الرئيسية / صفحات الرأي / أنظمة متشابهة… ثورات متشابهة

أنظمة متشابهة… ثورات متشابهة

 


شاكر الأنباري

الثورات الشعبية في البلدان العربية تعطي الانطباع بأن ثمة مشتركات كثيرة بينها، سواء بشعاراتها أو مطالبها أو الفئات التي تشارك فيها. ذلك يدلل على أن هذه الحركات هي مظهر لتيار شامل يعم المنطقة. وهي تواجه قوى، سلطوية، متشابهة هي الأخرى، بشعاراتها وخطابها وآليات عملها. اي اننا امام خطابين متناحرين: خطاب سلطة وخطاب ثورة. هذان الخطابان كانا يتصارعان بخفوت احيانا او بحدة احيانا أخر منذ عقود، حتى وصل الأمر الى نقطة الفراق. الحياة او الموت. اي لا يمكن لهما التعايش بعد اليوم على الساحة ذاتها. درجة الصراع تتراوح بين العنف الشديد، كما يحصل في ليبيا، او الهزيمة السلسلة للنظام امام شباب الثورة كما حصل في تونس ومصر. ومواصفات القوة التي وسمت الانظمة العربية تتجلى في أكثر من محور على رأسها ممارسة العنف ضد المعارضين، بالعنف تسكت الأصوات المعارضة والرافضة، والمحتجة. يبدأ العنف من الشارع لينتهي في زنازين مظلمة تشرف عليها مخابرات النظام وهي تستخدم كافة الوسائل لانتزاع شهادات، ومعلومات، وادعاء بارتكاب جرم، وتشويه لحقائق. ويتبع العنف مستويات أخرى من وسائل القوة والهيمنة، كالديماغوجيا الاعلامية، وتشويه الحقائق، ونقل الحدث بصورة مزوقة، وفبركة الحقائق لتحسين صورة النظام، والترويج لأشخاص مسؤولين هم بالأساس عديمو الكفاءة، ولصوص، ومرتشون، وظالمون.

الاستحواذ كان بارزا على مفاصل الدولة، ووضعها بيد حزب السلطة او عائلة الرئيس او المسؤول خاصة الأجهزة العسكرية والأمنية، اضافة الى المفاتيح الاقتصادية في البلد، وخلق طبقة فاسدة وثرية ومرفهة لكنها من نتاج النظام. تقوم هذه الطبقة بتخريب ذائقة المجتمع، وتشويه قيمه، وتفريق وحدته بهذه الطريقة او تلك. كما يعتمد النظام على وجود عدو خارجي، وهنا يمكن ان تكون قضية فلسطين، او الغرب وأميركا باعتبارهما يتآمران على البلد المعني، وقيمه الدينية والاخلاقية. عدو خارجي كأن يكون القاعدة كحركة عالمية متطرفة، والأصولية في أشد تمظهراتها عنفا وتخلفا. وابتكرت بعض الانظمة المتهاوية بعبع الحرب الاهلية، فإما بقاء النظام او الحرب الأهلية، وهذا ما طرحه النظام اليمني، وهو يسوغ بقاءه ويسوغ شرعيته، وكأن الحروب الأهلية ليست صنيعة سنوات من الممارسات الخاطئة لتلك الأنظمة، واعتمادها على هذا الطرف من المجتمع او ذاك في بقائها. اما اسرائيل فكانت الشماعة الضخمة التي علقت عليها الأنظمة العربية أخطاءها وكوارثها تجاه شعوبها منذ ما يزيد على نصف قرن، رغم انها، أي تلك الأنظمة، في كثير من الحالات لم تعمل اي خطوة حقيقية لدعم حق الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه ومنه اقامة دولته المستقلة.

كان العنف هو الرافعة لكل تلك الأساليب السلطوية طوال عقود، وقد مورس بشتى الطرق. مذابح جماعية، تشريد مئات الآلاف، ابادة مدن، شن حروب، تدخل بشؤون الدول الأخرى، عدا عن ممارسة افظع انواع التعذيب في المعتقلات الرهيبة، والتجسس على الشعوب. هذه باختصار الأسس التي جعلت تلك الأنظمة تحافظ على وجودها كل تلك العقود. لكن الحياة تغيرت، والأحداث العالمية سارت في اتجاهات مغايرة، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط زمن الآيديولوجيا، سواء كانت يسارية او يمينية، قومية او دينية. كانت هذه بديهية سهلة وواضحة مثل الماء، لكن الأنظمة لم تستطع هضمها أو رؤيتها على الأقل. الشعوب العربية عاشت عقوداً تحت هيمنة وسطوة انظمة مثل تلك، ولدت اجيال جديدة في ظل فضاء اجتماعي آخر، وفي ظل حراك عالمي لم يكن مألوفا، لعل ابرز ما فيه وضع الديمقراطية كمفهوم، وآليات، وممارسة، يافطة عالمية راحت تلف قارات العالم أجمع. النظام الديمقراطي المتمثل بشكل أساس بتعدد الأحزاب، وحرية الصحافة والاعلام، وقدسية حقوق الانسان والانتخابات والبرلمان واستقلالية القضاء والحق بالتظاهر وابداء الرأي والسفر والعقيدة، وما الى ذلك من مقومات حضارية راحت جميع الشعوب تمارسها يوميا او تطمح الى ممارستها. والجيل الشاب من الدول العربية ليس بعيدا عن هذا الفضاء العالمي وحراكه الاجتماعي والسياسي وهو ينتقل بخطوات نوعية الى مرحلة بشرية تختلف كليا عما كان قبل عقود. الجيل العربي الجديد يطمح الى السلم، لذلك رفعت معظم التظاهرات والاحتجاجات شعار: سلمية.. سلمية، سواء في طرابلس او القاهرة او دمشق او صنعاء او بغداد. الاحتجاجات السلمية تعطي شرعية لحركة الجماهير الغاضبة هذه، كونها تطمح الى اصلاح الوضع او تغييره سلميا بنبذ لغة العنف والسلاح والقتل، وهذا ما يسحب البساط من تحت ماكنات الأنظمة العسكرية التي تدربت على القتل والمواجهات العنيفة، وينزع الشرعية عن اي نظام يستخدم العنف في قمع تظاهرة سلمية مثل تلك.

ومن ابرز المشتركات بين تلك الثورات ان الشباب اتكأوا على الثورة التكنولوجية في مجابهة السلطات، عبر الموبايل والفيسبوك والتويتر والبريد الألكتروني، حتى ان تلك الوسائل كانت اشبه بالحزب الجديد القائم على تنظيم المواعيد، وتبادل الافكار والحوارات، وايصال الرسائل بين شخص وآخر، اضافة الى نشر الوثائق البصرية كالأفلام والمشاهد عبر اليوتيوب، والوثائق الورقية التي تدين السلطة وممارساتها عبر توثيق يومي لما يجري في المجتمع. كما سهلت الثورة التكنولوجية وجود اعلام مضاد لإعلام السلطة، يعتمد المصداقية وشمولية نقل الحدث، حتى صار الفرد يطّلع على ما يجري في اي زاوية مهملة او زقاق او منطقة، في المدن والقرى والشوارع والجامعات والمعسكرات. وهو ما خلق اعلاما مضادا جبارا لم تستطع معظم الأنظمة العربية الوقوف امام مده الزاخر. لم يبق سوى وسيلة واحدة الا وهي غلق مصادر الاتصال تلك وايقافها. فتم ايقاف الموبايل والفيسبوك والانترنيت وملحقاتها في عدد من البلدان التي حصلت فيها التظاهرات السلمية تلك. لكن هذا الحل يعني في النهاية تعطيل الحياة برمتها، وبذلك حكمت تلك الأنظمة على نفسها بأنها ضد الحياة وخارج التاريخ، لأن مهمتها هذه مستحيلة وغير منطقية. وتقودنا هذه الحقيقة الى ان من يستخدم ثمار التكنولوجيا في الثورة هم جيلها بالتحديد. الغالبية من المتظاهرين هم من جيل الشباب، الجيل الذي لم يلوث بالآيديولوجيا.

جيل نشأ بعيدا عن جعجعة الشعارات الكبيرة التي سادت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وهو الجيل الذي نشأ في احضان الحداثة، لا على صعيد التكنولوجيا فقط بل ايضا الملابس، الموضات، الفيديو كليب، الحلم بالسفر الى العالم، تعلم اللغات الأجنبية. الجيل الذي يكاد يشارك البشرية بانتمائها الى كوكب الأرض، لا الى بقعة جغرافية صغيرة فقط، او هوية دينية بعينها او ارث حضاري بائد. جيل الانفتاح او الطامح الى الانفتاح. ترتب على حقيقة الانفتاح ان هذا الجيل يؤمن بالهوية الوطنية العابرة للقبائل والطوائف والأديان، كما حدث في مصر واليمن وتونس، وهو توجه يرعب السلطات الحاكمة التي كانت تستخدم هذه الأوراق لتمتين بقائها في سدة السلطة.

والشباب في تلك البلدان مشغولون ايضا بالهم اليومي، بالخدمات، بالاصلاح للحياة التي يحيونها. اصلاحها بتوفير العمل، والتعليم، والصحة، والمشاركة في صناعة مستقبلها، وهذا ما شاهدناه في لافتاتهم وشعاراتهم ونداءاتهم. لقد تجاهلت الشعارات القومية الكبيرة، ومحاربة الاستعمار، والقضاء على اسرائيل، والدعوة لحروب التحرير وغيرها من شعارات سادت قبل عقود. وكان شعار الشعب يريد الاصلاح شعارا مشتركا بين مدن عربية كثيرة، من شمال افريقيا وحتى الخليج. فالسكوت على نمط الحياة المتكلسة لم يعد ممكنا، والتعطش الى ان يعيش الفرد كغيره من شبيبة العالم الحر المتحضر همّ يشترك به الجميع في أرض العرب. من هنا ليس من المبالغة القول ان المنطقة تعيش تحولات تاريخية كبرى، قد تغير الخارطة في مساحات شاسعة، اجتماعية وسياسية وثقافية، وهذا هو بالتأكيد، جوهر الحداثة المعاصرة.

المستقبل

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...