صفحات سورية

أنا وصديقتي – الشبيحة –

 


خلدون النبواني

من يعرف قصصي في الحب تهون عليه كل مصائبه مهما كان نوعها؛ ولا ينخدعن أحد بكتاباتي الأكاديميّة الفلسفيّة الرصينة أو بمداخلاتي الُمتلفزة على قلّتها والتي قد أبدو فيها جديّاً وقوراً هادئاً، فأنا في الحب عاشقٌ طائش، متهور، سريع الافتتان، قليل الصبر، مُجنّح الآمال قصير النظر بل إنني في العشق أعمى تماماً كما هو الحب.

ولأن الحال كان دائماً كذلك، فقد مرَّ على رأسي في الهوى محنٌ تشيب لذكرها الولدان. فمن ذكرى عشيقةٍ قديمة تكره الثقافة ورب الأدب والكتب ومن يكتبون رغم تحصيلها الجامعيّ والتي وددتُ مرَّةً وأنا أسير معها في أحد شوارع دمشق أن أُعبِّر لها عن مدى جنوني بها بإلقاء شعرٍ لمحمود درويش والذي ما أن بدأتُ به: “اعدي لي الأرض كي أستريح، فإني أُﺤ …” حتى تأففت وتنهدت بملل لتقول لي: “مطوِّل؟”، إلى ذكرى عشيقةٍ حديثةٍ تتمتع بسذاجةٍ عزَّ نظيرها إذ كثيراً ما رددت على مسامعي بعفويةِ يعجز عنها الأطفال أنها تتمنى أن تلتقي ” ولو بسوري واحد بيفهم في فرنسا”. ولأنني أعرفها جيداً وأدرك أنها كثيراً ما لا تنتبه لما تقول، وجدتُ نفسي مُضطراً أن أُنبهها إلى أن رصاصاتها الطائشة قد جرحتني بل وأصابت مني مقتلاً. وعندما أرادت الاعتذار زادت الطين بِلة بقولها: لستَ المقصود ولكن لو كنتَ من طائفتي وكنتَ تشبه المُمثِّل تيم الحسن لفكّرتُ بالزواج منك…. (ولأعترف هنا بجهلي للقارئ فأنا لم أسمع من قبل حديثها هذا لا بتيم الحسن ولا بحسنه اليوسفيّ بينما هو بالنسبة لصديقتي يتفوق بصفاته على ما قرأته عن الإنسان الكامل عند ابن عربي).

خارج اهتمامها بالموضة وعارضات الأزياء والعطور وحياة الفنانين والأغاني الحديثة ولا أعرف ماذا أيضاً، ليس لصديقتي هذه أي اهتمام بالثقافة أو بالأدب أو حتى بأمور الشأن العام ولم تكن السياسة تعني لها شيئاً يُذكر. فهي لم تعلم مثلاً بتنحي حسني مبارك عن السُّلطة إلا عندما سألتها عن رأيها في ذلك بعد يومين من تنحيه لتُقابل حماسي البركانيّ ببرودها القُطبيّ ولتغير الموضوع سريعاً مُتحدثةً عن مشاكلها الدراسيّة.

فقط وبقدرة عزيز مقتدر، ما أن بدأت أولى الاحتجاجات الشعبيّة في سورية حتى تغيَّرت فتاتي اللامباليّة من قبل بعالم السياسة إلى “شبّيحة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وقد لاحظت أول أعراض الشبيّحة تظهر على صديقتي عندما طلبتْ مني بلهجةٍ آمرة (أنا الذي تحاشيت الإدلاء أمامها برأيي لتجنب كل ما من شأنه أن يوتر علاقتي معها) أن أُحدد بوضوح موقفي من الوضع في سوريّة بإجابة واضحة لا تحتمل اللف والدوران ولا تلجأ إلى جوابٍ فلسفيّ يدوخها ولا تفهم منه شيء كما تقول دائماً.

ـ قُل لي بوضوح، أنتَ معنا أم معهم؟

ـ من أنتُم؟ قلتُ هذه العبارة صارخاً على طريقة القذافي في محاولةٍ مني للمداعبة وتلطيف الجو ولتجنب العاصفة التي بدت نُذرها واضحةً في نبرة سؤالها وصرامة ملامحها.

ـ نحن الوطنيون الذين نقف صفّاً واحداً وراء القيادة التاريخيّة للسيد الرئيس في وجه المؤامرات الخارجيّة التي تُحاك ضد سورية. ثم لماذا لم أرك في باريس البارحة في التظاهرة التي غنينا فيها ورقصنا دعماً لقائدنا؟ ها؟ أم أنت واحدٌ منهم؟

كانت كلماتها تقطِّع أمعائي كما السيوف فكيف استطاعوا الرقص والغناء ودم شهداء درعا لم يجف بعد ومسلسل الموت السوريّ يتلاحق فصولاً؟!!!!

ـ لماذا أنتَ صامتْ؟ لم لا تُجيب؟

ولأن عين “المُحب” عن كل عيب كليلة، فقد قلتُ في نفسي: يجب ألا ألومها فالديمقراطيّة تستوجب اختلاف الآراء والمواقف، بل أنني حاولتُ أن أُقنع نفسي بأن موقفها مما يحدث في بلدنا هو بشارة خير فها هي قد بدأت تهتم أخيراً بما كان بعيداً عنها بمسافات فلكيّة. وقلتُ لها بعد صمت:

ـ احترم موقفك، بل أنا سعيدٌ باهتمامك المفاجئ بالسياسة وبالشأن العام، وإذا فرقتنا المواقف فإن حب الوطن يجمعنا بلا شك، ولكنني لا أخفيك سرّاً أنني أتعاطف مع الذين قُتِلوا أولئك الذين لا ذنب لهم سوى النزول إلى الشارع بشكلٍ سلميّ للمطالبة بالحريّة…

وما كدتُ أن أتلفظ بهذه الكلمات حتى انفتحت عليّ أبواب الجحيم…

ـ هه، وهل ينقصنا حريّة في سورية؟!! حقّاً إن عقلك مُخرَّب، وهل تريد لنا أن نصبح بلداً منحلّاً مثل فرنسا؟!!

وفي تلك اللحظة كانت هي من أخذ يستخدم أُسلوب القذافي فصرخت فيَّ:

ـ إن هؤلاء الذين ينزلون إلى الشوارع هُم حُثالة ومجرمون ومتعاطو مُخدرات. ثم قُل لي كم هو عددهم بالنسبة إلى الشعب السوريّ! أنا أشكُ أصلاً أنهم سوريون، بل هم عملاء مثلك. أنا أندم على اللحظة التي عرفتك بها…

ودون أن تترك لي مجالاً للرد اختفت صديقتي “الشبيّحة” ولم أعُد أسمع عنها شيئاً من يومها.

حاولتُ مراراً وتكراراً بعد هذه الواقعة الاتصال بها، ولكنها وعلى طريقة النظام الذي تدافع عنه بعناده وبعدم اعترافه بمطالب الشعب المُحقّة، أوصدت صديقتي كل الأبواب دوني.

قررتُ أن أغازلها بهدوء فوضعتُ في علبة بريدها زهرة جميلة اخترتها بعناية فوجدتُ في اليوم التالي أشلاء الوردة محشورة في علبة بريدي بعد أن تم التمثيل بجثتها وتقطيعها إرباً إرباُ والدوس عليها كما يبدو. وقد خاب ظني بها عندما تصورتُ أنها ستقوم على الأقل بتهنئتي بعيد ميلادي بعد عدة أيام من حادثة الوردة ولو حتى برسالة هاتفيّة.

ماذا أفعل كي أسترد صديقتي؟ هل أكتب لها رسالة أضع فيها بعض الهتافات والشعارات التي تُمجّد الرئيس وحكمه أؤكّد لها فيها دعمي المُطلق له بإصلاحات أو بدون إصلاحاتٍ بل حتّى ولو أفنت عصابات شبيحته الشعبَ بأكمله؟ هل أكذب عليها وأقول لها أنني سأنتخبه رئيساً إلى الأبد هو وابنه (بعد عمرٍ طويل له) وأن سورية هي ملكٌ لهم وحدهم وهم الوحيدون الذين يمكن لهم أن يحكموها ويتحكموا برقابنا؟ هل أزاود على ذلك بالقول: بل حتى أنهم خسارةٌ بهذا البلد ثُم أُردّد لها ما قاله أحد أعضاء مجلس “الشعب” أن الوطن العربي قليلٌ عليه وإنه يجب أن يكون رئيساً للعالم أجمع ثم أُضيف على ذلك بل ورئيساً لبقية الكواكب والمجرّات الأُخرى إذا وُجدت عليها حياة؟ هل أتبرأ، من أجل عينيها الجميلتين، من موقفيّ الثوري كله ومن مساندتي للثورة ولحقوق الشعب في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وبخاصة في سوريا؟ أم هل أكتب لها اعترفاً أُقر فيه بأنني كنتُ في ضلالٍ مُبين عندما اخترتُ الوقوف إلى جانب الحُريّة والديمقراطيّة في مواجهة الاستبداد والاستعباد؟ هل أؤكّد لها أنها ورغم حداثة عهدها بالسياسة ورغم عدم قراءتها لكتابٍ واحد بل حتى لرواية أو لقصيدة شِعر (كما تعترف بلا حرج) هي أكثر بصيرةً منيّ ومن كل المثقفين السوريين والعرب أصحاب الوعي النقديّ والضمائر الحيّة؟ هل أتخلى عن موقفي النقديّ مما يجري وأُصدق معها دعاية النظام الذي يريد أن يقنع الناس أنه في مواجهة أشباحٍ سلفيّة وجماعات مريخيّة مُسلّحة وأنه إذا سقط فإن الحرب الطائفيّة ستحرق الأخضر واليابس؟ وهل عليّ لكي استردها أن أتركُ لها رسالة صوتيّة على الهاتف أقول فيها : الله، سورية، بشار وبس ثم أُصفق صفقة طلائعيّة وأزغرد؟

 

لا لن أفعل. لن أتخلى عمّا اعتبره موقفاً مبدئياً مُلتزماً بحق الناس في التحرّر والديمقراطيّة. لا أستطيع أن أقف مع الجلاد ضد الضحيّة ولا أستطيع إلا أن أُن أكون مع الهامش ضد المركز ومع الأمل ضد اليأس ومع الحُلم ضد الكابوس ومع الحياة ضد الموت ومع المظلوم ضد الظالم ومع الشعوب ضد الدكتاتوريات.

هل أتخلى عنها بذلك إذن؟ أبداً على العكس، فقناعتي الشخصيّة أننا أصبحنا أمام قاب قوسين أو أدنى من تغيّرٍ ديمقراطيّ جذريٍّ في سورية حيث ستختفي فيه “ثقافة” الزعيم الواحد والحزب الواحد والرأي الواحد ونبني معاً كسوريين مُجتمعاً تعددياً ديمقراطياً. في ذلك الغد المأمول القريب سيعترف الجميع بحق الجميع في الاختلاف وبأن يكون هذا الوطن الصغير بيتاً يتسع لكل أبنائه الذين لا يستطيعون أن يحيوا فيه إلا معاً، كما أنهم لا يستطيعون أن يحيوا فيه إلا مُختلفين. في ذلك الوطن الحُلم ستختفي “ثقافة” الشبيّحة التي تقوم على قتل الآخر فقط لأنه لا ينتمي للقطيع وستتراجع “سياسة” التخوين والتشكيك بوطنيات الناس مجاناً وستضمحل الحدود المُغلقة بين الأديان وسيعود الحُب كما كان عند سقراط صبياً رشيقاً حافياً يتنقل بدون جواز سفر أو نقاط تفتيش ولا يتوقف عند حدود الأديان وحواجز الطوائف.

في ذلك الوقت ستكون صديقتي هذه قد تزوجت من آخر وأنجبت منه أطفالاً يشبهون جمالها، ولكنهم لن يشبهوها في التفكير والعقليّة لأنهم سيتربون في جوٍّ جديد غير عسكريّ، جوٍ لا يقوم على رفض الآخر وتكفيره وتخوينه وقتله.

أما أنا فيبدو أن أوديستي العشقيّة لما تكتمل بعد وأن قدري هو ركوب بحار الحُب والضياع بين جُزره بحثاً عن إيثاكا الوطن الحُلم وسعياً وراء سراب بينلوب التي قد لا تكون سوى أضغاث أحلام بحّارٍ مُصاب بدوار العشق وبحب الوطن…

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى