني بعد ساعة، بعدما قام أميرهم بجلدي”. يضيف الناشف أن “هناك ٥ زنازين مليئة بالمعتقلين، من بينهم جنود منشقون، كبار في السن وشباب”.

موقع لبنان ناو

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...