أنا ونحن وهم


زين ابراهيم

لن ننسى أبداً منظرَ جنودٍ سوريين شباب وهم يقتحمون المسجدَ العمري في درعا . لا بل إن الذاكرة الشعبية والتي حُفرتْ حفراً بمدافعِ النظام وآلتهِ الحربية ستعاني طويلاً قبل أن تُمحى آثارُ هذه المأساةِ الانسانية .

وأنا شخصياً شدّني حديثُ ذاك الشابِّ المراهقِ وهو يصيحُ منتشياً وبلهجة استقاها من مسلسل ضيعة ضايعة والذي أُغرم فيه جميعُ السوريين ” لقد قتلناهم قتلناهم ، نحن لهم بالمرصادِ” .

خِلتُ وقتها أنَّ ما حدث عبارة عن جملٍ فجةٍ يُطلقها مراهقٌ وضعوا في يدهِ بندقيةً وفي رأسهِ  علبة فارغة .

 واستمرت مأساة وطني سورية يوما بعد يوم ،

و في كلِّ يومً نغوصُ نحن السوريينَ في مستنقعِ عنفِ السلطة وفي دمائنا .

وفي إحدى المساءات وبعد عيد الفطر زرتُ  زميلاً وكانت هذه خامس أو سادس زيارة له فقد تعرَّفتُ عليهِ حديثاً .

ورغمَ تحفظي أثناء الحديث عموماً ومحاولاتي المتكررة أن لا أثير الانتباه لموقفي إلا أن الحياد لم يعد مقبولاً ولا مفهوماً وكان لابد من التوضيح والتصريح في جلسة لاتخلو من العبثية .

فسألني عن رأيي بصراحة وكان تحفظي قد ذهبَ بكل سماحةَ المضيفِ وكرمهِ ،

وكانت قناة الدنيا تصدح في سماء بيته عن العصابات المسلحة والمتآمرين والتي سقط ضحيتها في الأيام الأولى أحد أقاربه العسكريين .

وهنا قلت ”  أية عصابات مسلحة “

وأجاب بلهجته القروية “عصابات عصابات هودي اللي عم يدبُّحوا العالم “

“شو ما مصدَّق هنت يعني ، معناها هنت مَعِنْ “

ولمن لا يعرف لهجتنا في اللاذقية “هنت” تعني أنت  و”مَعِنْ” تعني  معهم .

ولم يكن الموقف يستدعي المزيد من التوضيح حول حراجة موقفي فما كان شكوكاً تأكد بالدليل القاطع .

وهنت والذي هو أنا  لم يكن مصدقاً لكلمةِ واحدةٍ من أكاذيبِ رئيسهِ وقناتهِ قناة الفضيحة الدنيئة

لعل ملفِّي الآن ُملقى في أحد أفرع المخابرات في بلدي وما أكثرها ، ينتظرون الانتهاء من الثوار على الأرض حتى يتفرغوا لمشاكسٍ مثلي ، لم تقنعه أكاذيب رئيسهم “الملهم ” وقنواتُ كذبه  وعندها “بدنا نسِّيه حليب اللي رضعوا ها القليل الأصل “

هل أصدقكمُ القول : شَعرتُ بالغثيان من ذاك المراهق وهو يدنِّسُ بنعليه المسجد العمري ويهتف مزهواً قتلناهم ولكني شعرتُ بالحزنِ وبالخوفِ معاً عندما قال” هنتْ مَعِن “

لم يكن خوفاً على سلامتي الذاتية فحسب

بل هو خوفٌ من مستقبلٍ مظلمٍ تحمله لنا الأيام فما قد يُعتبرُ تصرفاً غير عقلاني وغير مسؤول من جنديٍ مراهقٍ أمرٌ يُمِكنُ وضْعُه في سياقِ فهمٍ ما

أمَّا أنْ يَصدُرَ الأمُر من شخصٍ جامعيٍ يُفترضُ أنَّه على قدرٍ جيدٍ منَ التعليمِ والثقافةِ والمحاكمةِ والقدرةِ على تقييم الأحداثِ فهذه مأساةُ وكارثة .

ولنْ أكذبَ فأقول  لقد تكرر الحديثُ مع كثيرينَ ومعظمُهم جامعيينَ  لتَكبُرَ أبعادُ المشكلةِ أكثرَ فأكثرْ

ومادُمتُ قد عرَّفْتُ الآخرَ بِ  “هم  ” فهذا يعني أنني أعرفُ أبعادَ  ” أنا ونحن “

وهنا تضطربُ الصورةُ تماماً  .

فمن أنا ومن هم هؤلاء الآخرين ؟

سؤالٌ جوهريٌ أتمنى أن يُفكرَ فيه جميعُ السوريين كل يومٍ،  فبين حدودِ هذين الضميرين قدْ يسيلُ بحرٌ منْ دماءِ السوريين.   وحتى نعرفَ كسوريين منْ نحن ومنْ همْ أخشى أن تفصُلنا ضفَّتانِ متباعدتانِ  منْ بحرِ الدماءِ هذا .

ولأني أعرف أن زميلي والذي لمْ يعدْ يتصل بي مطلقاً بعدها ، لايتابع إلا قناة الدنيئة ولم يعرف الانترنت  والفيسبوك إلا منذ أيام فسأذهب للنوم غيرَ قلقٍ على سلامتي الشخصية ، أقلًّه مادامت ثورة الشعب السوري مستمرة لأني على ثقة بأنه لو قرأ مقالي سيعرف أني أتكلم عنه وعندها قد أرسل مقالاتي لكم  من عند ” الهمَّالالي ” وبتوقيع ” حسان درمَّللي  ” .

خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...