أنا مواطن سوري.


مؤيد اسكيف

قبل نحو أربع سنوات كنت في زيارة إلى سوريا و بينما أتنقل بسيارتي في دمشق استوقفتني دورية مرور فيها ضباط شرطة و العديد من العناصر ..
قال لي الضابط بأني كنت أتحدث بالموبايل فرفضت التهمة حالاً و أخبرته بأني ملتزم بالقوانين و أضع حزام أمان علماً بأنه لم يكن قد صدر قانون المرور الجديد حينها و لا يلتزم أي سائق بحزام الأمان.
أصر الضابط على تهمته و أن هذا الأمر يكلفني مبلغاً مالياً يصل حتى ثلاثة آلاف ليرة سورية و ربما أكثر.
بدوري كنت مصراً بأني لم أستخدم الهاتف أثناء قيادة السيارة بالمطلق و أني مستعد لاتباع الإجراءات القانونية.
ناور الضابط معي و قال له بأنه لايريد أن يضرني أو يغرمني و يمكن حل الموضوع لكني كنت مصراً على اتباع الإجراءات القانونية.
سألني الضابط من أين أنت ؟ بعد أن عجز عن تلمس ذلك بسبب ” لهجتي البيضاء ” لأني عشت في أكثر من منطقة سورية و غابت ملامح لهجتي الأصلية فأجبت : أنا مواطن سوري .. من سوريا ..
تفاجأ من الإجابة و كرر السؤال مازحاً .. بالله من أين أنت أستاذ؟
ولأني لا أريد أن أبدو عنيداً و متعالياً أجبته بأني سوري من محافظة إدلب.
ابتسم الضابط ابتسامة عريضة مستدركاً : يعني أنت من جماعتنا.
بدت معالم الدهشة على وجهي و قلت له مسرعاً : أي جماعة ؟ أنا لا أنتمي لأي جماعة .. أنا سوري من محافظة إدلب و إدلب ليست جماعة و أهلها جزء من الشعب السوري..
قال لي فهمتني غلط من جماعتنا يعني جماعتنا نحن الأدالبة .. على كل أستاذ ولايهمك هذه المرة سوف نسامحك و بإمكانك الذهاب .. كان ذلك و هو يعيد لي أوراقي ..
أخذتها منه و قلت له و أن أمد يدي له ثانية .. أنا لم أتحدث بالهاتف و هذه أوراقي فأنا لا أطلب منك السماح و باعتبارك ضابطا معنيا بتنظيم قانون السير و المرور أطلب منك اتخاذ الإجراءات المناسبة دون تردد.
تركني مودعا بسرعة كبيرة آخذاً معه بعض زملاءه و عناصره الذين تجمعوا حول السيارة.
أستطيع أن أتخيل الحديث الذي دار في مخيلة الضابط أو مع زملاءه ..
هذا الشخص ” المعلاق ” إما أنه ” واصل ” أو أنه ابناً لمسؤول كبير..
في العام التالي كنت في طريق العودة من سوريا إلى حيث إقامتي في إحدى بلدان الخليج عن طريق البر خارجاً من منفذ نصيب الحدودي حينما طلب مني الموظف الجمركي بهيئة عسكرية دفع مبلغ مائة ليرة سورية مقدما لي قصاصتين من ورق أبيض و ذلك بعد أن دفعت كامل الرسوم .. مكتوب على كل قصاصة ” خمسون ليرة سورية رسوم دخول ” خمسون ليرة سورية رسوم خروج ” .
كانت ردة فعلي هادئة فيها استنكار و استفسار : كيف أدفع لك لقاء هاتين الورقتين ؟ إنها مجرد قصاصات عادية و لا تمثل الحكومة و ليست رسمية فضلاً عن أني دفعت قبل قليل رسوم الخروج وفقاً لدفتر إدخال السيارة هذا عدا عن أني دفعت رسوم الدخول عند دخولي قبل أكثر من شهر كما هو موضح بالدفتر ذاته أيضا.
استنكر العنصر الجمركي كلامي و قال لي أعطيك أوراقاً رسمية حتى تشبع و على كل حال أنا سوف أدفع عنك ..
استوقفته مباشرة و قلت له: أستطيع أن أدفع ما يتوجب دفعه دون مساعدة من أحد ولكن هذه الأوراق غير رسمية ولا أنتظر مساعدتك ..
تأمل العنصر جواز السفر و أوراق السيارة و سألني : هل أنت قريب للضابط فلان من عائلة اسكيف من جبلة؟
قلت له لا علاقة للضابط فلان سواء كان قريب لي أم لا .. اعطني اوراقاً رسمية لأسدد لك المبلغ المطلوب أو أعد لي أوراقي و دعني أكمل طريقي.
سألني و هو يقلب جواز السفر : من أين أنت ؟
– من سوريا .. أنا مواطن سوري و ” هذا جوازي ”
نظر لي باستغراب شديد و أعاد لي الأوراق و هو يتحدث إلى أحد زملائه و أستطيع أن أتخيل جزء من حديثهما :
ما هذا المعلاق المتعالي .. يبدو أنه ابن لمسؤول كبير ..

بدأت الثورة السورية و في مرحلة تناسل المؤتمرات السياسية المعارضة كنت و بكل أسف ممن يحضرها ” الأسف أبديه هنا لأنها لم تثمر عن أي نتيجة فعلية ” .. و بعد أي مداخلة أقوم بها خلال أعمال المؤتمر أو بعد أي كلمة ألقيها كان أغلب الحاضرين و القائمين على المؤتمر يقترب مني خلال الأحاديث الجانبية و يتحايل ليعرف من أي منطقة سورية أكون و لأي طائفة أو دين أنتمي .. و لم يكن أحدهم في الحقيقة يحصل على معلومة لأني أتعمد أن أقدم معلومات عامة و أجيب : أنا من سوريا .. أنا سوري .. و أتبعها بابتسامة واثقة لا تخلو من التلميح لشيء ما ..
هذا الأمر تحديداً جعل الآخرين يتحفظون على التعامل معي و ربما أدخلت بإجاباتي بعض الشكوك إلى قلوبهم خاصة و أنه لم يسبق لي القيام بنشاط سياسي معروف إعلاميا فضلا عن المخاوف الأمنية التي كانت تعتري عمل المعارضين في تلك الفترة .. فضلا عن أن جلهم كان متحزباً لتيار أو حزب أو فصيل معين ..
دير الزور من المناطق المهمشة إعلامياً بشكل أو بآخر .. قمت بأنشطة بسيطة رفقة شباب من الدير من أجل هذه المسالة .. فكانوا يتوجهون لي بالشكر على مساعدتي لأبناء الدير ..
كنت أغضب فعلاً .. لأن ما أقوم به بسيط للغاية .. و لأنه لا يجوز لابن الدير أن يشكرني فالدير جزء من وطني و هم أهلي و ما أقوم به لأنهم سوريين و أنا سوري .. من سوريا ..

أن تكن سوريا في أي وقت – و الآن تحديدا حينما نكون في ظرف استثنائي – فعليك أن تتخلى عن انتمائك العائلي و العشائري و المناطقي .. عن تحزبك المذهبي دينياً و تحزبك الطائفي .. أن تتخلى عن تحزبك القومي .. و تكون سورياً .. علينا أن ننتمي للمجموع الوطني .. لحقوق المواطنين .. للضمير الوطني .. هكذا نستطيع أن نذهب إلى هدفنا عبر خط مستقيم .. و الخط المستقيم هو الطريق الأقصر و المباشر بين نقطتي البداية و الهدف ..
و بما أن الحديث مؤخراً يجري دوماً عن حقوق الأقليات و حقوق الأكثريات عن حقوق المرأة و الرجل و الطفل .. عن حقوق الأقوام و الإثنيات و غيرهم .. فإني أطالب بحقوق المواطن .. أطالب بحقوق أقلية المواطنين أو أكثريتهم .. أطالب بحقوق الأقلية السورية .. التي نأمل أن تكون هي الأكثرية الساحقة .. و بدون منافسين .. أن نكون كلنا سوريين .. مواطنين سوريين ..

خاص بصفحات سورية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...