الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / “أنسي الحاج من قصيدة النثر إلى شقائق النثر” عبد القادر الجنابي يفتح باباً نظرياً في درس الشعر

“أنسي الحاج من قصيدة النثر إلى شقائق النثر” عبد القادر الجنابي يفتح باباً نظرياً في درس الشعر

 

 

عقل العويط

ميزتان ربما يفترض بالقارئ، كل قارئ، التوقف عندهما في كتاب عبد القادر الجنابي “أنسي الحاج من قصائد النثر إلى شقائق النثر/ مختارات من أشعاره وخواتمه”، الصادر حديثاً لدى “جداول”؛ الأولى أن لا أحد ربما في لبنان والعالم العربي يهتمّ بقصيدة النثر نظرياً وتطبيقياً، ويلاحق تفاصيلها وأحوالها وتطوراتها، اهتمام عبد القادر الجنابي بها. الثانية أن لا أحد منا، نحن الكتّاب والقرّاء، يهتم ربما بشعرية أنسي الحاج، ويلاحق أدبه، اهتمام عبد القادر الجنابي بهما.

هاتان الميزتان، هما إلى حدٍّ نوعي كبير، من “اختصاص” الشاعر العراقي المقيم في باريس منذ عقود كثيرة. علاقته بأنسي الحاج، تتخطى أحياناً شعرية الشاعر، لتصيب مقتلاً في معنى الشعرية مطلقاً، وفي معنى الشعرية العربية على السواء.

غوص الجنّابي على قصيدة النثر، الفرنسية والعالمية والعربية، أشبه ما يكون بغوص المنقّب عن الأسس والركائز البائنة والدفينة فيها، كما عن الكنوز في بواطنها المجهولة. هذا الذي لم يترك بئراً من هذا النوع إلاّ نزل إلى قعرها، وجد في شعر أنسي الحاج، وفي شخصه، منذ البداية، ما يعتبره وجهاً ساطعاً وفريداً من وجوه الحقيقة الشعرية، فضلاً عن اعتباره إياه انتقاماً شخصياً له، ولحياته، ولـ”عروبته” (انتقاماً لها أم منها؟!)، ولوجوده في العالم.

انحيازه الحاسم إلى هذا الشاعر “اللبناني” – “العربي” بالذات، وإلى شعره تحديداً، ليس انحيازاً حزبياً، أو عقائدياً، أو إيديولوجياً، ولا انحيازاً مبسّطاً، ورومنطيقياً، على غرار المريدين المتطفلين، بل إلى الشعرية مطلقاً، على طريقة مَن يوغل في جوهر الشيء، وفلسفته، تفكيكاً، للوصول إلى النسغ المفضي إلى حقيقته.

كتابه هذا، حفرٌ في باطن النثر المصفّى – المثلّث، وباطن قصيدة النثر لدى أنسي الحاج، لانتقاء عناصرها ومكوّناتها التي يجدر أن تكون مثالاً نموذجياً، بنيوياً وكينونياً، يتم التأسيس عليه. فاعليته هذه، توازي ما فعله بقصيدة النثر الفرنسية والعالمية، حين درس نماذجها درساً مبيناً، في مراحلها التاريخية الأولى، واختار ما يجسّدها ويكون أمثلةً لها.

على أن كتابه هذا، إذ ينحني على قصيدة النثر لدى أنسي الحاج، مختاراً نماذج مثلى منها، فإنه يذهب في الكتاب مذهباً مضافاً، يتخذ فيه منحىً بنيوياً وكينونياً، موازياً، لا مفرّ منه، حين يعاين لدى الشاعر اختباراتٍ وبنى شكلية في الكتابة “النثر شعرية”، أشبه ما تكون بشذرات أو لقى، بل هي كذلك، ويطلق عليها اسم “الشقائق”.

في تعريفه بهذه “الشقائق”، كتعبير في المفرد وفي الجمع، ما يصحّ اعتباره ضربة نرد، من حيث الرؤية والتحليل. التعريف هذا، يمكن اعتباره منهلاً يؤخذ به. “شقيقة”، كلمة؛ توازي شهقة الجنس في عيني امرأة. بل رمية السهم حين تصيب قلب الفريسة. لا أجد تعبيراً في العربية يعطي “نوع” هذه الكتابة عند أنسي الحاج حقّه، مثل كلمة “الشقيقة”. يستطيع القارئ أن يطمئن إلى أن ثمة كلمة قاموسية قديمة تكتسب لدى الجنّابي معنى ربما لم يسبقه إليه أحد. وهو يستدرج كتابة أنسي الحاج النثرية المتوهجة، إلى هذا الموضع بالذات، لتكون هي مثالاً لهذا المفتاح النقدي، ومعياراً له.

تحليله لهذه “الشقائق”، غوصٌ على معنى الدرر والكنوز، تفكيكاً وتحليلاً وتنظيراً. حتى ليمكن اعتبار ما يأتي به الجنابي في هذا المضمار، سبقاً نظرياً، يمكن التأسيس عليه لتدارك نوعٍ من أنواع الأشكال الأدبية في الكتابة “النثر شعرية”. على أن هذا السبق، ليس هيولياً، بل هو مضفورٌ ومعزّز بالنصوص التي من شأنها أن تضع خريطة طريق وبياناً استدلالياً، يستطيع القارئ عبرهما أن يخوض غمار “الشقائق” هذه، من دون أن يعتريه التباسٌ أو ارتجاج نقدي.

فاعلية الجنابي، ها هنا، تلقي الضوء على الفاعلية التي اجتهد أنسي الحاج في تشييدها واختبارها في “خواتمه”، كما في بعض نصوصه التي كتبها لـ”الأخبار” اللبنانية. هي لـ”شقائق” فعلاً، متوهجة، كالدرر، ذات بنى مغلقة، مكتفية بذاتها، نثرية، لكنها متعارضة مع مفهوم النثر، متورطة في الشعرية حتى العظم، حتى ولو كانت معقلنة حيناً، أو متفلسفة حيناً آخر. “شقائق” هي ضربات نرد. وهي أيضاً شعرٌ فكريّ. بل قصائد مختصرة. ولأنها مختصرة إلى هذا الحد، هي “شقائق”.

قد لا تكون هذه الكتابة جديدة، في العربية، كما في لغات العالم. فثمة “شقائق” في العربية منذ “نهج البلاغة”، مروراً بالمتصوفة طبعاً، وبكثرٍ ممّن أغنوا النثر العربي بشعريةٍ كانت معتبرَة للنظم فحسب.

لا يؤرخ الجنابي لهذه المسألة، بقدر ما يضيء على هذا “النوع” لدى أنسي الحاج، وخصوصاً عندما يؤلف بينه وبين قصيدة النثر، جامعاً بعض نماذجهما، جنباً إلى جنب، وكأنه يلتقط صورة مشتركة للتوائم، أو لـ”الشقائق”، كأشقاء وشقيقات. شكراً لعبد القادر!

النهار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...