الرئيسية / صفحات مميزة / أهداف الاتفاق الروسي الأميركي حول سورية.. وتداعياته –مقالات مختارة-

أهداف الاتفاق الروسي الأميركي حول سورية.. وتداعياته –مقالات مختارة-

تفاؤل في غير محلّه/ عمر قدور

ينطلق متابعو الشأن السوري من تفاهم ترامب- بوتين على وقف إطلاق النار في جنوب سورية، في لقائهما على هامش قمة العشرين، لبناء تفاؤل بقرب تحسّن في مقاربة الملف السوري، باعتبارها المرة الأولى التي يتفق فيها اللاعبان الكبيران على وقف للنار. أيضاً، لا يُستبعد لدخول إسرائيل طرفاً في التفاهم أن يزيد من صدقيته والآمال المعقودة عليه، مع أن إدارة ترامب سرعان ما أبدت تحفظات على الحماسة الروسية لإنشاء مركز مراقبة مشترك لتنفيذ الاتفاق المذكور، وهو ما يذكّر بانهيار التفاهم الذي عُرف بتفاهم لافروف- كيري حول مدينة حلب، وأدى انهياره آنذاك إثر تحفظ الاستخبارات الأميركية ووزارة الدفاع، إلى هجوم روسي نتجت منه استعادة النظام سيطرته على كل المدينة.

لكن هذا التفاؤل لا تسنده حماسة من إدارة ترامب للخوض في مجمل الملف السوري، بل نُقل عن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ما مفاده ترك مصير بشار الأسد لموسكو كي تتحمل تبعاته، ولا يخفى طبعاً أن هذه النقطة محورية في القضية السورية. وإذا كانت الصفقة المتعلقة بتنحي بشار مطلوبة روسياً، فالثمن لم تكن مستعدة إدارة أوباما لدفعه، ولا تبدو إدارة ترامب في هذا الوارد حالياً، أو حتى في المستقبل المنظور مع تداعيات فضائح التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية.

لقد سبق أن انتعشت الآمال أكثر من مرة مع مفاوضات كيري- لافروف، ثم انهارت إلى الحضيض، وسبق أن انتعشت مع ضربات محدودة وجهتها إدارة ترامب لقوات بشار الأسد قبل انهيارها مع تصريحات أميركية تنص على إبقاء الأسد إلى أجل طويل.

إننا في هذه الحماسة المتكررة ننسى ما تتكفل بكبحه، فالخطوط العامة لسياسة ترامب غير مبنية على التدخل الخارجي، باستثناء المقتضيات الحيوية للأمن القومي، وهذه الأخيرة قد تكون فاعلة في ملف كوريا الشمالية مثلاً أكثر بكثير من سورية أو أوكرانيا. أما في الملف الإيراني فالإدارة مشتركة عملياً مع حكم الملالي في التصدي لـ «داعش»، مع استسلام تام للهيمنة الإيرانية على العراق، ولم تكن هناك شروط صارمة من قبلها لقاء مساندتها الحشد الشعبي وسواه من الأجهزة التي تغلب عليها التبعية لطهران. بداية الاشتباك في سورية لا تعدو كونها استنساخاً إسرائيلياً للاتفاق الذي تلا حرب تموز (يوليو)، أي إبعاد الميليشيات الشيعية عن الحدود الإسرائيلية للمسافة نفسها (40 كيلومتراً).

يجدر الانتباه هنا إلى الحذر الأميركي إزاء التورط «المشتهى» من قبل العديد من الأطراف، فالسياسة الأميركية تمسك عصا تدخلها من المنتصف، وقاومت خلال سنوات محاولات «صديقة» من أجل وجود أكثر فاعلية. بل يمكن القول إنها قاومت محاولات روسية عديدة لجرها إلى انخراط أكبر، أو جرها إلى مواجهة محدودة وبالوكالة تقتضي تسوية كبرى بعدها.

ومما لا ينبغي نسيانه أن هذه الإدارة في موقع عجز لم تشهده إدارة سابقة إزاء العلاقة مع روسيا، فهي بسبب فضائح التدخل الروسي في الانتخابات غير قادرة على تنفيذ رغبتها في تطوير العلاقة مع موسكو، ولا ترغب بالتأكيد في الانقلاب على تلك الرغبة والدخول في مواجهة كبرى معها. فوق ذلك، يبدو بوتين في موقع يتيح له قدراً معقولاً من الابتزاز، إذ يمسك العقدة التي تلم خيوط تدخله في الانتخابات الأميركية، ولا يُستبعد قيامه بتسريب معلومات قد تطيح ترامب، أو تغرقه بمزيد من الفضائح والشلل السياسي، إذا أحس الأول بإفلاس رهانه على الثاني.

يصادف في هذه الأثناء أن يطالب لافروف وفد المعارضة في جنيف بالتخلي عن مطلب الانتقال السياسي، وحتى بمشاركتها حكم الأسد وفق الدستور الحالي. هذا ليس استعراضاً لفظياً من الوزير الروسي، هي لهجة المنتصر ضمن هذه الحدود الضيقة، وضمن ثقته من أن إدارة ترامب لن تُقدم على أي تصرف خارج سياستها المعتادة، فالخلاف الآن على حدود مناطق النفوذ وترتيباتها يستثني أصلاً وجود حل شامل للقضية السورية، ويستثني مصير الأسد الواقع ضمن منطقة النفوذ المشتركة الروسية- الإيرانية.

الرهان الروسي، كما كان خلال سنوات، يتلخص في إضاعة الوقت أمام الفصائل التي تقاتل الأسد وداعميها الإقليميين، ثم تركيز الهجوم على بقعة معينة وتحقيق تقدم فيها. مع تمييع مفاوضات جنيف وإغراقها بالتفاصيل، ثم محاصرتها بمفاوضات جانبية بغية التخلص من المظلة الدولية وقرارات مجلس الأمن. سياسة القضم التدريجي هذه كانت ولا تزال نافعة أمام سياسة أميركية ترفض التورط، وهناك رهان روسي صائب حتى الآن على عدم وجود تغيير في السياسة الأميركية في الأمد المنظور، فأي تغيير لن يحصل إلا إذا أطيح ترامب من الرئاسة، وهو احتمال يستغرق وقتاً تحتاجه الآلة العسكرية الروسية والإيرانية لاستكمال سيطرتها على مناطق وممرات عسكرية ضرورية لهما.

من المؤسف أن يعاكس الواقع التفاؤل والتكهنات المرافقة له، لأن أعلى حالات التفاؤل بإنهاء القتال تبدو مبنية على فرضية رضوخ المعارضة أخيراً لما رفضته خلال السنوات الماضية، تحت طائلة الوقوع مجدداً تحت ضغط روسي مدعوم بلامبالاة دولية وإقليمية. في الأمد القريب ليس إلا قد يظهر تهافت الرهان على إدارة ترامب، فأزمة الأخير دخلت طوراً جديداً مع تقديم طلب من نائبين ديموقراطيين للمباشرة في إجراءات عزله، ومهما كان ذلك صعباً نظرياً بوجود غالبية جمهورية تهيمن على مجلسي النواب والشيوخ إلا أن الانتقال إلى هذه المرحلة من الضغط لا يأتي اعتباطاً.

ما هو مؤسف فضلاً عن ذلك أن طبيعة الوجود الأميركي في سورية ضمنت من قبل وتضمن الآن عدم وجود أي تحرك إقليمي مضاد لبشار الأسد يكون مستقلاً عن السياسة الأميركية، وينبئ الفتور الإقليمي العام إزاء القضية السورية بالتسليم بهذا القدر. أغلب الظن أن بشار الأسد مقبل على فترة هي الأفضل له منذ بداية الثورة، إذ لا تهديد من أي نوع لحكمه، ولا أفق لصفقات كبرى تنص على تنحيته. سيكون من الحصافة الانتباه إلى ذلك بدلاً من تعميم تفاؤل يليه إحباط أشدّ. هذا لا يعني أن يكسب الأسد رئاسة مؤبدة بعد أبيه، لكن لا يزال لديه متسع من الوقت لقهر السوريين، وتلك قد تكون المتعة الأعز الممنوحة له بسخاء.

الحياة

 

 

 

 

أهداف اتفاق هامبورغ الروسي الأميركي حول سورية.. وتداعياته

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

توصل الرئيسان؛ الروسي فلاديمير بوتين، والأميركي دونالد ترامب، على هامش قمة دول الاقتصاديات العشرين الكبرى (G20) إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في جنوب غرب سورية، يشمل مناطق القتال في محافظتَيْ درعا والقنيطرة، ويبدأ تنفيذه يوم التاسع من تموز/ يوليو 2017. وجاء الاتفاق نتيجة مسارٍ تفاوضيٍّ بعيدٍ من الأضواء، جرى بين خبراء روس وأميركيين وأردنيين في العاصمة الأردنية عمّان، لم تكن إسرائيل بعيدةً منه، لوضع ترتيباتٍ أمنيةٍ تشمل جنوب سورية الغربي، تؤمن حدود الأردن وإسرائيل، وتمنع إيران من الاقتراب منها. وهذا هو هدف الاتفاق الرئيس بالنسبة إلى الدولتين.

ويعد هذا الاتفاق الأخير في سلسلة اتفاقاتٍ روسيةٍ أميركية، هدفها فرض وقف لإطلاق النار في سورية، أو في أجزاء منها، والسماح بدخول مساعدات إنسانية إلى مناطق القتال أو المناطق المحاصرة، كان أبرزها اتفاق 27 شباط/ فبراير 2016 (على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن) واتفاق 9 أيلول/ سبتمبر 2016 (في جنيف) اللذيْن وضع أسسهما وزيرا الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي السابق جون كيري، فما الذي ينصّ عليه الاتفاق الجديد؟ وما أهدافه؟ وكيف يختلف عن غيره، وما فرص نجاحه؟

نص الاتفاق

بحسب وزير الخارجية الروسي؛ سيرغي لافروف، ومصادر أردنية وأميركية، ينص الاتفاق على وقف إطلاق النار على طول خطوط تماسّ يتم الاتفاق عليها بين النظام السوري والقوات المرتبطة به من جانب، وقوات المعارضة المسلحة من جانب آخر، على أن يكون ذلك خطوةً في اتجاه الوصول إلى خفضٍ دائمٍ للتصعيد في جنوب سورية، يُنهي الأعمال العدائية، ويسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى هذه المنطقة. كما ينص الاتفاق على إنشاء مركز مراقبة في العاصمة الأردنية، عمّان، وتُراقَب الهدنة عبر أقمار صناعية وطائرات من دون طيار. ولحفظ الأمن، تنشر روسيا عناصر من شرطتها العسكرية في المنطقة.

هدف الاتفاق

تمثل الهدف الرئيس للاتفاق الذي تم الإعلان عنه في هامبورغ (ألمانيا)، وعُدّ أبرز نتائج القمة الروسية- الأميركية الأولى بين ترامب وبوتين، في إبعاد إيران والمليشيات المرتبطة بها عن خط الحدود السورية مع الأردن وإسرائيل. ولهذه الغاية، استضاف الأردن، منذ أيار/ مايو الماضي، محادثات روسية- أميركية على مستوى الخبراء، هدفها التوصل إلى اتفاقٍ يمنع وجود مجموعاتٍ تهدّد أمن الأردن؛ تكون مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو مليشيات تتبع إيران. وكانت ساحة الصراع في سورية شهدت، خلال الشهور الثلاثة الأخيرة، سباقًا محمومًا على الأرض بين مختلف القوى المحلية وداعميها الإقليميين والدوليين، للسيطرة على أكبر قدر ممكن من المساحة الجغرافية السورية؛ لفرض وقائع سياسية وميدانية، تسبق انهيارًا محتملًا لتنظيم الدولة الإسلامية في مناطق سورية الشمالية والشرقية، أو تفرض وقائع على الأرض، قبل تسويةٍ سياسيةٍ ممكنة للصراع المستمر منذ نحو ستة أعوام. وتمثلت أبرز مظاهر الصراع في سعي إيران إلى إنشاء “كوريدور”، يربطها جغرافيًا بسورية عبر العراق، وصولًا إلى لبنان، من خلال السيطرة على الأراضي التي يخسرها “داعش” في غرب العراق وشرق سورية. وتأمين تموضع إيران على الحدود مع فلسطين المحتلة يسمح لها بنافذة تطل منها على الصراع العربي- الإسرائيلي، ويجعل منها لاعبًا لا غنى عنه في أي تسويةٍ مستقبليةٍ له. وقد اصطدم هذا المسعى الإيراني بمقاومةٍ أميركيةٍ، عُبِّر عنها في أكثر من مناسبة، حين قصفت طائراتٌ أميركيةٌ قوات موالية لإيران، كانت تحاول التقدم في اتجاه معبر التنف الإستراتيجي على الحدود السورية مع العراق والأردن، حيث تتمركز فصائل سورية معارضة مدعومة من واشنطن.

حاولت إسرائيل، من دون توقف، منع إيران من إنشاء وجود لها في مناطق جنوب سورية القريبة من حدودها، واستهدفت أكثر من مرة مراكز عمليات وخلايا تابعة لإيران في المنطقة، كان أبرزها الغارة التي وقعت في القنيطرة في شباط/ فبراير 2015، وسقطت فيها خلية تابعة لحزب الله، على رأسها جهاد مغنية، نجل القيادي في حزب الله عماد مغنية الذي اغتيل في دمشق مطلع عام 2008، كما استهدفت إسرائيل قادة آخرين في حزب الله، مثل سمير القنطار ومصطفى بدر الدين، كانوا، كما تدّعي إسرائيل، مسؤولين عن إنشاء وجود عسكري إيراني على حدودها الشمالية مع سورية.

وقد زادت وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في العمق السوري خلال الشهور الأخيرة، ونالت مواقعَ مختلفةً مرتبطة بإيران، شملت محيط العاصمة دمشق ووسط البلاد وجنوبها؛ ففي 27 نيسان/ أبريل 2017، استهدفت الطائرات الإسرائيلية مستودع أسلحة لحزب الله اللبناني وخزانات وقود للطائرات في محيط مطار دمشق الدولي. وكانت تقارير إعلامية أفادت بأنّ أربع طائرات شحن؛ ثلاثٌ منها إيرانية والرابعة سورية، كانت قد وصلت إلى مطار دمشق من إيران قبل الضربة الإسرائيلية بنحو ساعتين. وفي 22 نيسان/ أبريل 2017، استهدفت طائرات إسرائيلية معسكرًا تابعًا “لقوات الدفاع الوطني”، وهي تنظيمٌ شبه عسكري تابع للنظام السوري في محافظة القنيطرة؛ ما أسفر عن مقتل ثلاثة أفراد. وفي 17 آذار/ مارس 2017 استهدفت طائراتٌ إسرائيليةٌ موقعًا قرب تدمر وسط سورية، يحتوي على صواريخ متطورة؛ ذكرت تقارير أنّها كانت معدّة لنقلها إلى حزب الله في لبنان. وقد مثّل تزايد وتيرة الهجمات الإسرائيلية على أهداف مرتبطة بإيران داخل الأراضي السورية مؤشرًا مهمًا على إصرار إسرائيل على منع أي وجود إيراني في مناطق قريبة من حدودها، أو تطوير قدرات عسكرية إيرانية قريبة منها، تمثل تهديدًا لها. وينطبق الأمر نفسه على الأردن الذي أخذ يحذّر، أخيرا، من أي محاولة إيرانية للاقتراب من حدوده الشمالية مع سورية.

“مثل الاتفاق انخراطًا أميركيًا أكبر في الصراع السوري، وأعاد تأكيد حقيقة أن لا حل في سورية من دون الولايات المتحدة الأميركية”

تعثر “أستانة” وفشل مساعي السيطرة على درعا

مثل اتفاق هامبورغ ذروة الفشل في مساعي إيران إحكام سيطرتها على مناطق جنوب سورية، ومنذ الإعلان عن مناطق خفض التصعيد في اجتماع أستانة 4، الذي عقد مطلع شهر أيار/ مايو الماضي، ودخوله حيز التنفيذ في السادس من الشهر نفسه، وإيران تسابق الوقت لاستعادة السيطرة على أكبر مساحةٍ ممكنةٍ من مناطق جنوب سورية، عبر فرض “مصالحاتٍ” محلية، ومحاولة الوصول إلى الحدود السورية مع الأردن لإغلاقها، بغرض حصار المعارضة في درعا، ومنع سبل الإمداد عنها. لكن إيران لم تفشل عسكريًا فقط في تحقيق أيٍّ من هذه الأهداف، قبل التوصل إلى اتفاقٍ لترسيم خطوط التماس في مناطق خفض التصعيد، بل فشلت مساعيها أيضًا خلال مؤتمر أستانة 5 الذي عقد في العاصمة الكازاخية يومَيْ 5 و6 يوليو/ تموز الجاري، في تأمين وجود عسكري لها على الأرض في المنطقة الجنوبية، بموجب اتفاق أستانة 4، بعدما رفضت روسيا التي كانت منخرطةً في محادثات بعيدة من الأضواء في عمّان مع الأميركيين الاستجابة للمطلب الإيراني، والذي جاء على شكل مسعىً لإعادة النظر في حدود التماس في منطقة خفض التصعيد في الجنوب، حيث تتولى الدول الأطراف في الاتفاق نشر قواتٍ لها في كل منطقة متّفقٍ عليها.

لم ينجح اجتماع أستانة أخيرا إلا في الاتفاق على ترسيم حدود المنطقتين الخاصتين بالغوطة الشرقية قرب دمشق ومنطقة شمال حمص، في حين فشل التوصل إلى اتفاق بين روسيا وتركيا حول حدود المنطقة الشمالية (إدلب وأجزاء من محافظات حماة وحلب واللاذقية)، وبين روسيا وإيران حول حدود المنطقة الجنوبية (أجزاء من محافظات درعا والقنيطرة والسويداء). وكانت الدول الراعية لمسار أستانة اتفقت على إقامة مراكز مراقبة، بمشاركة روسية وتركية وإيرانية في شمال سورية وجنوبها ووسطها، لكن اتفاق هامبورغ وضع المنطقة الجنوبية تحت مظلة الاتفاق الروسي- الأميركي، وبذلك جرى استبعاد إيران منها. وبهذا، أصبح واضحًا كيف ستتم إدارة مناطق خفض التصعيد، إذ سيكون الإشراف على منطقة خفض التصعيد في الشمال من الجانبين الروسي والتركي، بينما سيؤدي الجانبان الأميركي والروسي وكذلك الأردني، الدور الأبرز في تنفيذ الاتفاق جنوبي البلاد في بعض أجزاء محافظتَيْ درعا والقنيطرة، بينما يؤول تنفيذ الاتفاقية، والرقابة عليها في محيط دمشق، إلى روسيا وإيران، وهذا يعني عدم خفض التصعيد في هذه المنطقة، لأنه لا يوجد طرفٌ دوليٌّ أو إقليميٌّ مقابل إيران وروسيا فيها. وهذا يعني استمرار عمليات النظام فيها مستقبلًا.

 

الرابحون والخاسرون

مثل اتفاق هامبورغ انخراطًا أميركيًا أكبر في الصراع السوري، وأعاد تأكيد حقيقة أن لا حل في سورية من دون الولايات المتحدة الأميركية، لكنه في المقابل أقرّ بدور روسيا القيادي أيضًا، فروسيا هي الطرف الوحيد المؤثر في كل مناطق خفض التوتر من الشمال إلى الجنوب، وستكون موجودةً على الأرض فيها جميعًا. ويبدو أن الانخراط الأميركي يهدف إلى خدمة السياسة المزدوجة العامة للولايات المتحدة في المنطقة، والتي تقوم على احتواء إيران وهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. فمن جهةٍ؛ نجح الاتفاق في إبعاد إيران من حدود حليفَيْ واشنطن في الجنوب السوري (إسرائيل والأردن)، مع استمرار جهد احتواء مساعي طهران الرامية إلى الاستفادة من انحسار رقعة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في غرب العراق وشرق سورية. ومن جهة أخرى؛ يمهد اتفاق هامبورغ لتنسيقٍ أكبر بين واشنطن وموسكو فيما يتعلق بالصراع في سورية، يؤدي، في نهاية المطاف، إلى القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية. ووفقًا لتقارير، نص اتفاق هامبورغ على إبعاد المليشيات الإيرانية 30 كيلومترًا من الحدود الأردنية- السورية، كما يتولى أطراف الاتفاق تطهير المنطقة من أي تنظيماتٍ متشددة أيضًا.

ومن زاوية جديدة؛ قد يمثل الاتفاق اقترابًا من فكرة المناطق الآمنة في سورية، والتي طرحها الرئيس ترامب عند وصوله إلى السلطة لحل مشكلة اللاجئين؛ ففي حال جرى تنفيذه، من المتوقع أن يساعد الاتفاق الأردن على إعادة عشرات آلاف اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وخصوصا من مخيم الزعتري، وهو ما قد تفعله أيضًا تركيا ولبنان ودول أخرى.

“يحقق الاتفاق لكل طرفٍ من الأطراف المعنية به مصلحة ما، وهو في الواقع أقصى ما يمكن لها تحقيقه في ظل موازين القوى القائمة حاليًا”

وبهذا، يمكن النظر إلى الاتفاق باعتبار أنه يحقق لكل طرفٍ من الأطراف المعنية به مصلحة ما، وهو في الواقع أقصى ما يمكن لها تحقيقه في ظل موازين القوى القائمة حاليًا. أما السوريون، وهم الأطراف الأصيلة في هذا الصراع، فقد وجدوا أنفسهم – نظامًا ومعارضةً – على الهامش؛ إذ جرى التوصل إلى الاتفاق في غيابهم، ومن دون أدنى اهتمامٍ برغباتهم. وفوق ذلك، ازدادت هواجسهم؛ إذ يجري تقسيم بلادهم إلى مناطق نفوذ تنتشر فيها قوات أجنبية على امتداد الشريط الغربي للبلاد، من الشمال إلى الجنوب، بينما يستمر تمدّد قوات حماية الشعب الكردية في الشرق والشمال الشرقي، في سياق الحرب على تنظيم الدولة.

خاتمة

يقوم اتفاق هامبورغ على حصر الصراع السوري حاليًا في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، مفترضًا أن التركيز سوف ينصبّ بعد ذلك على كيفية إدامة حالة الهدوء من خلال حل سياسي عادل، لا يمكن من دونه تحقيق استقرار مستدام وسلام دائم. فالهُدَن، واتفاقيات وقف إطلاق النار ليست وضعًا مستدامًا، وإذا لم تكن مقدمة لحل، فسوف تكون مقدمة لاستعادة النظام وحلفائه هجومهم مستقبلًا.

ويتطلب هذا الحل، في رأينا، التعامل مع أكثر العقد التي تواجه مستقبل سورية أهميةً وصعوبة، وفي مقدمتها محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب، وتحقيق العدالة الانتقالية، وإطلاق سراح المعتقلين، والكشف عن مصير المختفين قسرًا والمخطوفين، وعودة اللاجئين، وإلغاء كل آثار التغيير الديموغرافي، وتحقيق مصالحة وطنية، والتوجه نحو بناء نظام سياسي تعدّدي أساسه المواطنة، يساعد في إبقاء سورية دولةً موحدة بعيدة من التدخلات الأجنبية والاستقطابات الإقليمية والدولية.

 

 

هل انتهت المغامرة الروسية في سورية؟/ غازي دحمان

لعل أهم إنجاز روسي، بنطر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تحقّق من اتفاق الجنوب السوري مع الرئيس دونالد ترامب أنه استطاع فتح ثغرة داخل الإدارة الأميركية تسمح بأحد خيارين: إما أن تكون هذه الثغرة بداية انفتاح أبواب واشنطن أمام روسيا ومناقشتها ومشاركتها في القضايا العالقة معها، أو زرع لغم ينفجر داخل الإدارة ويخلق صراعات بين أركانها يتيح لبوتين التحرك بسهولة أكبر في خرائط الأزمات الدولية.

لكن ماذا لو لم يحصل أحد الاحتمالين، بحيث أن الإدارة الأميركية اكتفت بهذا الاتفاق، على ما هو ظاهر حتى اللحظة، بل وذهبت إلى توكيل الأردن وإسرائيل لمتابعة ترتيباته وإجراءاته، بالتالي إخراج نفسها من أي استحقاقات مستقبلية، وبالتبعية لم تحصل أي توتّرات في العلاقة بين الأجنحة والتيارات في إدارة ترامب؟

تشكّل هذه الاحتمالات في حال تحقّقها ضربة غير مسبوقة لبوتين، فهو للمرّة الأولى يقدم على خطوة بهذا العمق في سورية، وكان قبل ذلك اعتمد سياسة الصبر والإمساك بأكبر قدر من مسارات الحرب السورية انتظاراً لنضوج التسويات التي اعتقد انه سيكون المتحكِّم بخيوطها ويجبر واشنطن على دور شرفي ديكوري لا يتعدى اعترافها بنهائية السيطرة الروسية على الإقليم السوري.

أن يشكّل خطأ تقديرات بوتين مغامرة فتلك مسألة بنيوية لها علاقة بوضع روسيا وواقعها في ميزان القوّة العالمي، فروسيا دولة ما زالت في طور بناء قوّتها ليست لديها إمكانات الدول العظمى والتي إضافة الى ثراء عناصر قوتها فإنها تملك مساحة واسعة من الخيارت والأوراق التفاوضية تدعم بها مواقفها وتسند بها تحركاتها.

وإذ لا تمتلك روسيا مثل هذه المزايا، إلا في خيالات وأوهام بعض رجالات الكرملين، فإنها بسبب قلة أوراقها وضيق خياراتها تعتبر أن كل ورقة تملكها كافية لتسوية جميع ملفاتها الخلافية مع العالم، من جزيرة القرم في أوكرانيا إلى تمدّد حلف الأطلسي على حدودها، وثبت أن هذا أمر لا يمكن ترجمته وتصريفه سياسياً لذلك تتحول القضايا العادية إلى أزمات مستدامة نتيجة هذه الحسابات المعقّدة.

ويذكر الجميع العروض التي قدّمتها دول الخليج العربية لروسيا كي تتخذ مواقف متوازنة من الأزمة السورية، وأثار موقفها هذا الاستغراب والشك لدرجة ذهب البعض معها إلى اعتبار أن روسيا عادت لزمن المواقف المبنية على الإيديولوجيا، غير أن الحقيقة التي تكشّفت بعد ذلك أثبتت وجود فارق شاسع بين تقدير روسيا للأوراق التي تملكها ورؤية وتقدير الآخرين لتلك الأوراق، وهذه إشكالية من شأنها تخريب أي عملية تفاوضية لأن أي طرف مقابل لروسيا سيجد نفسه أمام معادلة خاسرة غير مضطر للقبول بها في الوقت الذي تتوافر له بدائل، او حتى يمكن صناعتها، بأثمان أقل مما تطلبه روسيا.

لا شك في أن تراكب الإشكاليات البنيوية للقوّة الروسية مع طرائق إدارة صراعات موسكو مع اللاعبين الآخرين كفيلة بإنتاج مركب المغامرة الذي يشكل وزناً معتبراً في السلوك الروسي الحديث، فقد انبنت جميع تحركات موسكو على مغامرة واضحة ومزيج من النزق والتهوّر لم يكن في الإمكان إخفاءهما، وهو ما يشبه سلوك دولة إقليمية ليست لديها الثقة الكاملة بتصرفاتها.

ولكن ماذا لو أن واشنطن اعتبرت أنها دفعت ثمن الاتفاق مع روسيا عبر الاعتراف بها طرفاً مقرّراً في سورية، وبخاصة أن هذا الأمر لطالما شكل هدفاً عزيزاً على قلب موسكو، بالتالي تصبح واشنطن هي التي في موقع من ينتظر من روسيا دفع الاستحقاقات المترتبة عليها؟

والأمر ليس تخميناً، بل ثمّة مؤشرات عديدة على أن واشنطن بالفعل تسعى إلى تطوير الاتفاق بهذا الاتجاه، وبخاصة بعد أن صرّحت إدارة الرئيس ترامب بأنها تطمح لاستنساخه على بقية المناطق السورية، بما يعني حصر التفاهمات بين روسيا وأميركا وإبعاد إيران، ليس سياسياً وحسب، بل مادياً عبر إخراج ميليشياتها من تلك المناطق كما حصل في اتفاق جنوب سورية، بل أن واشنطن تذهب أبعد من ذلك في ما يخص الترتيبات الواجب إجراؤها لتهيئة المناخ اللازم لحل الأزمة في سورية، عبر تحديد مصير بشار الأسد ووضع إطار زمني لخروجه لا يتعدى المرحلة الانتقالية على ما صرح وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، وعلى رغم رد بوتين العصبي لا يبدو أن كلام الوزير الأميركي يدخل في إطار توقعاته من روسيا بقدر ما هو نتيجة تفاوضية صريحة جرت خلال لقاء ترامب – بوتين.

لقد مارست روسيا، منذ تدخلها في سورية، سياسات تضليلية الهدف منها استنزاف الخصوم بالخدع، ولا شك في أنها استنزفت ما لديها من تكتيكات بهذا الخصوص، وتضع اليوم نفسها في قلب اتفاق ربما يرتب عليها استحقاقات أكبر من قدرتها على الالتزام بها، وفي حال استمرار سيرها بالاتفاق أو تراجعها عنه فإن المغامرة الروسية في سورية أمام شروط ووقائع مختلفة.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

لحظة سورية فارقة/ ميشيل كيلو

هل يمثل الاتفاق الروسي/ الأميركي بشأن المناطق مخفضة التصعيد في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء خطوةً نحو تسوية الصراع الدولي والإقليمي في سورية، أم هو جزء من الاحتجاز الدولي القائم منذ ستة أعوام في سورية؟ للجواب على السؤال، علينا ملاحظة التالي:

ـ الاتفاق هو الأول بين الدولتين، لا يشاركهما فيه أحد ولا ينضوي في مساري جنيف وأستانة، فإن تلته خطوات أخرى، كما هو متوقع، كرّس مساراً جديداً، ستتولى واشنطن وموسكو تحريكه، لمصلحتهما حصراً.

ـ بينما رسم الاتفاق خطاً أحمر لإيران بموافقة روسيا في جنوب سورية، وضعت أميركا خطاً أحمر لتركيا شمالها، في تفاهمٍ بين العملاقين على تقليص قدرة الدولتين المعنيتين على تعطيل توافقهما.

ـ خلو الاتفاق من أي دور للنظام والمعارضة، ومن دور عربي، في سياق انفراد الدولتين بما ستقومان به من خطواتٍ، وتحييد الأطراف الأخرى. إذا كان الأردن قد استثني من الاستبعاد، فبسبب مجاورته المنطقة، والحاجة إلى جيشه المدرب الذي سيراقب تنفيذ الاتفاق، ومساحات شاسعة جنوب سورية وشرقها.

ـ أنجز الاتفاق بعد تشكل كيانين، هما الأسدي الذي تنقذه روسيا من الانهيار، وقرارها حاسم فيه، والكردي الذي تدعمه واشنطن، وقرارها مصيري بالنسبة إليه، بينما يجسّد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية حالة فراغ وطني، لافتقاره إلى اعتراف داخلي فاعل به، وإلى علاقاتٍ دولية وإقليمية، كعلاقات الأسد بروسيا والكرد بأميركا، والتراجع الخطير في مكانته، وفشله في إقامة أوضاع ذاتية تقنع الدولتين الكبيرتين، بالتفاهم على تطبيق وثيقة جنيف وقرارات مجلس الأمن حول الحل السوري. من هنا أهمية الاتفاق على الجنوب، باعتباره أول خطوة مشتركة يقومان بها، غرضها إخراجه من الحرب إلى تهدئة مؤطرة في مشروع سياسي متفق على أسسه بينهما.

ـ منح الاتفاق مناطق خفض التصعيد ضرباً من استقلالية عبر فصلها بقوات أميركية/ روسية / أردنية عن النظام ومرتزقة إيران من جهة، وتمكينها من إدارة شؤونها بواسطة مجالس منتخبة ديمقراطياً، ستديرها بوصفها مناطق خاضعة للمعارضة، تعترف بها الدولتان، ستعالج في مرحلة تالية مشكلات سورية بالتعاون مع النظام. تفرض هذه الحقيقة على “الائتلاف” العمل لإقناع الشعب بانتخاب مجالس وطنية/ ديمقراطية تكون مستقلة، وتتبنّى مشروع الثورة الذي يطالب بالديمقراطية بديلاً وحيداً للأسدية، فإن توحدت وخضعت لقيادة مشتركة، غدت نواة سلطة ديمقراطية لكيانٍ ثالث، وطني ومعارض، مرجعيتها “الائتلاف” الذي يجب الإسراع إلى إصلاح أوضاعه، ليكون قادراً على مواجهة ما سيعترضها من صعوباتٍ كبيرة ومتنوعة. هل يبدأ “الائتلاف” بتركيز جهوده على خطط عملية، تهدف إلى إيصال وطنيين إلى المجالس، يوحّدهم برنامج سياسي مشترك يوضع لها، تصير معه جهة وطنية فاعلة تسهم، من موقع طليعي، بتمثيل شعبٍ قرّر التخلص من الأسد ونيل الحرية.

ـ بهذه المعاني، يمثل الاتفاق خطوة مهمة، سيقضي الوقوف ضدها على “الائتلاف” ممثلاً معترفاً به للسوريين. ولو كان صاحبا الاتفاق عازميْن علي تقسيم سورية، لما كان باستطاعة أحد إرغامهما على إقامة مجالس ديمقراطية منتخبة، هي سلطة موازية للأسد، بديله له في مناطقها.

أجيب الآن على سؤال البداية: نعم، سيخدم الاتفاق شعبنا السوري، إن تم التعامل معه فرصة جدية، لا شيء يمنعنا من دفعها في الاتجاه الذي نريده سياسياً اليوم، وتفاوضياً غداً، إلا إذا تمسّكنا بأوهامنا حول انتصارٍ صار في متناول أيدينا، وقدرتنا على تحقيق أهدافنا عبر خطوة واحدةٍ حاسمة، وتركنا المجالس للمذهبيين الذين دمروا الثورة لصالح النظام، وبدأت عناصرهم بالتشبيح في الجنوب، حيث قرّرت فرض “رسوم جمركية” على شاحنات نقل الخضار من حوران إلى دمشق، وعندما اعترض السائقون عليها، قيل لهم: “عم تدفعوا هونيك وبدكن تدفعوا هون، إذا بدكم تمروا”.

بالمجالس الديمقراطية الموحدة، وبانتهاج خط وطني يخدم مصالح جميع السوريين أينما كانوا، سيكون الاتفاق مكسباً للثورة، والمدخل إلى حلٍّ يوقف إبادة شعبنا، ويأخذه تدريجياً، وخطوةً بعد أخرى، إلى الحرية. أما في حال أهمل “الائتلاف” وأطراف العمل الوطني هذه الفرصة، كما فوّتوا غيرها، وبقوا غارقين في النق وبكائيات الرفض، فإن ما ينتطرنا لن يكون فقط تقسيم وطننا الذي تمنعنا أوضاعنا الراهنة من المشاركة في تقرير مصيره، بل زواله من الوجود. عندئذٍ، سيكون الجواب: ليس اتفاق الجنوب، ولن يكون أي اتفاق آخر، لصالحنا، لأننا لا نستحق وطناً نواصل نحره بأيدينا، ونتهم غيرنا بقتله.

العربي الجديد

 

 

 

تغيرات الميدان السوري/ حسين عبد العزيز

المشهد العسكري

صراع النفوذ

شهدت الساحة العسكرية السورية خلال الأعوام السابقة متغيرين رئيسيين، ساهما في تعديل مسار الصراع المحلي والإقليمي والدولي داخل سوريا. تمثل المتغير الأول في التدخل العسكري الروسي، بينما تمثل المتغير الثاني في اتفاق مناطق تخفيض التوتر.

وإذا كان المتغير الأول قد صب في صالح النظام بالمجمل على حساب المعارضة، فإن المتغير الثاني يتجه لصالح المعارضة أكثر من النظام، وإن بدت الساحة العسكرية في الظاهر تشي بانتصارات للأخير.

ذلك أن المتغير الثاني فتح الباب واسعا لصراع النفوذ الإقليمي/الدولي على سوريا، وهو صراع في مضمونه يقلص قوة النظام بالمعنى الإستراتيجي، رغم المساحات الجغرافية التي يسيطر عليها.

المشهد العسكري

أنهى التدخل العسكري الروسي في سوريا مرحلة الصراع الحاد بين النظام وفصائل المعارضة، مع إزالة خطر الأخيرة وإبعادها عن المناطق التي تعتبر حيوية بالنسبة للنظام في حلب واللاذقية وحمص، ليبقى الصراع محصورا في مناطق أقل أهمية من الناحية الإستراتيجية.

غير أن هذا التحول استلزم إعطاء فصائل المعارضة موقعا جغرافياً عبر تركيا يحمي المصالح التركية في سوريا، ويحمي تلك الفصائل، كما يحمي قوات النظام ما دام أن هدف منطقة “درع الفرات” ليس محاربة قوات النظام وإنما محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، ومنع إقامة تواصل جغرافي بين الكانتونات الكردية الثلاثة.

مع تحقيق هذه المرحلة أهدافها، بدأت روسيا البحث عن هدنة عسكرية تثبت الإنجازات السابقة وتفتح الباب لمرحلة جديدة من الصراع، لكن التدخل الأميركي العسكري البطيء في سوريا فتح أعين الكرملين على الأهداف الأميركية في الشرق والجنوب السوري، فسارعت موسكو إلى احتواء هذا التدخل بالتفاهم معها على إقامة مناطق خفض التوتر.

استغل الروس الفهم الأميركي للواقع العسكري السوري الذي يقوم على مبدأ أن صراع النظام/المعارضة يقوي تنظيم الدولة، إما على طريقة المعارضة التي ترفض وقف قتال النظام والانتقال إلى محاربة التنظيم، أو على طريقة النظام الذي يُقدم على تفاهمات غير مباشرة مع التنظيم تصب ضد المعارضة وتسمح للتنظيم بالتمدد.

ويمكن القول إن اتفاق مناطق خفض التوتر -الموقّع في بداية مايو/أيار الماضي- شكل المتغير العسكري الثاني في المشهد السوري، لينتقل الصراع على أثره إلى الشرق والجنوب، إنه الصراع على تركة تنظيم الدولة بعدما كان الأخير خلال الأعوام الثلاثة الماضية بعيدا إلى حد ما عن معارك النظام/المعارضة.

نجح النظام في السيطرة على مساحات جغرافية في ريف حلب الشرقي من يد التنظيم، ليسارع التمدد في اتجاهين: الأول نحو الشرق في عمق محافظة الرقة جنوبي نهر الفرات، والثاني في صحراء حماة على امتداد محافظة حلب والرقة، ونقاطه المهمة متمثلة في طريق أثريا/خناصر/الرصافة.

ونجح أيضا في السيطرة على مناطق واسعة في القلمون الشرقي، الذي يمثل الشريط الجغرافي الفاصل بين البادية شرقا والقلمون الغربي على الحدود السورية/اللبنانية، ثم التوسع في بادية السويداء. وفي الشرق؛ وقفت قوات النظام على الحدود مع العراق ضمن مسار عسكري يضع في أهدافه محافظة دير الزور، التي يبدو أن مصيرها حُسم لصالح النظام مع إعطاء المعارضة ربما حصة جغرافية بسيطة.

في مقابل هذه التطورات التي جاءت لصالح النظام؛ حققت فصائل المعارضة إنجازات عسكرية مهمة، فلأول مرة تحصل فصائل على دعم أميركي مباشر، تمثل في قواعد التنف والزقف والشدادي.

بعبارة أخرى، ستتم إعادة تكرار التجربة التي حدثت في حلب: النظام له حصته الجغرافية والمعارضة لها حصتها الجغرافية، وبين هاتين الحصتين يجري الصراع بين النظام والمعارضة كما يحدث الآن في بعض مناطق البادية. لكن الجديد في هذه المرحلة هو إبعاد الأطراف الإقليمية خصوصا إيران إلى الصف الخلفي، أي لن تتكرر تجربة العرقلة الإيرانية في درعا، ولذلك استبعد اتفاق الجنوب عن اجتماعات أستانا.

خصوصية الجنوب السوري بحكم تلاصقه الجغرافي مع الأردن وإسرائيل، هو الذي أدى إلى هذا الاتفاق الخاص. ويمكن التأكيد بمزيد من الثقة أن شكل ومضمون اتفاق الجنوب -عندما ينجز بصورة نهائية- سيحدد ماهية الصراع في عموم الشرق السوري، ومدى التفاهم الروسي/الأميركي في عموم سوريا.

ذلك أن هذا الاتفاق ليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، وإنما يتعدى ذلك إلى إجراء ترتيبات شبه مستدامة تؤسس لمرحلة ما بعد المعارك، مثل المساعدات الإنسانية، وفتح المعابر الحدودية التي قد تتطلب إشراك النظام فيها، تمهيدا للتسوية الكبرى.

باختصار، شكل اتفاق الجنوب ذروة التفاهم الروسي/الأميركي، وكشف أن التسويات الهامة لا تُعقد إلا بحضور هاتين الدولتين؛ إنه اعتراف أميركي بالدور الريادي لروسيا في سوريا، واعتراف روسي بأن أي اتفاق يحقق صفة الاستدامة لا بد من أن توقع عليه واشنطن، إنه صراع وتقاسم النفوذ.

صراع النفوذ

مما لا شك فيه أن انتهاء مرحلة الصراع بالوكالة والانتقال إلى مرحلة صراع النفوذ المباشر بين القطبين الدوليين، فرض وقائع سياسية وعسكرية مغايرة تماما للمرحلة السابقة.

 

فإذا كانت المرحلة السابقة تكثيفا للصراع الإقليمي في سوريا وظلت قائمة على مبدأ محو كل طرف للآخر، فإن مرحلة صراع النفوذ بين واشنطن وموسكو لا تقوم على مبدأ الإقصاء هذا، وإنما على مبدأ التعاون وتقاسم الحصص.

ويجادل هذا المقال بأن التدخل العسكري الأميركي المباشر يبدو مؤشرا على وصول الحرب إلى خواتيمها، بعدما أصبحت الجغرافيا السورية في معظمها مقسمة تقسيما واضحا بين الفرقاء الإقليميين والدوليين، وتتجه نحو استكمال التقسيم.

لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن الحرب ستنتهي قريبا، ذلك أن مرحلة تقسيم النفوذ لا تنفصل عن مسألة تحديد مصير النظام السوري، فالأمر ليس مجرد اقتطاع مناطق جغرافية بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر حلفاء محليين.

إن تثبيت نفوذ مستدام للقوى الإقليمية والدولية يتطلب إيجاد حل مستدام للأزمة السورية، ومن دون ذلك ستستحيل المناطق الجغرافية المسيطر عليها إلى مناطق استنزاف إستراتيجي لهذه الدول.

فمن دون أفق التسوية، لن تكون هناك أهمية تذكر لعملية وقف إطلاق النار ولا أهمية للمناطق المستقطعة من هنا وهناك، والولايات المتحدة -التي لا تريد الانخراط كثيرا في المستنقع السوري- لم تُقم قواعد عسكرية من أجل الاشتباك مع إيران وروسيا، وإنما لوضع مسار وقواعد عمل تمهد للمرحلة المقبلة التي تلي إسقاط تنظيم الدولة الإسلامية.

يمكن ملاحظة التركيز الأميركي على فصائل المعارضة السورية، بعد أن كان دعمها مقتصرا على الوحدات الكردية بداية الأمر، ثم على قوى عربية لها نفس الأهداف كما هو الحال مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وغيرها.

إن الدعم الأميركي المتزايد للجيش السوري الحرمرتبط في جزء منه بمعطيات الجغرافيا العسكرية، ولكنه في جزء آخر مرتبط بالمرحلة المقبلة، فإذا كانت مرحلة محاربة تنظيم الدولة تتطلب تركيز الدعم على “قسد”، فإن مرحلة ما بعد تنظيم الدولة تتطلب حسابات وخيارات أوسع من “قسد”.

وليس من قبيل الصدفة أن يترافق إعلان اتفاق الجنوب مع تصريحات أميركية حول مصير الأسد. ورغم أنها تصريحات عامة تحمل معاني كثيرة، فإنها توضح مسألتين هامتين: الأولى أن مصير الأسد لا يمكن أن يقرر بمعزل عن روسيا، والثاني أن الأولوية الأميركية الآن ليست للمسار السياسي (جنيف)، وإنما للمسار العسكري الذي سيخدم فيما بعد المسار السياسي.

ثمة مقاربة أميركية جديدة هنا ومختلفة عن مقاربة إدارة أوباما التي فصلت بين المستويين السياسي والعسكري، أي أن ما يجري على أرض الواقع لا يمكن ترجمته سياسيا، بينما ترى إدارة دونالد ترمب عكس ذلك، فما ينجز على الأرض سيحدد شكل التسوية السياسية.

هنا تكمن الأزمة السورية في حقيقتها؛ فصراع النفوذ القائم غير منعزل عن التسوية السياسية المنتظرة، ومناطق النفوذ الدولية داخل سوريا هي التي ستحدد موقع سوريا على الخريطة الإقليمية، بقدر ما تحدد أيضا طبيعة النظام السياسي المقبل.

ووفقا لذلك، يُعتبر تقاسم مناطق النفوذ الجغرافي في سوريا ضرورة ملحة لمنع الفوضى العسكرية، ولوضع سقف عسكري للفرقاء المحليين والإقليميين بما يناسب التفاهمات الأميركية/الروسية.

لكن هذه المهمة ليست باليسيرة على واشنطن وموسكو، فللوصول إلى تلك المرحلة يتطلب الأمر ترويض إيران مع الحفاظ على مصالحها، ولا يمكن تحقيق ذلك في بداية التفاهمات الروسية/الأميركية، بل على مستويات متدرجة وبطيئة، فموسكو لن تتخلى عن حليف قوي على الأرض قبيل اكتمال التفاهمات مع الولايات المتحدة.

إن تقاسم النفوذ الروسي/الأميركي قد يساهم في إنهاء الصراع العسكري، والتمهيد لمسار سياسي ينتهي بحل يكون انعكاسا للواقع على الأرض، لكن هذا التقاسم ستكون له تبعات إستراتيجية على موقع سوريا الجغرافي مستقبلا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة

2017

 

 

 

 

إتفاق الجنوب:انفتاح الأفق وانحسار إيران/ سميرة المسالمة

تحدد اتفاقية المنطقة الآمنة، في الجنوب السوري، والتي تضم محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، والموقعة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بمشاركة الأردن، ملامح الفصل ما قبل النهائي، ربما، في المأساة السورية، ليس لجهة الحل السوري المنشود، كما هو وفقا لمنظور المعارضة، وليس كما كان يتمناه النظام الحاكم ومعه إيران وروسيا (أحد الطرفين الأساسيين في الاتفاق)، لكنه كذلك وفقا لتراتبية الأطراف الدوليين والإقليميين في الصراع السوري؛ اذا قيض له أن ينفّذ، ليكون نقطة الانطلاق إلى اتفاقات أوسع قد تشمل المناطق ذات الصبغة المعارضة للنظام، على اختلاف مسمياتها، شمالاً وشرقاً وغرباً.

من هنا يمكن ان نفهم طبيعة ردود الفعل المختلفة والمرتبكة تجاه هذا الاتفاق، مؤخراً، سواء أتت من جهات اقليمية كإيران، أو من شخصيات أو فصائل معارضة، سياسية أو مسلحة.

بين هذا وذاك فإن اتفاق تخفيض التصعيد في الجنوب السوري يأتي بعيداً عن مدارات مفاوضات “آستانا” في جولاتها المختلفة، ليس لأنه يغرّد بعيداً عما تنتويه روسيا هناك، ولكن لأنه يأتي ضمن توافق دولي وإقليمي، على إيران، افتراقاً وليس تعاوناً، تحجيما وليس تدعيماً، وهذه هي نقطة التعويل التي لم تلتفت لها الأصوات السورية المترددة او المنددة، التي دعت إلى مقاطعة اتفاق الجنوب، متساوقة في ذلك مع الموقف الإيراني من حيث لاتدري، ومن دون الوعي بخبايا وانعكاسات ذلك على مجمل الصراع السوري، الذي بدأ يتبلور مؤخرا بالشكل الطبيعي له دولياً، أي بين القوتين الأساسيتين في سوريا والعالم، أي الولايات المتحدة وروسيا.

ولعله من المفيد التذكير أن هذا الاتفاق لا يأتي من فراغ، فهو حصيلة هزيمة مؤلمة كانت تكبدتها فصائل المعارضة المسلحة في حلب، قبل أشهر، تقهقر معها وجود المعارضة السورية لمصلحة النظام والمليشيات الإيرانية وروسيا، والمحصلة كانت تدمير أجزاء كبيرة من هذه المدينة، وقتل وتشريد معظم سكانها، وهي المدينة التي كان يعول عليها كثيرا في أي تسوية ممكنة بين الأطراف المتصارعة، سواء السورية منها أو الاقليمية والدولية. وبالرجوع إلى كل النداءات والمبادرات لوقف الاقتتال وفشلها، في حينه، مقابل إصرار بعض الفصائل المسلحة، وفي مقدمتها “النصرة”، على استمرار الاقتتال رغم أن نتيجته كانت محسومة، ومتوقعة، بالنظر إلى التفوق الجوي الروسي وجسر السلاح والقوى الطائفية، التي ساندت النظام في معركته، بينما وقفت مجموعة “أصدقاء سوريا” متفرجة، تحت بند عدم قدرتها على أن تشارك أو تساعد في معركة تقودها أو تعمل بها “القاعدة” المتمثلة بجبهة النصرة على أرض حلب.

على ذلك فإن تكرار تجربة الاستمرار في معركة، حتى لو كانت تميل لانتصار فصائل “الجيش الحر” في درعا، إلا أن ما حدث في حلب، أيضاً، هو سيناريو مشابه، يجب أن يؤخذ في عين الاعتبار، حيث كان يمكنهم هناك أن يتوجوا ذلك النصر بداية، باتفاق يجنّب أهالي حلب القتل وعمرانها التدمير ومن بقي منهم التهجير.

ولعلّ الجانب الأميركي وعى هذه النتائج مسبقاً في درعا، واخذ في الاعتبار تمدد النفوذ الإيراني في منطقة يعتبرها بمثابة خط أحمر، مع امتداد المنطقة الحدودية الشرقية مع العراق. وعليه فإن أول ملامح الاتفاق، الذي جرى بعيداً عن آستانة، هو ابعاد إيران عن المنطقة الجنوبية، كمقدمة لتفاهمات روسية أميركية أخرى، قد يكون من شأنها أن ترسم خاتمة للمأساة السورية المستمرة منذ سبع سنوات، وأن تؤسس ربما لتسويات سياسية، كانت قدمتها المعارضة ذاتها، من خلال رؤيتها للحل السياسي، التي أعلنتها في لندن (7 أيلول سبتمبر2016)، وتضمنت تقاسم السلطة (بين المعارضة والنظام).

قد تبدو الصراحة في طرح المواضيع موجعة لكن المبالغات، أيضاً، في طلب الصمود من الناس تحت القصف وفي ظل الموت اليومي، دون ارتكازات حقيقية يعتمدون عليها في مواجهة النظام والمليشيات التي تقاتل إلى جانبه والطيران الذي يحميه، هي مقامرة تمت تجربتها مراراً وتكرارا، وحصد السوريون وحدهم نتائجها الكارثية داخل بلدهم وفي دول النزوح واللجوء.

على ذلك يمكن تفهم الأصوات التي عارضت الاتفاق من باب حسن الظن بقدرة أهلهم في سوريا على الصمود، ولكن على هذه الأصوات أن تتفهم، أيضا، طبيعة الصراع الوحشي الدائر، وأن مثل هذه الصراعات لا تدار بالرغبات والتمنيات ولا بالمزايدات وانما بموازين القوى وبالمعطيات الدولية والإقليمية المحيطة وبقدرة الشعب على التحمل.

كما عليها أن تعرف أن السوريين وحدهم من يستطيع أن يترجم الاتفاق على أنه الخطوة الصحيحة لحل يبدأ من الجنوب، متخلصاً من إرهاب إيران ونفوذها وميلشياتها ليمتد إلى كل سوريا، هذا هو الموقف العملي والصحيح، بدل مسايرة موقف إيران في رفضها الاتفاق، الذي يستهدفها ويقوض آمال حليفها (“النظام”) في استرجاع سطوته وسيطرته إلى ما قبل انطلاقة الثورة وانفتاح الأفق على واقع سوري، بل وأمل سوري، جديدين.

المدن

 

 

 

 

الاتفاق الأميركي – الروسي في جنوب سورية ربما يكون بداية النهاية/ عبدالناصر العايد

الاتفاق الروسي – الأميركي حول منطقة آمنة في جنوب سورية، والاتفاقات الأخرى التي في طور التحضير، نقطة تحول حاسمة في القضية السورية، وقد تكون بداية نهاية القضية السورية في شكلها القتالي. فهو ينقلها إلى أعلى مستوى ممكن، ويحصر معالجتها بالقوتين العظميين، بالتالي يجعل كل اتفاق أو قرار بشأنها قابلاً للنفاذ، بعد أن علقت المبادرات والحلول لسنوات طويلة في الاستعصاء الذي فرضته توازنات القوة بين المتنازعين المحليين والإقليميين وتناقضاتهم، ودفع ثمنها الشعب السوري غالياً.

تمثل كل من الولايات المتحدة وروسيا معسكراً من المتصارعين في سورية وعليها، وهما قادرتان على تلافي التباينات داخل كل معسكر، وعلى فرض القرارات على الجميع، عبر تسوية سياسية، لم يعد من الممكن الفرار منها، في ظل المأزق الدموي الذي وصلت إليه البلاد، وهو استحالة انتصار أي طرف.

لقد أعلن الروس والأميركيون، أن الاتفاق الحالي لا علاقة له بما يدعى بمسار آستانة، وهذا مبدئياً كفّ يد كل من إيران وتركيا، وبداية عملية تحييد المتصارعين الأكثر عنفاً وإشكالية في الصراع، سواء كانت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، أو القوى السنية المتشددة، أو حتى الجزء المرتبط بحزب العمال الكردستاني من المقاتلين الأكراد.

وهي رؤية يبدو أن الجانب العربي المعني قد أبلغ بها باكراً سواء من الطرف الأميركي أو الطرف الروسي، ونالت رضاه، وهذا ما يفسر إلى حد بعيد الصمت والإحجام العربي غير المفهوم في سورية منذ أشهر طويلة.

الاتفاق الذي يشمل جنوب سورية حالياً يتضمن إخراج إيران وميليشياتها من هناك، من خلال حضور عسكري روسي على الأرض، ومراقبة عن كثب من طرف الأردن وإسرائيل لجديّة تنفيذ ذلك، ويتضمن من ناحية أخرى القضاء على جيوب «داعش» والنصرة في تلك المنطقة، وهو ما ستتكفل به واشنطن والقوى المرتبطة بها على الأرض.

الأمر عينه سينسحب على بقية المناطق، من ريف دمشق إلى حمص إلى الحدود الأردنية إلى الحدود مع العراق، وصولاً إلى شرق سورية الذي سيكون الحلقة الأخيرة والختامية من الصراع ومن التسوية معاً، نظراً الى تعقد وتجمع الملفات الحساسة هناك. فهو الملاذ الأخير لداعش، وهو مركز الملف الكردي في سورية، إضافة إلى كونه الجدار الفاصل بين النفوذ الإيراني في العراق ومناطق نفوذ إيران على المتوسط، وهذا إلى الموارد التي تكتنفها تلك المنطقة بوصفها «سورية الغنية» حيث النفط والماء.

بعد إخلاء الميدان السوري من القوى المتطرفة السنية منها والشيعية وكذلك الكردية، ينتظر أن يجري التفكير بترتيب بديل للأسد ونظامه، يرضي بعض المعارضة وفصائلها، ويراعي بعض متطلبات القوى الإقليمية التي تم إبعادها من دون استبعاد مصالحها بطبيعة الحال، ويؤمن بعض الاستقرار داخل البلاد، وسلطة أمنية عسكرية تستطيع منع ظهور القوى الإسلامية المتشددة مجدداً.

الرئيس بوتين الذي نال أخيراً ما سعى إليه لسنوات في سورية، وهو التعاون الأميركي في الملف العسكري، سيفعل كل ما في وسعه لإنجاح هذا الاتفاق وتطويره، وسيتخلى عن حذره الذي لازمه في السنتين الماضيتين خشية التورط وحيداً في الرمال المتحركة السورية، وهو يعرف جيداً ثمن هذا التعاون وإطلاق يده في مسألة تقرير مصير سورية، وهو إخراج الميليشيات الايرانية، الذي هو ليس فقط شرطاً أميركياً، بل مطلب عربي وإسرائيلي ملح.

لكن مواجهة إيران بمطلب مغادرة ميليشياتها سورية ليست سهلة، فهي ستمانع في البداية بلا شك، ثم ستطلب تعويضاً مجزياً لما قدمته طوال السنوات الماضية. والأمر لن يقتصر على نفوذ في سورية وتأسيس مركز قوى يحفظ مصالحها هناك، بل ضمان نفوذها في لبنان، من خلال ممر ما إلى حليفها «حزب الله».

تركيا أيضاً لن تخضع للإملاءات ببساطة، ستطلب أجوبة عملية عن سؤال الدولة أو الإقليم الكردي في جنوبها، ولديها أوراق قوة ستلعبها، ابتداء من وجودها العسكري المباشر في شمال حلب، وصولاً إلى علاقاتها القوية ببعض فصائل الشمال، مروراً بورقة اللاجئين الذين تحتضنهم.

بين هؤلاء وأولئك يقبع نظام الأسد والمعارضة السورية، وهما بحالة يرثى لها من البؤس والاعياء، ومن فقدان الفاعلية والقدرة الذاتية، بعد أن سلم كلاهما أوراقه للقوى الخارجية، التي ستقوم بالتوافق في ما بينها بصنع واجهة لنفوذها ومصالحها وأطماعها من ركام النظام والمعارضة، على شكل نظام قليل التماسك، يشارك فيه فقط من يكون له دور وظيفي لمصلحة تلك القوة أو تلك، ومن لا يكون كذلك سيجد نفسه حجراً ناشزاً وغير محتاج إليه، وسيلقى إلى الإهمال ويغيبه الصمت.

في البعيد البعيد، يقبع الشعب السوري صامتاً، خائر القوى محطم الاحلام، لا ينتظر شيئاً وغير راغب بشيء، سوى أن يتوقف الجميع عن طعنه.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

إسرائيل شريكة في خفض التوتر جنوب سوريا وإيران غربا/ علي الأمين

التفاهمات الأميركية الروسية في المنطقة الجنوبية الغربية لسوريا، تعيد الاعتبار للتعاون الروسي- الأميركي في هذا البلد، وهذا الاتفاق الذي يندرج ضمن صفقة المناطق المنخفضة التوتر في سوريا، أظهر أن أولوية الأمن الإقليمي تتقدم على ما عداها من عناوين التغيير السياسي في سوريا، رغم تأكيد وزير الخارجية الأميركية تيلرسون غداة إنجاز الاتفاق خلال لقاء الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في قمة العشرين في هامبورغ، أنّه لا يرى وجودا لبشار الأسد وعائلته في مستقبل النظام في سوريا، على أنّ ما اعتبره بعض المراقبين في الاتفاق الروسي الأميركي بمشاركة أردنية، أنه يعيد الاعتبار إلى نظام الأسد لا يعبر بدقة عن التوجه لدى إدارة ترامب تجاه مقاربة الأزمة السورية، فالإدارة الأميركية لا تبدو مهتمة في المدى المنظور بكيفية إعادة الاعتبار إلى النظام السوري سواء في ظل الأسد أو في ظل نظام سياسي جديد يبسط سلطته على كامل الأراضي السورية.

ما تشي به المعلومات المتداولة، أنّ الاهتمام الأميركي منصب على استمرار عملية إنهاء تنظيم داعش في الأراضي السورية، وتعزيز دور قوات سوريا الديمقراطية الكردية، وفي الجنوب السوري على ضمان الاستقرار على الحدود الأردنية والحدود مع الجولان المحتل، لذا ركز الاتفاق الآنف الذكر على حفظ الاستقرار المتلازم مع محاربة جيوب تنظيم داعش في هذه المنطقة مع إبعاد النفوذ الإيراني عبر الميليشيات عن الحدود مع إسرائيل والأردن بضمانة روسية.

الاتفاق في جنوب سوريا جدد التأكيد على أنّ المظلة الأميركية والروسية باتت المقرر في المعادلة السورية إلى حدّ كبير، وتجربة الجنوب السوري أظهرت من خلال الصمت الإيراني والترحيب التركي إلى جانب الصمت العربي تسليماً بهذا الاتفاق، فيما تبدو إسرائيل الأكثر اطمئناناً بعدما نجحت في استدراج هذه المظلة الروسية الأميركية لضمان أمنها الحدودي بعدما تدهورت أحوال النظام السوري وسطوته، الذي لم يعد يشكل مصدر ثقة في قدرته على توفير الاستقرار على حدود الجولان كما كان الحال قبل اندلاع الثورة السورية ومنذ العام 1974 على وجه الدقة.

الاتفاق الروسي الأميركي يجعل إيران أكثر اهتماماً بالمزيد من إمساك مفاصل السلطة في لبنان وبتعزيز السيطرة الميدانية لحزب الله وميليشيات إيران في سوريا

الاتفاق الأميركي الروسي، الذي اعترضت فصائل سورية معارضة على مضامينه ولا سيما في ما ينطوي عليه من تأجيل حسم ملف الانتقال السياسي، وترسيخ الاستقرار في مناطق الجنوب على أسس تعزز، بنظرها، نظام مصالح مناطقي قد يزيد من نزعات الانفصال داخل سوريا، بالإضافة إلى مطالبتها بأن يكون اتفاق وقف النار شاملا كلّ الأراضي السورية، في المقابل لا تبدو إيران التي لم تعلن موقفاً سلبياً من الاتفاق، مطمئنة إلى مجرياته، ولا سيما استثناءها من المباحثات، بل إن التأكيد على استبعاد قواتها وميليشياتها من هذه المناطق لا يطمئنها علما أن إيران لم تبد اعتراضا لا على الاتفاق ولا على مشاركة إسرائيل كطرف فيه كما أكد الرئيس الروسي، من هنا يمكن فهم أن الاستعداد الإيراني، من خلال ذراعها الأبرز في سوريا ولبنان أي حزب الله، لملاقاة هذا الاتفاق بالمزيد من السيطرة على مفاصل القرار اللبناني، وفتح ملف النازحين السوريين في لبنان، شكّل إلى حدّ بعيد وسيلة من وسائل الدخول إلى المعادلة التي ترسم في المناطق الجنوبية الغربية السورية وفي خطوة استباقية على ما يمكن أن يحمله من مفاجآت، ويتمّ ذلك من خلال تفجير ملف اللاجئين السوريين في لبنان بما يحول دون إظهار المواقف المعارضة داخل السلطة اللبنانية لتدخل حزب الله في الأزمة السورية، فالعزف على وتر شيطنة اللجوء السوري غايته الأساسية إنهاء ما تبقى من جيوب معارضة للسياسة الإيرانية وللنظام السوري في لبنان.

تورط الجيش اللبناني في اقتحام بعض مخيمات اللاجئين السوريين ولا سيما في ما تردد عن موت بعض المعتقلين من قبل الجيش تحت التعذيب، وما أحاط بهذه العملية من تجاوزات طالت شظاياها مؤسسة الجيش وسط حال من الصمت الرسمي حيالها، يأتي كمقدمة لاستعدادات عسكرية معلنة لخوض حزب الله معركة إنهاء نفوذ تنظيمات إرهابية متواجدة على حدود منطقة عرسال من الجانب السوري.

وليس خافياً على المتابعين أنّ هذه الجيوب الإرهابية بقيت موجودة لسنوات رغم حصارها، ولا يمكن النظر إلى استمرارها في هذه المناطق بمعزل عن أهداف سياسية وأمنية يحتاجها حزب الله لأسباب شتى، قد يكون منها تبرير قتاله واستخدام هذا الوجود كوسيلة قابلة للاستخدام الداخلي اللبناني وفي إظهار دوره في مواجهة الإرهاب دوليا.

وهذا ما يطرح سؤال هل أن حزب الله وصل إلى المرحلة التي تتطلب إنهاء هذه الجيوب الإرهابية على حدود عرسال السورية؟

سيف المجموعات الإرهابية يبقى مسلطاً وقابلاً للاستثمار سواء في اتجاه الشعب اللبناني أو الشعب السوري، إذ يمكن لأي عمل أمني إرهابي يتم لصقه بهذه المجموعات سواء المتواجدة في لبنان أو على حدوده أو في المناطق الممتدة من الحدود اللبنانية إلى ريف دمشق الغربي، وبالتالي عملية تفجير ملف اللاجئين السوريين في لبنان والحديث عن عملية عسكرية ضد جيوب التنظيمات الإرهابية، أن يساهم في تأكيد الدور الإيراني ضد الإرهاب من جهة، ويحاول أن يفرض مساراً لإدارة عملية استخدام اللاجئين بما يخدم سلطة نظام الأسد والنفوذ الإيراني في مناطق سوريا الغربية من جهة ثانية، من دون حلّ هذه القضية، بحيث تطمح إيران التي شجعت على عمليات مقايضة ديموغرافية في القلمون السوري كما حصل في كفريا والفوعة والزبداني ومضايا، إلى خلق ظروف أمنية واجتماعية في مخيمات اللجوء السوري في لبنان، تدفع إما إلى عودة اللاجئين مرغمين إلى سوريا، أو إلى تهجيرهم مجددا إلى مناطق خارج لبنان.

وقبل ذلك فإن النظام السوري ليس بوارد أو قادر على إعادتهم وما يثبت ذلك وجود نحو ستة ملايين لاجئ داخل سوريا لم يسع النظام إلى إعادتهم.

علما أن جزءا كبيرا منهم هم في مناطق نفوذه هذا كله، دون أن نشير إلى السياسة التي اعتمدها وهي تهجير كل من يعاديه من بيئات حاضنة للمعارضة بما يحول دون عودتها بعدما دمر أماكن سكناها بشكل كامل.

من هنا فإن الاتفاق الروسي الأميركي يجعل إيران أكثر اهتماماً بالمزيد من إمساك مفاصل السلطة في لبنان وبتعزيز السيطرة الميدانية لحزب الله وميليشيات إيران في سوريا، سواء عبر عمليات تفريغ مناطق النفوذ خاصة تلك المحاذية للحدود مع لبنان مع السماح بعودة جزئية للاجئين بما لا يهدد هذا النفوذ أو يخل به.

ولكن هذه السياسة تبقى غير قابلة إلا للمزيد من عدم الاستقرار طالما أنّ البيئة السورية ولا سيما تلك التي شارك حزب الله في قتالها إلى جانب النظام السوري أو وحيداً، لن تسلم بسلطته التي باتت ضرورية لصمود نظام الأسد.

فالنظام الذي يتداعى رغم الفرص الدولية التي تعطى له، غير قادر على الصمود في أيّ بقعة من دون الوجود الإيراني وهذا بحد ذاته عنصر استمرار للحرب وللاستنزاف الذي ثبت قواعده الاتفاق الروسي الأميركي بعنوان خفض التوتر على الحدود السورية مع الأردن وإسرائيل، وهذا لا يعني لجم الاستنزاف بعيدا عن هذه الحدود وعلى امتداد الداخل السوري حيث يترسخ النفوذ الإيراني ونظام الأسد.

كاتب لبناني

العرب

 

 

إيران والتقارب الأميركي الروسي/ عبد الوهاب بدرخان

دشّنت الولايات المتحدة وروسيا تفاهمهما الأول في سوريا، وقد أعطى الرئيسان دونالد ترامب وفلاديمير بوتين خلال لقائهما الأول في هامبورغ، على هامش قمة العشرين، موافقتهما على مذكرة تفاهم لإقامة «منطقة خفض تصعيد» تشمل درعا والقنيطرة والسويداء في جنوب سوريا، ما سيغدو الهدنة الأولى والوقف الأول لإطلاق النار بضمان الدولتَين ومشاركة الأردن.

كان الهدف من المحادثات التي أجريت في عمان أن تصبح هذه المناطق الثلاث «مناطق آمنة»، غير أن موسكو لم توافق. ولذلك لأسباب عدّة، من أهمها أن المناطق الآمنة ستكون كلّياً خارج أي سيطرة لها أو للنظام السوري، وبالتالي فإنها ستصبح مميّزة وستسهم في إفشال «مناطق خفض التصعيد» الأخرى التي اتفقت عليها مع تركيا وإيران بموجب «مسار أستانا» الذي يشهد صعوبات وخلافات بين الدول الثلاث، بدليل أن الاجتماع الخامس في العاصمة الكازاخية لم يكن ناجحاً، رغم الإعلان المسبق عن توافق الدول الثلاث على رسم حدود المناطق الثلاث (الغوطة الشرقية وإدلب وبعض أجزاء من محافظة حمص).

كانت الأنباء الأولية عن «تفاهمات عمان» التي نقلها مساعد وزير الخارجية الأميركي ستيوارت جونز إلى اجتماع أستانا، يوم 4 يوليو، صدمت الإيرانيين والأتراك لكونها تعني إخراج الجنوب السوري من اتفاق «المناطق الأربع» ومن «مسار أستانا». سبق ذلك إعلان النظام السوري وقف الأعمال القتالية في الجنوب، وكان مفهوماً أن الجانب الروسي هو الذي طلب هذه الخطوة. ومع أن «مسار عمّان» اقتصر إعلامياً على الدولتَين الكبريين إلا أن الترتيبات على الأرض اقتضت إشراك الأردن، كما أن رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي المملوك زار عمّان أكثر من مرة خلال الشهر الماضي، وفي الوقت نفسه كان هناك تشاور بعيد عن الأضواء مع إسرائيل المعنيّة بشكل خاص بالقنيطرة والحدود مع سوريا.

ما حتّم التعجيل ببتّ وضع المنطقة الجنوبية الغربية هو اشتداد الضغط على الجبهات وانكشاف أن ما يسمّى «قوات النظام» هو فعلياً قوات من «حزب الله» وميليشيات أخرى تابعة لإيران مع تغطية شكلية من قوات بشار الأسد. وكان أي تقدّم للقوات المهاجمة سيرتّب وضعاً غير مقبول لا أميركياً ولا روسياً، لأنه سيعني وصول إيران إلى حدود الأردن، وكذلك إلى حدود إسرائيل، وبالتالي فإن احتمالات دخول أطراف جديدة إلى الصراع ستتوسّع وتضاعف التعقيدات. ومن جهة أخرى أدّى التصعيد في المنطقة إلى إرباك الولايات المتحدة التي تجنّبت على الدوام أي انزلاق إلى التدخّل في الصراع الداخلي السوري، إذ كانت تفاهمت مع روسيا على عدم التعرّض لقوات النظام بشرط ألا تضمّ إيرانيين أو تابعين لهم، ولذلك قصفت هذه القوات عندما اقتربت من معبر التنف المتاخم للمثلث الذي تلتقي عنده حدود سوريا والعراق والأردن، كما دعمت قصفها عندما ضغطت لاسترجاع كامل محافظة درعا، فيما تولّت إسرائيل قصفها نحو عشرين مرّة خلال أسبوعَين لدى اقترابها من القنيطرة.

الفارق بين هذا الاتفاق الأميركي- الروسي وأي اتفاقات في عهد باراك أوباما أن واشنطن غيّرت نمط تدخّلها في سوريا واضطرّت روسيا والنظام السوري للتكيّف مع الوقائع التي فرضتها، سواء بالنسبة إلى منطقة الجنوب أو بالنسبة إلى تأمين حدود سوريا، فمن الواضح أن إدارة ترامب ليست معنية بمسايرة إيران، على غرار ما كانت تفعل إدارة أوباما، وأنها كانت تعني ما تقول عندما أعلنت أن من أبرز أهدافها الحدّ من النفوذ الإيراني في سوريا، إذ إنها أنجزت خطوتَين حاسمتَين في فرملة أهداف استراتيجية لطهران: الأولى بمنع إيران من اختراق الحدود البريّة من الجانب العراقي، إن بالتفاهم مع روسيا أو بالضغط على حكومة بغداد. والثانية بمنع إيران من التمركز على الحدود مع الأردن وإسرائيل.

للمرّة الأولى تلمس إيران أن هناك ما يمكن أن يحصل في الأزمة السورية من دون أن تكون «شريكة» فيه أو مستفيدة منه، والمؤكّد أن خطوات أخرى مقبلة قد تتجاهلها، إذ أشار الوزير ريكس تيلرسون إلى «مناقشة مطولة جداً في ما يتعلق بمناطق أخرى يمكننا أن نواصل فيها (مع الروس) العمل معاً لتخفيف التصعيد». فبعد حرمانها من الوصول إلى الحدود الجنوبية الغربية لتعكف على التوتير والاشتباك مع إسرائيل أو على مشاغلة الأردن، وكذلك منعها من المشاركة في تحرير الرقّة من سيطرة تنظيم «داعش»، بقي أن تحاول التدخّل في تحرير دير الزور، ولكن مناخ التقارب بين أميركا وروسيا بات واقعاً لا تستطيع مقاومته. ولكنها ستحاول.

الاتحاد

 

 

حروب الدول لتقاسم البلد تلي حروب الأسد على السوريين/ عبدالوهاب بدرخان

ماذا يعني «مسار آستانة» والاتفاق الذي انبثق منه لإقامة المناطق الأربع «لخفض التصعيد»، وماذا يعني «مسار عمّان» واتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غربي سورية؟ إنهما نموذجان لإدارة الأزمة بعدما تعب الطرفان المتقاتلان، نظام بشار الأسد وفصائل المعارضة، وبلغا من الضعف ما يسمح للقوى الدولية والإقليمية بأن تقرّر أن سورية المعروفة انتهت، أصبحت مناطق مشرذمة، ولم يعد ممكناً توحيدها ولا حُكمها، وأن المتاح هو تقاسمها مناطق نفوذ في انتظار الظروف المواتية لـ «حلٍّ نهائي» يُفترض أن يفضي الى تقسيمها. ولا شيء يؤكّد أن التقسيم ممكنٌ وعمليٌّ، أو أنه قدرٌ محسوم. والأهم أن شعب سورية (وليس النظام)، على رغم كل الانقسامات، يرفض مثل هذا المصير.

ليس في الغالبية الصامتة، بمَن تضم من موالين ليسوا مع الأسد ومعارضين لا يراهنون على المعارضة، مَن يؤيّد التقسيم أو يسلّم به، بل إن لديهم ايماناً ضمنياً بأن صعوبات ترميم التعايش مهما بلغت تبقى أهون من آلام التجزئة الجغرافية والاجتماعية. كذلك، ليس في المعارضة وأنصار الانتفاضة الشعبية مَن دفعهم هول المآسي، على فظاعاتها، الى اعتبار التقسيم مصيراً يلبي طموحاتهم أو يحقق المستقبل الذي حلموا به. ما يتوافق عليه هؤلاء وأولئك أن دمار الوطن أصاب الجميع، شعباً ودولةً، وأن تقسيمه لا يعوّض خسارات الأفراد والعائلات والطوائف، بل يضاعفها.

الأكيد أنهم متوافقون أيضاً على رفض الأمر الواقع الذي تفرضه القوى الدولية والإقليمية عليهم الآن، وليست لديهم قدرة ولا حلفاء أو «أصدقاء» يعولون عليهم لتفعيل هذا الرفض بموقف «وطني» جامع. فالمعارضة تحاول بشقّ الأنفس الحفاظ على وجودها في آستانة وجنيف، من دون أي قدرة على مقاومة «مناطق النفوذ» وأصحابها. أما النظام، الطائر زهواً بـ «انتصارات» اعتقدها نتيجة لشطارته وتزكيةً لبقائه، فيتبيّن له أكثر فأكثر أنه لم يكن سوى أداة في أيدي حلفائه وأعدائه، حتى أنه يتلهّف اليوم لقنوات مفتوحة مع الولايات المتحدة والسعودية، اعتقاداً منه أن اللعب على التناقضات والتوازنات لا يزال في مستطاعه. لم تمكّنه عقليته السياسية البائسة من إدراك أن حلفاءه عملوا على تقزيم أي قيمة يمكن أن يمثّلها، وأنه بالنسبة اليهم لم يعد سوى ورقة يساومون بها على مصالحهم، وتوشك أن تفقد صلاحيتها. ولعل اللحظة الراهنة الأكثر دلالة الى أنه فاقد «الشرعية»، فميليشياته وأجهزته وشبّيحته لا تؤهّله لأن يكون حاكماً، أما تآمره على شعبه فلا يخوّله استنهاض حال «وطنية» – على افتراض أنها خطرت في باله – ضد الاملاءات الخارجية. لذلك، وحده هذا النظام يجد في التقسيم مآلاً يناسب طائفته ومخرجاً يغطّي عجزه عن إبقاء البلد موحّداً ويعفيه من مواجهة تحدّيات ما بعد الحرب.

في ضوء التقاسم الحاصل راهناً، ودخلت الولايات المتحدة على خطّه من باب التعاون لا التصادم مع روسيا، دخل الصراع السوري مرحلة يقول اللاعبون الرئيسيون فيها إنهم يسعون الى وقف التقاتل، سواء عبر «مسار آستانة» أو «مسار عمّان»، ليتوجّهوا بعدئذ الى «المسار السياسي». وفيما هم يتقاسمون لا يزالون يقولون، باستثناء الإسرائيليين، أنهم يرفضون أي مشاريع لتقسيم سورية. فبعدما استخدموا التقاتل لتمكين النظام هنا وإيران هناك و «داعش» و «القاعدة» هنالك، ولتعجيز المعارضة وإضعافها في كل مكان، استخدموه أيضاً لرسم الخرائط والحدود بين المناطق، هل يمكّنهم وقف التقاتل من استخدام الفوضى التي صنعوها في استنباط «حلّ سياسي» كفيل بعدم زرع أسباب لتجدّد القتال. الأكثر واقعية أنهم، أي الروس والأميركيين والإيرانيين والأتراك والإسرائيليين، يتنافسون على تقاسم البلد، وليسوا مهتمّين بأي حل سياسي، ويصعب تصوّر أي في ظل هذا التقاسم. ولذلك يُعزى عدم أكتراثهم بـ «مسار جنيف» الى أن التفاوض بين النظام والمعارضة ليس الإطار الذي يُتوقّع منه البحث في التقسيم أو الاتفاق عليه. هذا يفسّر أيضاً لعبة إضاعة الوقت التي يمارسها النظام في المفاوضات، واذا كان انخرط أخيراً في مناقشة «أي دستور للمرحلة الانتقالية» فلأن هذه رغبة موسكو المهتمّة بدسترة تعيد انتاج النظام (من دون الأسد) وبفدرلة تغلّف التقسيم المزمع.

لا وقف حقيقياً للتقاتل، وعدا مواصلة الحرب على «داعش» في دير الزور التي تُوصف بأنها أهم مواقع سيطرته بعد الموصل، سيخوض المتقاسمون المعارك المقبلة لتحريك حدود مناطق النفوذ، توسيعاً أو تضييقاً، فالتقاسم لم يُحسم بعد. لا شك في أن إيران راكمت في الآونة الأخيرة خسائر عدة، بعضٌ منها بفعل الاتفاق الأميركي- الروسي- الأردني في شأن الجنوب الغربي لسورية، وبعضٌ آخر قبله. ولعل هذا الاتفاق أشعر طهران للمرّة الأولى بما عنته واشنطن حين تحدثت عن تقليص نفوذها، إذ إنه يحول دون أن تهاجم باسم «قوات النظام» لاستعادة كامل درعا والاقتراب من حدود الأردن أو لاستعادة كامل القنيطرة لبلوغ الحدود مع إسرائيل. كان هذان الهدفان بالغَي الأهمية في الاستراتيجية الإيرانية، سواء للعبث بأمن الأردن أو بالأخص لإشعال جبهة الجولان.

قبل ذلك، حاول الإيرانيون باسم «قوات النظام» أيضاً السيطرة على معبر التنف، وباسم «الحشد الشعبي» الاستحواذ على معبر القائم – البوكمال، لجعل الحدود العراقية – السورية مفتوحةً لتنقّل ميليشياتها وآلياتها، وتحديداً لتأمين مشاركتها في معركة دير الزور، غير أن الضغط الأميركي على حكومة بغداد أوقف اندفاعها. بل حاولت أيضاً اقحام «قوات النظام» في معركة الرقّة، فأسقط الأميركيون طائرة «سوخوي 22» تابعة للنظام لمنعها من قصف «قوات سورية الديموقراطية»، ما أغضب الروس فأوقفوا التنسيق الجوي ثم أعادوه بعدما اضطرّوا لتفهّم الدوافع. يضاف الى ذلك أن نهاية معركة الموصل، بجهد رئيسي للجيش العراقي وجهازَي مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية، تترافق مع تطورَين: أولهما فرز سياسي حاصل، خصوصاً في البيئة الشيعية المؤيدة لإيران، والآخر طرح مصير ميليشيات «الحشد الشعبي» التي كانت محاربة «داعش» المبرّر المعلن لإنشائها… صحيح أن هذه الوقائع لم تُضعف نفوذ طهران، لكنها تظهر أن ثمة عقبات باتت قائمة أمام تمدّدها، وأن التقارب الروسي – الأميركي سيربك أهدافها ولا بد أن تعمل للتفلّت من قيوده.

المواجهة الأخرى المؤكّدة ستخوضها تركيا لإحباط أي مشروع لدويلة كردية محاذية لحدودها في شمال سورية، أو في أسوأ الأحوال لتكبيل أي كيان كردي بكثير من القيود لمنعه من التحوّل الى دولة. هذه معركة تجمع بين إيران وتركيا وتتجاوز خلافاتهما، بل تجمعهما مع نظام الأسد اذا كان لا يزال مؤثّراً في المعادلات الدولية والإقليمية. لكن روسيا وأميركا تبدوان متوافقتَين على خطوط عامة ومبدئية بالنسبة الى تلبية طموحات الكرد، وتحاولان معاً تهدئة الغضب التركي، من دون أن تقطعا أي تعهّد حاسم لأنقرة، إما لأن توافقهما لم يبتّ الوضع النهائي لما سيكون عليه الكيان الكردي أو لأنهما – خصوصاً الولايات المتحدة – لا يريدان كشف أوراقهما وسط تصدّر الكرد القتال ضد «داعش» في الرقة، ولذلك مثلاً أكّد وزير الدفاع الأميركي أن واشنطن ستستمر في تسليح الكرد حتى بعد تحرير الرقّة ردّاً على الرئيس التركي الذي كشف أن الأميركيين أبلغوه أنهم سيسحبون الأسلحة التي وفّرت لمقاتلي «حزب الاتحاد الديموقراطي» بعد انتهاء الحرب على الإرهاب. والمؤكّد أن تركيا التي عدّلت سياساتها مراراً في إطار تعاملها مع الأزمة السورية، وقدّمت تنازلات كثيرة على حساب فصائل المعارضة، لا تستطيع التنازل أو التهاون في المسألة الكردية.

قد تكون القوى المتقاسمة في صدد إنهاء القتال بأبعاده الداخلية البحتة، لكن المرحلة المقبلة ربما تشهد أغرب حرب بالوكالة تتقاتل فيها الأطراف المحلية لا من أجل استعادة سورية وإعادة حق تقرير المصير للشعب السوري، بل من أجل تحسين حصص الأطراف الخارجية وتعزيز مواقفها التفاوضية في عملية التقسيم. لكن السوريين «بحاجة الى وقف إطلاق شامل للنار وإلى نشر الأمن في سورية كافة، وليس الى اتفاقات تتخذ ذريعة المناطق الآمنة حجة لتقسيم سورية وتناهب أرضها…» على ما يقول بيان هو أولٌ من نوعه ووقّعت عليه عشرات من الشخصيات السورية.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

إتفاق سريّ أميركي-روسي يحميّ إسرائيل في سورية

إعداد سلوى فاضل

تحدثت مصادر دبلوماسية أميركية، عن اتفاق سريّ لوقف إطلاق النار بجنوب غربي سوريا انطلق الاسبوع الفائت، يركز على منع المقاتلين الذين تدعمهم طهران من التوسع الاستراتيجي في سورية على الحدود الفلسطينية المحتلة والأردنية.

اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن هذا الاتفاق من شأنه أن ينقذ الأرواح، ووصفه بالهام رغم تكتمه على التفاصيل. فالمسؤولون في البنتاغون المعنيون بمراقبة الاتفاق، بحسب تقرير لـ”فورين بوليسي” الاميركية، لا تفاصيل لديهم عنه.

إقرأ ايضا: «النجباء فيلق عراقي لتحرير الجولان» بتمويل إيراني على نسق حزب الله

وينص الاتفاق على وقف التصعيد بين الجيش السوري والجماعات المسلحة، جنوب سورية، حيث دخل هذا الاتفاق قيد التنفيذ في التاسع من شهر تموز الجاري. ويدعو أيضا إلى تحويل جنوب سورية، اي القنيطرة والسويداء، إلى منطقة حظر للمقاتلين “من غير السوريين”، والمقصود بهم الحرس الثوري الايراني، وحزب الله، اضافة الى مقاتلي  كل من النصرة و”داعش”.

ويهدف هذا الاتفاق إلى تلبية حاجات إسرائيل والأردن معا، من خلال عدم السماح لأية قوة مؤيدة لايران وحزب الله، بالاقتراب من مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، والتي تفصل سورية عن إسرائيل، أو على طول الحدود الأردنية.

والسؤال المطروح:من الذي سيطبّق الاتفاق؟ وهل ستتحمل موسكو مسؤولية اجبار إيران ععلى تطبيقه؟ خاصة ان الإيرانيين وحزب الله يساهمون بشكل كبير في القتال داخل سورية لصالح بشار الاسد.

وكان موقع “تسنيم” الايراني قد نقل عن بهرام قاسمي، الدبلوماسي الايراني، قوله إن “إيران لن تكون ضامنة للاتفاق الأميركي- الروسي”.

وبرأي الاميركيين ان مفتاح بقاء الأسد هو إيران وليس روسيا. لذا يحاول الروس تسريع هذا الاتفاق.

فمنذ أيار2017، فشلت موسكو في إقناع حزب الله وإيران باحترام “منطقة فك الاشتباك” التي أعلنها الأميركيون في جنوب شرق سورية.

فالهدوء النسبي في جنوب غرب سورية، واستمرار واشنطن في الاهتمام بفصائل المعارضة يمثل الأرضية للتعاون بين واشنطن وموسكو.

فالاتفاق هو لطمأنة الإسرائيليين أن المعارضة السورية لن تصل الى مرتفعات الجولان  المحتلة التي تسيطر عليها تل أبيب. واهم بند في الاتفاقية هو الحفاظ على الترتيبات القائمة فيما يتعلق بالأمن في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة جنوب غرب سورية، مما يؤدي الى ردع الجيش السوري من العمل على اعادة السيطرة على المناطق التي لبتها منها المعارضة في سورية.

وقد نصّ الاتفاق بين ترامب وبوتين على التنسيق فيما يتعلق بمكافحة “الارهابيين” في سورية. وقال مستشار الأمن القومي في إدارة ترامب، ماك ماستر، إن هذا الاتفاق يعد خطوة هامة نحو تحقيق الأهداف المشتركة.

ولكن لا تزال هناك تساؤلات كثيرة حول قابلية التنفيذ. فالمنطقة تضم عددا من الجماعات المسلحة المدعومة من واشنطن وانقرة وعمان ودول الخليج العربي. اما جوشوا لانديس، وهو باحث في الشؤون السورية في أوكلاهوما فقال ان “هذا الاتفاق غير مجدٍ على الاطلاق”.

وهذا يعني وبشكل واضح ان اسرائيل لا تغفل عن حماية نفسها وحدودها، وهي في سبيل ذلك تساعد حوالي 35 قرية سورية في الجولان المحتل. وقد عملت بهدوء من خلال نسج علاقات ايجابية مع السوريين المقيمين على الحدود السورية – الفلسطينية المحتلة، منذ العام 2011.

هذه العلاقات مع المسيطرين على الارض جنوب سورية، ما كان يعرف بالنصرة سابقا، هي استعادة لتجربة تأسيس جيش العملاء جيش سعد حداد وانطوان لحد في الجنوب اللبناني. واليوم تؤّمن اسرائيل للسوريين خدماتها لنحو35 قرية، كالتعليم والطبابة والأغذية والملابس بحسب “دايلي نيوز”.

كل ذلك عبر وسيط سوري بواسطة معبري المعلبة ووادي مريع. وذلك بحسب موقع “المدن” الالكتروني. والذي ينقل ايضا أن “إسرائيل بالفعل لتأسيس ميليشيا تشبه جيش لحد في لبنان”.

إقرأ ايضا: بلطجة «اليونيفيل» تمنع وصول الجنوبيين الى أرضهم

كما تدعم إسرائيل وتمّول اليوم فصيلاً يحمل اسم (فرسان الجولان) بقيادة أبو صهيب الجولاني، في القنيطرة. ويبلغ عدد المنضوين في اطاره ما بين 300 الى 400 مقاتل، بميزانية تبلغ حوالي 50 ألف دولار شهرياً، مع أسلحة خفيفة. ومهامهم حراسة الحدود وتسيير دوريات في المنطقة. بمعنى ما جيش يراقب الحدود بين سوريا واسرائيل لمنع تسلل اي شاب الى داخل الاراضي المحتلة.

جنوبية

 

 

 

نصرالله إذ ينسى الجنوب السوري/ ساطع نور الدين

الكلمة المتلفزة للامين العام لحزب الله حسن نصر الله مساء الثلاثاء، والتي كانت صدى لإحتفالات إيرانية بانتصار الجيش العراقي على داعش في الموصل، طالت وبالغت وهلّلت، قبل ان تعرج على الشأن اللبناني، وتروج بأن شرعية النظام السوري بديهيةٌ معزولة عن ملف النازحين..وتغفل العنوان الأكبر والأخطر الذي سجل خلال الاسبوع الماضي والذي كان مرتقباً أن يتطرق إليه نصر الله، وأن تومىء به طهران قبله، وهو الاتفاق الاميركي الروسي على إقامة منطقة آمنة في جنوب سوريا، على مقربة من الحدود اللبنانية.

نصرُ الموصل هو بلا شك مهمُ وحاسمٌ في سياق تصفية تلك الظاهرة الوحشية التي نمت وترعرعت في المدينة العراقية قبل ثلاث سنوات، وسط تواطوء رسمي (شيعي) عراقي قاده رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، حسب تحقيقات وشهادات محفوظة في بغداد، ويعرفها الجمهور العراقي الذي بات يفرض العزل على المالكي ويمنعه من التجول بحرية حتى في المناطق الشيعية.  إلحاق الهزيمة بداعش هو أشبه ما يكون اليوم بتصحيح خطيئة فادحة إرتكبها الحكم الشيعي في تلك الفترة، وكادت تهدد سيطرته على العاصمة نفسها ، قبل عامين ، لولا التدخل الاميركي الجوي والبري العاجل في حينه.

كلمة نصر الله وقبلها بساعات كلمة قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني المتلفزة أيضا والموجهة الى الايرانيين، حاولتا محو تلك الوقائع الثابتة من الذاكرة، ومصادرة نصر الموصل من الاميركيين وبقية حلفاء الحملة العسكرية على داعش. وهو أمر مشروع سيما وأن مسؤولية أميركا وحلفائها عن تمدد داعش في العراق وسوريا لا تقل عن مسؤولية الحكم الشيعي العراقي، بل قد تفوقها أحياناً. وحكم التاريخ لم يعد بعيداً . ولعل أهم ما في تصفية ذلك التنظيم الهمجي في الميدان العراقي هو أنه سيكشف قريباً جداً توزع حصص كل دولة وطائفة وجماعة وشبكة إستخبارية، في صفوفه وفي خلاياه.

لكن هذا الإنجار العراقي يحتاج الى الكثير من التدبر، قبل أن يظهر وريثٌ لابي بكر البغدادي في شريط فيديو جديد وسط كومة من الجثث والرؤوس المقطوعة، يعلن إكمال المسيرة وتقليص الخلافة. وهذا متروك للعراقيين وحدهم ومعهم حليفهم الايراني في البر وحليفهم الاميركي في الجو، وما بينهما من وصالٍ وخصامٍ، يمكن ان ينتج أكثر من خليفة عراقي مقبل، يطمح الى إستعادة الامجاد الغابرة في بغداد، التي كانت إحتفالاتها بتحرير الموصل متواضعة جداً بالمقارنة مع تلك التي نظمت في طهران وفي الضاحية الجنوبية.

المهم الآن، أن خطوط الجبهة السورية مع داعش إنفتحت أكثر من ذي قبل، وبات القضاء على الوجود العلني للتنظيم في سوريا مسألة وقت. التنافس على ذلك النصر المحتم سيكون أشد وأصعب، بوجود روسيا وقواتها “الجوية -الفضائية”! التي تمسح الارض السورية ومن عليها منذ عامين أو أكثر من دون تمييز بين داعشي وآخر، والتي تعلن أنها عوضت كل ما فاتها من حروب العراق الاميركية، وما ضاع عليها من فرص عسكرية وسياسية وإقتصادية. سوريا هي هديتها الثمينة، وهي ملعبها المفضل. وقد نجحت أخيراً في إستدراج الاميركيين والحصول على توقيعهم على تفاهم في الجنوب السوري..ما زال يثير الكثير من الشكوك والمخاطر.

أمام هذا التفاهم، تصغر معركة الموصل، وتصبح تحصيل حاصلٍ لمصير داعش كتنظيم عراقي حصري، وتصفية لحسابات عراقية داخلية قديمة، وتطرح الاسئلة الحرجة حول ذلك اللعب الاول من نوعه بالخريطة السورية، وبالقضية السورية، وحول الاستجابة الأولى من نوعها للمخاوف الاسرائيلية من الحدود الشمالية، وللاختراقات التي حققها الاسرائيليون داخل حدود  سوريا ..وحول الدور الايراني الذي كان يطمح الى جعل الجبهة الجنوبية السورية قاعدة عسكرية متقدمة، والذي لم يعبر حتى الان على الاقل عن أي إعتراض على ذلك التفاهم، لا على لسان سليماني ولا على لسان نصر الله. جل ما صدر حتى الآن تصريح متحفظ للمتحدث بإسم الخارجية الايرانية بهرام قاسمي دعا فيه الى توسعة التفاهم ليشمل جميع الاراضي السورية!

لم يكن التفاهم الاميركي الروسي سراً، لكنه ما زال لغزاً. الاحتجاج الجريء الذي عبرت عنه شخصيات سورية معارضة يستعيد حيوية سورية مفتقدة، ويحيي عصبية وطنية مطلوبة الان أكثر من أي وقت مضى، في وجه الاميركيين والروس والايرانيين..وفي وجه النظام الذي شارك سليماني ونصر الله في حفل النصر في الموصل، ولزم معهما الصمت إزاء قيام المنطقة الأمنية الأولى في جنوب سوريا، والتي قد تصبح مثل المنطقة الآمنة القائمة في جنوب لبنان بناء على القرار الدولي الرقم 1701، الصادر في العام 2006.

المدن

 

 

نحو وصاية دولية على سورية!/ خالد غزال

لم يكن مستغرباً أن تخرج اجتماعات آستانة 5 بفشل في التوصل إلى تسوية للأزمة السورية. لا يخفف من وطأة الفشل قول المبعوث الدولي إلى سورية دي مستورا أن التقدم في اجتماع آستانة هو تقدم بسيط، لكنه مهم وسيتم استغلاله في تحقيق تقدم على الصعيد السياسي في محادثات جنيف المقبلة. حُدد الاجتماع نهاية شهر آب (أغسطس) المقبل موعداً جديداً للمفاوضات، وهو سيكون بالتأكيد على شاكلة الاجتماعات السابقة. فالحل السياسي للأزمة السورية يحتاج إلى اتفاق دولي ترعاه أميركا وروسيا في شكل رئيسي، فيما يتم البحث في ما يمكن أن تنال إيران وتركيا والنظام السوري من حصص جزئية في هذه التسوية. لكن الثابت حتى الآن أن كلا الطرفين الأميركي والروسي لم ينضج طبخة الوصاية على سورية.

استبشرت قوى إقليمية ودولية تعيين مناطق آمنة أطلق عليها «مناطق تخفيف التصعيد». لكن وقائع الأشهر السابقة لم تشهد تطبيقاً لمنع التصعيد، بل استمر النظام مدعوماً من إيران والميليشيات التابعة لها في السعي إلى الحسم العسكري وقضم المناطق غير الخاضعة للنظام، مستخدماً أقصى مظاهر العنف والتدمير. لم يمر ذلك من دون غض نظر روسي ساهم في تشجيع النظام على التقدم نحو مناطق جديدة. في المقابل، لم تردع الضربات الأميركية الجوية ضد بعض مواقع النظام من إكمال هذا الأخير خطته التصعيدية.

في الأسبوع الماضي طرأ تطور في شأن الأزمة السورية قد يكون الأكثر أهمية من كل ما حصل سابقاً. في اجتماع قمة العشرين في هامبورغ، تم الاتفاق بين الرئيسين الأميركي والروسي على وقف النار في جنوب غربي سورية، وبدأ الحديث عن نشر قوات روسية كشرطة محلية لمراقبة وقف النار. قد يكون ما أعلن عنه هو بداية الصفقة الدولية على سورية التي ستحدد مناطق النفوذ لكل طرف. صحيح أن الطرف الأميركي لا يزال متخبطاً في كيفية تحديد موقفه من بقاء الرئيس الأسد أو من رحيله. مرة يعلن أن لا مكان للأسد في التسوية المقبلة، ومرة أخرى يشير إلى أن الهدف ليس الأسد إنما القضاء على الإرهاب، وأخيراً يقول هذا الموقف ببقاء الأسد راهناً ولكن ليس لزمن بعيد. وهي مواقف تعكس عدم الوصول إلى تسوية نهائية مع روسيا تحسم في طبيعة النظام وتركيب الدولة السورية على قاعدة جديدة، ما يجعل الموقف الأميركي متذبذباً في انتظار مظاهر الحل.

في ظل «الطبخات» الجارية، تتحسس القوى الإقليمية الأخرى مواقع أقدامها، وبالنظر إلى الشعور باقتراب تسوية ما، تسعى تركيا إلى تصعيد لهجتها العسكرية، وتحشد جيوشها في الشمال السوري، تحت حجة منع قيام كيان كردي على حدودها قد يشكل خطراً على الأمن القومي لتركيا، لكن الهدف الأبعد لتركيا هو السعي لاقتطاع أراض سورية وضمها إلى الكيان التركي، مستعيدة تجربة إلحاق لواء الإسكندرون في القرن الماضي. ترغب تركيا في تكريس أمر واقع على الأرض يعزز موقعها على طاولة مفاوضات التسوية لاحقاً.

أما إيران، فلا تكف عن تثبيت مواقع نفوذها، سواء داخل أروقة النظام أو على الأرض. تتوجس إيران من الموقف الأميركي الذي لا يكف عن التصريح بضرورة إخراج إيران وميليشياتها من الأراضي السورية. لن تتساهل إيران في إلغاء موقعها في سورية، وهي التي استثمرت فيه بمليارات الدولارات، ودفعت أثماناً بشرية من جيشها، وذاقت لأول مرة طعم تمددها نحو تحقيق الهلال الشيعي الذي يمتد من العراق إلى لبنان، وتشكل فيه سورية الحلقة المركزية. لذا، يتولى الحرس الثوري الإيراني قيادة المعارك في مناطق كثيرة، ويحفر على الأرض مواقع ثابتة تكرس سيطرته. لعل تصريحات «حزب الله» الأخيرة وتسريباته عن معركة مقبلة في جرود عرسال لطرد التنظيمات الإرهابية، تقع في سياق التذكير بموقع إيران، والتحذير من تجاهلها في التسوية المقبلة أو الحد من نفوذها.

يبقى النظام السوري، الحاكم شكلاً لسورية والعاجز عن توظيف ما تقدمه له روسيا وإيران من استعادة نفوذه السياسي أو العسكري. كأن الدور المنوط اليوم هو تدمير ما تبقى من المدن السورية، مقابل بقائه في السلطة.

من المغامرة القول بقرب التسوية في سورية، لكن من الثابت أن سورية مقبلة على وصاية دولية عمادها أميركا وروسيا وتركيا وإيران، كل واحد سيكون له مناطق نفوذه. ولن يكون غريباً أن تشهد سورية دخول «قوات ردع دولية وعربية» إلى أراضيها لتبسط الأمن وتحرس التسوية. قد تشهد سورية «فيلماً» مشابهاً لما قامت به في لبنان عام 1976 عندما شكلت القوى الدولية قوات الردع التي باتت سورية الطابع وتحولت لاحقاً إلى سلطة احتلال للبنان.

* كاتب لبناني

الحياة

 

 

 

طهران بين الجولان والموصل

في يوم الاحد الماضي دخل اتفاق وقف اطلاق النار في جنوب سوريا إلى حيز التنفيذ. ويشدد الطرفان حتى الآن على الحفاظ عليه. وتوقف اطلاق الصواريخ على إسرائيل، وعاد الهدوء الحذر على طول الحدود في هضبة الجولان.

الاتفاق هو جزء من عملية ترتيب الوضع التي تقوم بها روسيا والولايات المتحدة من اجل تقليل قوة الاشتعال في الحرب السورية، أو انهائها. في هذا الاطار تعمل روسيا بالتعاون مع تركيا وإسرائيل. والآن مع الأردن والولايات المتحدة ايضا. وكما يبدو مع إسرائيل من اجل اقامة اربع مناطق تهدئة، الامر الذي يعني التقسيم الفعلي لسوريا بين بشار وأعدائه.

إلى جانب المناطق التي يسيطر عليها بشار الاسد (حوالي ربع اراضي الدولة التي يعيش فيها ثلاثة ارباع عدد السكان) سيتم اقامة اربع مناطق في شمال الدولة ووسطها وفي محيط دمشق وفي الجنوب ايضا، حيث سيسيطر هناك المتمردون برعاية تركيا والأردن، وفي المستقبل قد تكون رعاية روسية وأمريكية.

في الاسابيع الاخيرة جرت محادثات في الأردن بمشاركة عسكريين أمريكيين وروس في محاولة لرسم خطوط التداخل والفصل في جنوب سوريا، الذي سيبقى تحت سيطرة النظام السوري، والمناطق التي فيها المنطقة الحدودية مع إسرائيل والتي ستبقى فيها السيطرة للمتمردين. بعد أن تم التوصل إلى تفاهمات، اصبح يمكن الاعلان عن وقف اطلاق النار مع الأمل بعدم الاخلال به من اجل تحسين المواقف في المفاوضات كما حدث في المرات السابقة.

الرابح الاكبر من هذه الترتيبات هو الاسد بالطبع. فقد ضمن بقاءه على كرسيه، وتمت ازالة التهديد الأمريكي ضده. المتمردون ايضا لم يتضرروا. فعلى المدى القصير سيتوقف الضغط الروسي الإسرائيلي السوري الذي كان مصيره الهزيمة المؤكدة. إلا أنه بالنسبة للمتمردين، هذا الانجاز هو قصير المدى. لدى بشار في المقابل طول نفس سيمكنه مع مرور الوقت من استئناف الحرب واعادة السيطرة على جميع سوريا.

فائز آخر هو فلادمير بوتين، الذي حول روسيا بمباركة واشنطن إلى منصبة الملوك في سوريا. الأمريكيون في المقابل ما زالوا يركزون على الصراع ضد داعش، وليست لديهم استراتيجية أو خطة عمل فيما يتعلق بمستقبل سوريا، لا سيما جنوب الدولة الملاصق لإسرائيل والأردن.

في اليوم الذي تم فيه الاعلان عن وقف اطلاق النار في جنوب سوريا، تم الاعلان ايضا عن احتلال الموصل من قبل الجيش العراقي. بعد ثمانية اشهر من القتال العنيد خسر داعش المدينة التي سيطر عليها قبل ثلاث سنوات، عندما بدأ في تشكيل الخلافة على اراضي واسعة في سوريا والعراق.

الصور من الموصل اظهرت رئيس الحكومة العراقي وهو محاط بجنوده، لكن في الايام القريبة سنشاهد صور اخرى من الموصل لمقاتلي المليشيات الشيعية المدعومة من إسرائيل، وهي تحتفل على انقاض الموصل لكي نعرف من هو المنتصر الحقيقي في اللعبة الكبيرة التي تدار اليوم في سوريا والعراق.

لقد عادت إسرائيل واوضحت ما هي الخطوط الحمراء بالنسبة لتواجد إسرائيل في هضبة الجولان. روسيا تستمع إلى صوت إسرائيل، لكن هذا لا يقنعها بالانفصال عن إسرائيل. روسيا وبشار الاسد ايضا بحاجة إلى القوات الإسرائيلية من اجل الحفاظ على استمرار نظام بشار الاسد في سوريا، لذلك من الصعب رؤية كيف أن أحدا ما سيحاول أو سينجح في ابعاد إسرائيل عن سوريا.

وقف اطلاق النار في الجولان واقامة منطقة عازلة يسيطر عليها المتمردون وابعاد إسرائيل عن الحدود مع إسرائيل والأردن هو بلا شك انجاز تكتيكي هام جدا. ولكن الحديث يدور عن انجاز مؤقت لن يغير الصورة الكبيرة في سوريا، الملونة بألوان إسرائيل والمليشيات التابعة بها. ومثلما في حالة التهديد الذي يشكله حزب الله في لبنان، قد تكتشف إسرائيل أن ثمن ابعاد التهديد عن الحدود هو التسليم بوجود إسرائيل في سوريا، وهو التواجد الذي يلقي بظله على الجولان وما بعد الجولان.

ايال زيسر

إسرائيل اليوم 11/7/2017

القدس العربي

 

 

 

مشكلات ايران وحزب الله في سوريا: الغموض الأميركي الروسي/ منير الربيع

أعلن حزب الله الانتصار على تنظيم داعش، وبدء مرحلة جديدة من التوازنات والصراع في المنطقة. لا شك في أن الحزب سيستثمر ما حصل في العراق داخل الساحة السورية، لكن هناك من يشير إلى أن الأميركيين يريدون تعطيل ذلك الاستثمار وقطع الطريق على إيران في سوريا. وينطلق ذلك من حسابات التوافق الأميركي الروسي في قمة مجموعة الدول العشرين. إذ تعتبر واشنطن أنها لن تستطيع تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، بدون التفاهم مع الروس، لأنه قبل إنعدام التفاهم استطاعت إيران وصل الحدود العراقية السورية مع بعضها البعض.

أولى بوادر هذا التوافق انعكست في الجنوب السوري، ولاسيما لجهة تأمين حدود إسرائيل، وإبعاد إيران وحزب الله نحو ثلاثين كيلومتراً عن الحدود الجنوبية لسوريا، بالإضافة إلى دخول المنطقة الجنوبية في سوريا ضمن مناطق خفض التصعيد ووقف التوتر. ويهدف ذلك على المدى الطويل إلى قطع الطريق على إيران في مسألة وصل الأراضي العراقية والسورية ببعضها البعض.

بعض المؤشرات تفيد بأن التفاهم الروسي الأميركي ارتكز على تفويض أميركي لروسيا لإدارة ملف الأزمة، او لإخراج الحل السياسي وفق الرؤية الروسية. ولكن، مقابل شرط أساسي هو تحجيم النفوذ الإيراني، وعدم إشراك طهران بالحل السياسي ومنع أي نفوذ سياسي أو عسكري لها في مستقبل سوريا. لكن هذا الكلام لا يبدو واقعياً بحسب مصادر متابعة، وتعتبر المصادر أن إيران قوة موجودة في سوريا بفعل الأمر الواقع العسكري والميداني، ومن غير السهل إزاحتها من هناك، سوى بعمل عسكري غير مطروح بأي شكل من الأشكال في هذه المرحلة. وهذا ما يتأكد من خلال مزيد من الغموض الذي يكتنف الإتفاق الأميركي الروسي، في بعض النقاط التي لاتزال عالقة.

حين يكون هناك توافق أميركي روسي، تكون الأولوية هي لما يتفق عليه الطرفان الأكبران. بالتالي، الجميع سينكفئ إلى الخلف، سواء أكان تركيا أم إيران، مع الاحتفاظ بهوامش للعمل. وهنا، تعتبر المصادر أن هذا لن ينهي الدور الإيراني في سوريا، وسيمنح طهران هامشاً ومنطقة نفوذ، ولكن ذلك لن يكون واسعاً. في المقابل، هناك من ينفي ذلك، ويعتبر أن الرد الأول على إعلان المنطقة الآمنة في الجنوب، جاء ميدانياً من قبل الإيرانيين، الذين شنوا حملة عسكرية بعد أقل من 24 ساعة على إعلان الهدنة، في محافظة السويداء، ضمن عملية أطلق عليها اسم الفجر الجديد. وقد سقط لحزب الله عدد من القتلى هناك، حيث استطاع السيطرة على عدد من المناطق ومنها تل الأصفر والقصر، اللتين تبعدان 33 كيلومتراً عن السويداء و70 كيلومتراً عن درعا المحاذية للحدود الأردنية و78 كيلومتراً شرق القنيطرة والجولان المحتل.

ورغم إعلان الإنتصار، وإعلان هذا اليوم يوماً احتفائياً، فإن محور المقاومة أو المحسوبين على إيران سيواجهون العديد من التحديات في كل من العراق وسوريا. ففي العراق مثلاً هناك كثير من العقبات أمام الإيرانيين، أولها التفاهم داخل البيت الشيعي، لأن الأفرقاء الشيعة الذين كانوا يتفقون على محاربة داعش ويواجهونه، يختلفون على طريقة إدارة الشؤون العراقية وتحديد الأولويات في ما بينهم، خصوصاً بين القريبين من إيران، والتيار الصدري، وآخرين.

كذلك، هناك إشكالية كبرى في العراق لدى حلفاء إيران، وهي في كيفية إدارة العلاقة مع السنة، بعد ما جرى، والدخول في مرحلة ما بعد داعش، بالإضافة إلى ملف أخطر وأساسي هو مسألة تحرك الأكراد سواء في العراق أم في سوريا، الذي يسعى إلى الإستقلال. وهذا ما لا يمكن لإيران ولا لحلفائها الموافقة عليه.

أما بالنسبة إلى سوريا، فأيضاً سيواجه الإيرانيون مسألة الاحتفاظ بمناطق النفوذ، في ظل التشدد الأميركي إعلامياً على الأقل بشأن مواجهتهم. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أنه قبل أيام أقدم النظام السوري عبر وزارة الأوقاف على إقفال مدارس تدرّس المذهب الشيعي فيها. وهذا دليل على أن النظام يذهب إلى تقارب أعمق مع روسيا، وهو لا يريد أن يقول إنه في الحضن الإيراني بشكل كامل.

وبين التضارب في وجهات النظر، ثمة من يعتبر أن هناك توافقاً روسياً أميركياً مسبقاً، بشأن أهمية الإتفاق على ملفات المنطقة. بالتالي، هذا الإتفاق متى حصل سينعكس سلباً على الدور الإيراني في سوريا والعراق تحديداً.

المدن

 

 

مـنـطقة نـظيـفة من إيران في سـوريا!!/ ياسر الزعاترة

تعبير “نظيفة” من إيران، هو لمحلل الشؤون العربية في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية (تسفي برئيل). والمنطقة المذكورة هي في الجنوب السوري، ولم يتم تحديد مساحتها بالضبط، لكن الصهاينة يتحدثون عن عمق 30 كيلو مترا.

المثير في القصة أن الإعلان العملي عن الاتفاق، جاء عمليا بعد لقاء بوتين وترامب في هامبورغ، ولك أن تتخيل ما معنى أن تتصدر مسألة سوريا محادثات زعيم أكبر دولة في العالم، وزعيم الدولة الصاعدة التي تسعى لمنافسة نفوذ الأولى، وما معنى أن يتفق الطرفان على خطة للجنوب السوري، تأخذ في الاعتبار مصالح الكيان الصهيوني قبل أي أحد آخر (بوتين يخشى التورط الطويل، وعلاقته بنتنياهو حميمة)، فيما يكتفي مسؤول سوري يرفض ذكر اسمه بوصف موقف النظام  بالقول: “السكوت علامة الرضا”!!

تفاصيل الخطة، ومستقبلها ليست هي ما يعنينا في هذه السطور، بل جوهرها ممثلا في أن يغدو لأمريكا دور في جنوب سوريا، إضافة إلى دور كبير مع الأكراد في الشمال، هي التي لم يكن لها أي وجود في سوريا قبل ذلك.

ما يعنينا هو قراءة حصاد التدخل الإيراني في سوريا بعد هذه السنوات، وهو التدخل الذي تم تحت شعار المقاومة والممانعة، أي الصراع مع الكيان الصهيوني، وأمريكا بطبيعة الحال.

في سوريا، خسرت إيران الغالبية الساحقة من المسلمين، وصارت عدوا لدودا بالنسبة إليهم، ومن يخسر مليارا ونصف المليار من المسلمين لن يكون رابحا بأي حال، لا سيما أنها ليست غالبية هامشية، بل لها تراث في مقاومة الغزاة والمحتلين على مدار القرون.

فوق ذلك قتلت إيران وهجرت ملايين السوريين. ونقول قتلت وهجرت، لأنه من دون تدخلها ما كان الوضع ليصل إلى ما وصل إليه، بل ربما كانت التسوية ممكنة حتى قبل رفع الناس السلاح، أو بعد ذلك بقليل قبل أن ظهور الجماعات المسلحة الذي أراده النظام وإيران لترويج قصة الإرهاب، بدليل إخراج معتقليها من السجون بعد تسعة شهور من بداية الثورة.

عشرات المليارات دفعتها إيران في سوريا، واستنزفت اقتصادها، وبعد ذلك آلاف القتلى وأضعافهم من الجرحى، وإن تكن غالبيتهم من الشيعة العرب، وغير الإيرانيين، ونتذكر أن اتفاق النووي لم يأت إلا بسبب ذلك النزيف، وهو كان معروضا على طهران قبل ذلك بسنوات.

في الداخل، خسر المحافظون جولات انتخابية، بعد أن رأى الشعب معاركهم الخاسرة التي تستنزف ثرواته في الخارج، فيما هو يعاني في الداخل، وتصل نسب إدمان المخدرات بين شبابه أعلى النسب في العالم أجمع.

بعد ذلك جاؤوا بروسيا، ومن يستدعي قوة كبرى، فقد قبل بوصايتها والاتفاق الروسي الأمريكي دليل على ذلك، ونتيجة التدخل، حضر الأمريكان، وصارت لهم كلمتهم أيضا، لكن الصهاينة كانوا أكبر الرابحين، ليس بالاتفاق الجديد فحسب، بل بصراع استنزف جميع أعدائهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان خامنئي بحاجة لذلك كله؟ ألم يكن بوسعه أن يجد مسارا آخر لتسوية في سوريا يقبلها الشعب، وتغير من طبيعة النظام الطائفي الأمني، ويصبح صديقا للشعب السوري؟ كان ذلك ممكنا بكل تأكيد، لكن الجنون الطائفي، وأحلام التمدد واستعادة ثارات التاريخ، وقبل ذلك كله غرور القوة، تودي صاحبها المهالك.

قلت منذ سنوات: سيتذكر قادة إيران أن قرارهم بالتدخل العسكري في سوريا هو أسوأ قرار اتخذوه من الثورة، ولا زلت عند رأيي.

*كاتب صحفي أردني/ فلسطيني

الدستور الأردنية

 

 

 

بوتين- ترامب… لقاء مخيب/ فلادمير فرولوف

اللقاء الرئاسي الأول بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين مخيب. فهو سلط الضوء على تباين آراء الرئيسين الأميركي والروسي في مسائل كثيرة. وترامب شأن بوتين لم يسع إلى مساومات فعلية. وعلى رغم أن توقع اتفاقهما على رؤية استراتيجية إلى العلاقات الروسية– الأميركية المستقبلية يجافي المنطق، إلا أنه كان في وسع بوتين وترامب الاتفاق، على أقل تقدير، على إطار مفاوضات أو موعد لقاء مقبل في تشرين الثاني (نوفمبر) في قمة آيبك الاقتصادية السنوية. ولكن الاتفاق تمخض عن فأر: اتفاق محلي لوقف إطلاق النار في جبهة ثانوية في جنوب غربي سورية. ولكن الاتفاق هذا يستند إلى حسن نيات مَن لم يشاركوا فيه، ومنهم الرئيس السوري، بشار الأسد، وإيران. ويرجح أنهما سينتهكان وقف إطلاق النار، فهو يخالف مصالحهما. واحتفى بوتين بوقف إطلاق النار، ولكن عدداً من الاتفاقات المماثلة أبرمت في السنة الماضية ولم تقيض لها الحياة أكثر من شهر.

والأمور في أوكرانيا على حالها. وموسكو تزعم أن تعيين مبعوث أميركي خاص هناك هو «اختراق» أو تقدم كبير، وترى أنه علامة على إقرار واشنطن بأن مسألة أوكرانيا ثنائية (بين القطبين الدوليين) وأن بتّها بيد ترامب وبوتين. ولكن هذا التعيين لا يكتب مصير أوكرانيا في معزل عنها على نحو ما تشتهي موسكو. والمبعوث الأميركي الجديد، كورت فولكر، هو من صقور السياسة الأميركية المعارضين للتدخل الروسي في أوكرانيا. ولم ينجم عن اللقاء أي تقدم في مسألة كوريا الشمالية. فموسكو وبكين ترغبان في صدوع واشنطن بكوريا الشمالية النووية وقدرتها على ردع الهجمات الأميركية. وترى موسكو أن البرامج الكورية الشمالية النووية والصاروخية تساهم في تقييد القوة الأميركية الشاملة. والعاصمة الأميركية أمام خيارين لاحتواء كوريا الشمالية: نشر دفاعات صاروخية في آسيا وفرض عقوبات على الشركات العاملة في هذا البلد. وشاغل موسكو عرقلة السعي الأميركي هذا.

ولم تذلل مآزق العلاقات الأميركية– الأميركية التي بلغت طريقاً مسدوداً في مسألة التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية والأمن الديبلوماسي والعقوبات. ولم يجدد بوتين ولا ترامب التزام مقتضيات معاهدة «ستارت» الجديدة التي ينتهي العمل بها في 2021، ولا اتفاق الصواريخ المتوسطة المدى أو الوسيطة، وهي ركن الأمن الاوروبي. وأعلن بوتين أن كفته غلبت في مسألة لا يستخف بها: إعلان ترامب أنه يتوق إلى نسيان الخلاف على التدخل الروسي في الانتخابات من دون أن تتكبد موسكو ثمناً غالياً. وسارع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى تسويق أن ترامب يصدق تأكيد الكرملين أن روسيا لم تتدخل في الانتخابات. وتصريحاته لن تمر مرور الكرام في الكونغرس الأميركي، وقد ترجح كفة فرض عقوبات على موسكو جزاء تدخلها في الانتخابات. واتفاق إنشاء وحدة مشتركة لحفظ الأمن السيبيري (السيبيرنيطيقي) لا يذلل المشكلة. وخسر بوتين أمام ترامب. فهو أخفق في حمله على الإفراج عن الممتلكات الديبلوماسية الروسية في أميركا.

ولقاء بوتين وترامب هو لقاء خصمين استراتيجيين، ولكن الحوار أو اللقاء ليس غاية السياسة بل وسيلة إلى التوصل إلى حلول. وهذه تقتضي تنازلات لا يستخف بها في ميزان مصالح الطرفين. ويبدو أن العلاقات الروسية– الأميركية ستبقى علاقة خصومة وتنافس. وقد تخفف موسكو نبرة رسائلها الإعلامية وحملتها على أميركا، وقد تتوقف عن اتهام واشنطن بتحريض الارهابيين في سورية. وتحسن العلاقات فعلياً هو رهن تعديل سياسات الكرملين أو قلب موقفها رأساً على عقب من مسألتي أوكرانيا وكوريا الشمالية.

* محلل، عن «موسكو تايمز» الروسي، 9/7/2017، إعداد منال نحاس

الحياة

 

 

 

أين ترد إيران على اتفاق ترامب – بوتين؟/ جورج سمعان

كان كلاهما يحتاج إلى هذه القمة الأولى بينهما في هامبورغ. الرئيس دونالد ترامب الذي بدا كأنه معزول أوروبياً بسبب جملة من المواقف التي أثارت زعماء القارة العجوز وقادة آخرين. ألغى اتفاق باريس للمناخ ورفع الصوت لتوكيد نزعته الحمائية في التجارة الدولية. والرئيس فلاديمير بوتين هو الآخر يخوض صراعاً مع دول الاتحاد ومع الولايات المتحدة لإلغاء العقوبات المستمرة على بلاده منذ ضمه شبه جزيرة القرم. فتحا «مساراً إيجابياً». تقدما «خطوات صغيرة»، على حد تعبير «نيويورك تايمز». سيد الكرملين فتح على الأقل كوة في الجدار الذي رفعته الإدارة الأميركية السابقة. الرئيس باراك أوباما رفع متأخراً الإنفاق في موازنة الدفاع للعام 2017 من أجل ما سمي مواجهة «الاعتداءات الروسية». إضافة إلى انتقاداته اللاذعة لبوتين بأنه صعّد الخطاب السياسي والإعلامي المناهض لأميركا منذ عودته إلى سدة الرئاسة بعد شريكه ديمتري مدفيديف، كما كانت الحال أيام الحرب الباردة. كان الود مفقوداً بين الرجلين. بخلاف الصورة اليوم. الرئيس بوتين تحدث أخيراً عن «أصدقاء» لبلاده في واشنطن. وحمل بشدة على الإدارة السابقة لصنعها ظروفاً تحول دون تنفيذ الرئيس الجديد وعوده الانتخابية وبينها تحسين العلاقة مع موسكو.

لم تخرج القمة بقرارات أو تفاهمات كبيرة. التقدم نحو مكافحة الحرب الإلكترونية خطوة صغيرة أمام التعاون الملح لتشديد الرقابة على انتشار الأسلحة النووية، أو التعاون العسكري في مواجهة الإرهاب، وهو ما تعارضه قوى في الحزبين الأميركيين، الجمهوري والديموقراطي، قبل أن تبدل روسيا في سلوكها حيال جملة من القضايا التي تبدأ بأوكرانيا ولا تنتهي في سورية. ولا يبدو الرئيس بوتين مستعجلاً في تبديل سياساته ما لم يرغم واشنطن على الاعتراف بمصالحه الاستراتيجية والكف عما يعتبره مساً بفضائها الأمني في أوروبا الشرقية ومناطق أخرى كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي. لا يشعر بالحاجة إلى تنازلات، لأنه يحقق نجاحاً في تعكير العلاقات الأميركية – الأوروبية. لأنه لا يحتاج إلى توحيد مواقف مختلفة سياسية وعسكرية وأمنية في إدارته. يكاد يمسك وحده بكل خيوط اللعبة في الداخل. ولا تعوزه الحنكة في بناء علاقات أو تحالفات من الصين إلى إيران وحتى المنطقة العربية وشمال أفريقيا، تعزز فرص قيام أكثر من قطب يحرم أميركا استئثارها بإدارة شؤون العالم، إذا كانت ظروف روسيا وما شهده ويشهده العالم من تغيرات لا تتيح لها إحياء أو بعث الحرب الباردة. وما دام أن الصين تحرص على عدم تكرار موقف الحياد الذي لزمته أيام الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية، بل باتت لها مصالح متشعبة خارج سورها وباتساع عالم تجارتها وصناعاتها في طول الكرة وعرضها. وما دام أن أوروبا باتت تشعر بالحاجة إلى استعادة ثقتها بقدراتها الاقتصادية والعسكرية. في حين أن الرئيس ترامب لا يشعر بعزلة دولية فحسب بل تطارده المتاعب الداخلية، مع الكونغرس والقضاء والقوى الحزبية المختلفة. ولا يخفي استعجاله لتفاهم مع نظيره الروسي. الأمر الذي يشجع الأخير على المضي قدماً في سياسة الهيمنة على أوروبا الشرقية والوسطى وآسيا الوسطى، والسعي إلى استعادة دور وازن لبلاده في معظم أزمات العالم. ولا شك في أن الرد الأميركي الضعيف على انتزاع روسيا أبخازيا وأوسيتيا من جورجيا، ثم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا فالتدخل العسكري الواسع في سورية شجعها على مزيد من تحدي سيطرة أميركا ومصالحها ونفوذها وموقعها الدولي الرائد.

أبرز ما تمخض عنه لقاء الرئيسين ترامب وبوتين في هامبورغ كان الاتفاق على وقف النار جنوب سورية. وهو خطوة صغيرة قياساً على حجم الملفات العالقة بين بلديهما. وكانت خطوة متوقعة نتيجة محادثات ومفاوضات في عمان استمرت أكثر من شهرين. وكانت متوقعة لأن الزعيمين لم يكونا راغبين في أية مواجهة. زعيم الكرملين أبدى حرصاً دائماً على مراعاة الطرف الأميركي لأنه لا يريد صداماً معه لا في سورية ولا في غيرها. وكان كرر في أكثر من مناسبة استحالة تسوية الأزمة السورية والصراع في الشرق الأوسط من دون تعاون بناء وتنسيق بين موسكو وواشنطن. جل ما يبتغي هو تحقيق مصالح بلاده. وهو يتقدم في هذه الطريق. وقد ترجم بالهدنة التي أعلنت في القمة الأولى بين الرجلين، حرصه على مراعاة مصالح عمان وتل أبيب اللتين لم يقطع التواصل والتنسيق معهما. لكنه في المقابل وضع حضور بلاده في بلاد الشام على المحك. فالمعروف أن إيران كانت ولا تزال راغبة في التمدد نحو الحدود الجنوبية، تماماً مثل إصرارها على بقاء طريق بغداد – دمشق مفتوحة لتضمن لها استمرار الوصول إلى شاطئ المتوسط والإطلالة على حدود فلسطين. وعرقلت والنظام كثيراً من التفاهمات. علماً أن آخر لقاء ثلاثي في آستانة لتقرير آليات تنفيذ «مناطق خفض التوتر» لم يخفض سقف التناقضات بين موسكو وأنقرة وطهران. لذلك انتهى بلا نتيجة.

أكد اتفاق الزعيمين على وقف النار جنوب سورية أن الرئيس بوتين يقدم العلاقة مع الولايات المتحدة والشراكة معها على علاقته بأي قوة أخرى، أي إيران شريكته في الحرب الدائرة في بلاد الشام. والسؤال: هل ستتمكن روسيا من فرض التقيد بالهدنة التي قالت إن جنودها سيرعونها ويراقبون حدود المنطقة الجنوبية؟ إضافة إلى ذلك، لم تعرف حدود المنطقة الجنوبية المعنية بالاتفاق الذي يشكل الأردن وإسرائيل جزءاً منه. فهل تشمل مثلاً ما تعتقد تل أبيب بأنه فضاء أمنها الاستراتيجي؟ أي هل تصل هذه الحدود إلى ريف دمشق الجنوبي والجنوبي الشرقي وحتى المطار، إذا كان الهدف الأميركي والإسرائيلي منع وصول الأسلحة إلى «حزب الله» في لبنان. علماً أن طائرات الشحن الإيرانية تعبر الأجواء العراقية من دون أي اعتراض. ولا شك في أن الجمهورية الإسلامية مصممة على التمسك بنفوذها في المشرق العربي مهما كلفها ذلك. وكانت ولا تزال تتمنى بل تعمل على تقويض أي فرصة لقيام تعاون بين موسكو وواشنطن، خصوصاً في الأزمة السورية. وقد ثبت لها أخيراً كما ثبت لجميع المعنيين بالأزمة السورية، أن هناك أخيراً سياسة أميركية واضحة حيال سورية. وهو ما كان ينتظره الجميع.

يبقى أن يثبت الرئيس بوتين قدرته على فرض اتفاق وقف النار على جميع المنخرطين في الحرب. بذلك يؤكد قدرته على أداء دور في رسم صورة النظام الجديد في الشرق الأوسط، إحدى أهم المناطق التي تؤسس لقيام نظام دولي جديد. ويبقى أيضاً أن يثبت الرئيس ترامب جديته في تقليص نفوذ إيران وفرض إبعادها عن حدود سورية مع إسرائيل والأردن ثم مع العراق. عندئذ، سيكون اتفاق الزعيمين على وقف النار «خطوة كبيرة» ترسم حدوداً للدول الإقليمية الكبرى. والسؤال: هل تكون استعدادات «حزب الله» لحرب جرود عرسال رداً إيرانياً على نتيجة لقاء الرئيسين، وسعياً إلى تعويض ما قد يخسره في الساحة السورية، إذا نجحت واشنطن وموسكو في ترسيخ صورة نهائية لتقاسم مواقع النفوذ وفرض وقف شامل للنار مقدمةً لتسوية شاملة؟

الحياة

 

 

اتفاق روسي- أميركي والخاسر إيران/ ماجد كيالي

لعل أهم ما يفصح عنه التوافق الأميركي- الروسي، الذي نجم عن اجتماع القمة بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في خصوص سوريا، لا سيما المنطقة “منخفضة التصعيد” أو الآمنة، في الجنوب السوري، أن الدولتين الكبريين باتتا على حافة الحسم في شأن وقف الصراع السوري، تمهيداً ربما لإيجاد مخارج سياسية له، هذا أولاً.

ثانياً أن عديدا من القضايا الخلافية بين هذين الطرفين، قد تجد طريقها في المستقبل نحو الحل أو نحو إيجاد تفاهمات مشتركة.

ثالثاً هذا التوافق أكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن كل المفاوضات السورية، التي كانت تدور، سواء في جنيف أو في أستانة، لا قيمة لها، وأنها كانت مجرد تقطيعاً للوقت، بدليل أن اجتماع أستانة 5 لم ينجح في الوصول إلى توافق حول “المناطق منخفضة التصعيد”، بين الأطراف الموقعة، أي روسيا وإيران وتركيا، في حين تم ذلك بين روسيا والولايات المتحدة والأردن، وهما من غير الأطراف الموقّعة.

رابعا ما حصل يؤكد مرة أخرى أن الولايات المتحدة هي الطرف المقرر في الصراع السوري أو في توجيه دفته، سواء بما يتعلق بديمومته أو بإنهائه، وأنها مع روسيا هما من يتحكم بهذا الصراع على الجبهتين المتقابلتين.

فوق كل ذلك فإن الاتفاق الحاصل كرّس روسيا باعتبارها الطرف الممسك بالملف السوري، وباعتبارها صاحبة القرار في صياغة مستقبل هذا البلد على حساب كل من إيران وتركيا. وطبعا فإن إيران هي الطرف الخاسر الأكبر قياسا بطموحاتها وتوظيفاتها، مع الأخذ بعين الاعتبار أوراق القوة التي تحتفظ بها تركيا باعتبارها بلد جوار.

بيد أن كل ذلك لا يعني شيكاً على بياض منح لروسيا، إذ أن الولايات المتحدة تدرك أنها تمتلك أوراق القوة التي تجعلها الأكثر قدرة على صوغ مستقبل سوريا، والأكثر إمكانية للاستثمار فيها، وأن روسيا لا تستطيع شيئا من دونها هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإن الولايات المتحدة ضمنت في ذلك الاتفاق أمن حلفائها، أي إسرائيل والأردن، عبر شمول المنطقة الآمنة المتفق عليها لمنطقتي درعا والقنيطرة. وفوق هذا فإن الولايات المتحدة ضمنت تحجيم نفوذ إيران، ومنع التواصل بين العراق ولبنان عبر إمساكها بالحدود الشرقية لسوريا مع العراق، كما ضمنت أمن حليفها المتمثل بقوات سوريا الديمقراطية، كقوة فاعلة على الحدود الشمالية الشرقية لسوريا.

وزير الخارجية الأميركية أكد أن لهذا الاتفاق ما يليه وأن الأمر يشمل عدم بقاء أسرة الأسد في الحكم في المستقبل، مع الغموض في ما يخص هذا الشأن في المرحلة الانتقالية، أي مع ترك ذلك للإخراج الروسي. وكذا تأكيده أن الأمر يتعلق بالتوافق على إيجاد منطقة حظر جوي، في حديث جدي هو الأول من نوعه بين الطرفين الروسي والأميركي.

هكذا، ثمة عديد من المؤشرات التي تقيد بإمكان وقف الصراع الدامي والمدمر في سوريا، ضمنها إنهاء وضع داعش في سوريا والعراق، ومعه جماعات القاعدة، وتوفر قناعة دولية بأن الصراع السوري بلغ خواتيمه بعد استنزاف وإنهاك الطرفين المعنيين، وأنه آن الأوان لتحجيم دور الأطراف الإقليمية التي تبدو طموحاتها زائدة عن حدها.

مع ذلك فإن التجربة المتعلقة بالصراع السوري، تؤكد بأن أي توافق سيبقى يخضع لاعتبارات عديدة، أهمها يتعلق بمدى حسم كل من الولايات المتحدة وروسيا لأمرها، ومدى استعداد كل منهما لضبط الأطراف الحليفة لها، بواسطة الوسائل السياسية أو بواسطة القوة العسكرية، لأن الأمر يدور عن صراع مسلح على الأرض ولا يدور بوسائل الحوار أو بوسائل الدبلوماسية أو بالسياسة.

وبديهي أيضاً أن هذا الأمر سيخضع لاختبارات أخرى، ناجمة عن كيفية إدراك الأطراف الإقليمية، أو كيفية هضمها لهذا التوافق من عدم ذلك. فإذا كانت الولايات المتحدة وروسيا قادرتين على إقناع إسرائيل، فسيتبقى أن عليهما إقناع تركيا وإيران بذلك. وربما أن إيران، كخاسر أكبر، ولا سيما من موقعها في العراق وسوريا ولبنان، ستحتاج على الأرجح، إلى ضغوط أكبر، من الطرفين، لفرض هذا الاتفاق عليها، أو لإجبارها على ابتلاعه، وهذا يتعلق بأي اتفاق أخر قادم، سواء كان بوسائل الضغط السياسي والاقتصادي أو بوسائل القوة.

العرب

 

 

 

ماذ يعني وقف إطلاق النار في جنوب سوريا؟/ د. عصام نعمان

تتشابه الولايات المتحدة والإرهاب في أمر واحد على الأقل: كلاهما موجود، مباشرة أو مداورة، في كل مكان على كوكب الأرض. لعلهما الأوسع والأثقل والأخطر وجودا في عالم العرب من اي مكان آخر.

هما مشتبكان حينا ومتعاونان حينا آخر، لكنهما يتسببان دائما في افتعال مشكلات وأزمات تُفسد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلدان عدة. أليس هذا واقع الحال في سوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن ومصر، ناهيك عن أقطار مرشحة إلى حالٍ مماثلة كالبحرين والجزائر وتونس والسودان؟

بسببٍ من تدخلاتٍ وحروب عسكرية قامت بها الولايات المتحدة، وعمليات ارهابية وممارسات وحشية تولاها «داعش» و»النصرة» وأمثالهما في البلدان المذكورة، انجذبت بدوافع شتى دولٌ وأطراف اخرى إلى ساحات الصراع، ما زاد المشكلات والأزمات المحتدمة تعقيدا وعنفا. وفي محاولات حثيثة للتغطية على سوء الافعال المرتكبة ومفاعيلها الأكثر سوءا، لجأت الولايات المتحدة وغيرها من اطراف الصراعات المتناسلة في عالم العرب، إلى عقد الاجتماعات والمؤتمرات الهادفة ظاهرا، إلى معالجة المشكلات والازمات المحتدمة، وباطنا إلى التوصل إلى معادلات وتسويات من شأنها الحفاظ على النفوذ والمصالح وتعزيزها.

في هذا الإطار، عُقد مؤتمر أستانة الاخير من دون التوصل إلى نتائج إيجابية. يعزو معظم الاطراف المشاركين فشل المؤتمر إلى سلوكية تركيا، التي تحاول اجتياح منطقة عفرين في شمال غرب سوريا، بدعوى الحؤول دون ضمها إلى مناطق في شرق البلاد تسيطر عليها تنظيمات كردية تبتغي إقامة حكم ذاتي فيها، وصولا إلى تحقيق طموح قديم: إقامة دولة كردية تضم اكراد تركيا وسوريا والعراق وايران.

الولايات المتحدة تلعب لعبة مزدوجة، تراعي من جهة، تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، التي تحتضن قاعدة جوية (انجرليك) للحلف المذكور، وتمول وتسلح من جهة اخرى، التنظيمات الكردية السورية المعادية لتركيا. فوق ذلك، أقامت الولايات المتحدة في شمال سوريا 7 قواعد عسكرية وجوية ونشرت قوة من مشاة البحرية مزودة أسلحة ثقيلة، بدعوى مساندة «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية الناشطة من اجل استخلاص الرقة من ايدي «داعش».

بدأت التدخلات الامريكية في التاريخ المعاصر اثناء ولاية الرئيس السابق باراك اوباما، لكنها توسعت كثيرا مع بداية ولاية خلفه دونالد ترامب، الذي لم يكتفِ بنشر قوة امريكية ثقيلة التسليح في منطقة التنف السورية لعرقلة وصول الجيش السوري إلى الحدود السورية – العراقية بغية الالتقاء مع الجيش العراقي، ثم اردفت ذلك بقصف قاعدة الشعيرات الجوية السورية بصواريخ «توماهوك» بدعوى الاقتصاص من دمشق، لقيامها المزعوم باستعمالٍ أسلحة كيميائية في منطقة خان شيخون بمحافظة ادلب. الى ذلك، اعلن ترامب خلال زيارته وارسو (بولونيا) تصديه لروسيا وايران في سوريا، متهما الدولتين بزعزعة الاستقرار فيها.

ليس غريبا، والحالة هذه، أن تقرر موسكو (بالتفاهم مع دمشق) تعزيز قوتها الجوية في سوريا، بوضع بروتوكول يتضمن بنودا تحدد مسائل انتشار المجموعة الجوية الروسية وممتلكاتها على الاراضي السورية. بعض المراقبين فسر هذا الإجراء بأنه اشارة إلى اطالة الوجود العسكري الروسي في سوريا، ازاء تصعيد الانتشار العسكري الامريكي في ربوعها.

في جنوب سوريا، تتربص «اسرائيل» بالجيش السوري وحلفائه، ولاسيما حزب الله، كما تتخوف من تحريك ايران مجموعات من «فيلق القدس» إلى مناطق قريبة من الجولان المحتل، بغية المشاركة في مجهود يرمي إلى تكوين مقاومة سورية فاعلة تساندها القوى المشار اليها آنفا. في المقابل، تسعى «اسرائيل» إلى دعم كوكتيل من الفصائل السورية الارهابية و»المعتدلة» لإقامة جيب على طول حدود الجولان المحتل لتأمين مشاركة أتباعها في المفاوضات حول المستقبل السياسي لسوريا، بعد وقف اطلاق النار. غير أن سؤالين ينهضان بعد لقاء ترامب وبوتين في قمة العشرين: هل تلتزم «اسرائيل» فعلا وتُلزم الفصائل الإرهابية الموالية لها باتفاق القطبين الأمريكي والروسي على وقف اطلاق النار في ساحات جنوب سوريا المحاذية للجولان المحتل؟ وهل يعني التزامها وجود تفاهم ضمني بين القطبين على إقصاء المقاومة وحلفائها عن منطقة الجولان؟

يتحصل من هذا العرض الموجز لواقع الحال في مختلف الساحات السورية، أن خمس دول تتدخل وتتنافس وتتصارع فيها وعليها: امريكا وروسيا وتركيا وايران و»اسرائيل»، وأن لكل منها مصالح وأغراضا تسعى إلى تعزيزها وحمايتها، وان مشكلات وأزمات تنشأ عن هذه الصراعات، وأن من شأن إصرار امريكا وتركيا و»اسرائيل» على نشر قوات داخل سوريا، من دون إذن وترخيص من حكومتها، يشكل انتهاكا لأحكام القانون الدولي وخرقا لسيادتها، ويتسبب ايضا في إطالة أمد الصراعات وتعليق مسألة إنهائها إلى اجل بعيد، في محاولةٍ لإستنزاف سوريا إلى درجة استحالة القدرة على النهوض.

لتفادي هذا الاحتمال الخطير، ستجد سوريا نفسها مضطرة إلى متابعة الكفاح ومضاعفة الجهود، وصولا إلى تحرير كل اراضيها المحتلة، سواء من «داعش» وامثاله، أو من امريكا وتركيا و»اسرائيل». ذلك أن إجراء مفاوضات سياسية قبل تحرير كل الاراضي السورية، سيؤدي إلى مطالبة دمشق بتقديم تنازلات قاسية لا قدرة لقيادتها السياسية والعسكرية على تحملها.

لتقصير امد الحرب والاستنزاف ولإحباط اي توجه اسرائيلي إلى انتهاز فرصة تشرذم العرب، واستشراء الحروب والاضطرابات في العديد من اقطارهم، ستجد قيادتا سوريا والعراق نفسيهما مضطرتين إلى تجاوز مصاعب وتجارب وتحفظات سابقة، من اجل الارتفاع إلى مستوى الأخطار والتحديات الهائلة المحدقة بهما، والاتجاه إلى مواجهتها في اطار جبهة قومية موحدة ونَفَس طويل وتعبئة شاملة لضمان النصر.

ايران لها مصلحة في اقامة مثل هذه الجبهة ودعمها لوجستيا وعسكريا وسياسيا، ذلك أن سقوط سوريا والعراق في براثن امريكا وتركيا واسرائيل، يقضي على كيانهما ووحدة اراضيهما، ويشرد شعبيهما في اربع رياح الارض. والارجح أن تحذو روسيا حذو ايران، وإن بالتزام ادنى فعالية، فتدعم البلدين في كل ما من شأنه منع استباحتهما من امريكا و»اسرائيل» وتركيا، وذلك بتزويدهما الأسلحة المتطورة اللازمة في هذا السبيل.

باختصار، ستبقى الازمات والصراعات التي تعصف بسوريا والعراق محتدمة وعالقة، وان لا سبيل امام الجارتين إلا قبول التحدي والكفاح بنَفَس طويل وبإطار جبهة موحدة لغاية ضمان اعلى درجات الامن والحصانة والسلامة.

كاتب لبناني

القدس العربي

 

 

 

الاتفاق الأمريكي ـ الروسي: الخناق يضيق على السوريين

رأي القدس

حسب الأخبار الواصلة حول التفاهم الأمريكي ـ الروسي في جنوب سوريا (يشمل محافظات درعا والقنيطرة والسويداء وقسما من القنيطرة) فإن الطرفين سيعملان على تثبيت وقف النار على خطوط التماس بين الفصائل وقوات النظام والمسلحين الموالين له على أن ينسحب الأخيرون إلى ثكنات تابعة للنظام وتنتشر عناصر للشرطة العسكرية الروسية على الحدود، وتتبع ذلك محادثات يستعيد فيها النظام السيطرة على المعابر الحدودية مع الأردن مما يسمح للشاحنات الأردنية بعبور سوريا باتجاه تركيا ولبنان وأوروبا.

الطرف الخفيّ في الاتفاق هو إسرائيل التي استطاعت، من وراء الكواليس، تأمين حدودها بحيث يُبعد عنها «حزب الله» والميليشيات التابعة لإيران، وعلى عكس المعارضة السورية التي اعتبرت التفاهم شرعنة للاحتلالين الروسي والإيراني فإن النظام السوري أعلن عن رضاه، لأن التفاهم، في صلبه العميق، هو مقدّمة لعودة الاعتراف الأمريكي بنظام بشار الأسد حيث أن علم النظام سيعود إلى الحدود وبعض المناطق الأخرى التي تسيطر عليها المعارضة، وستكون حليفته الكبرى، روسيا، ضامناً عسكرياً للاتفاق.

أحد تفاصيل الاتفاق سيكون له انعكاس على الأردن واللاجئين السوريين فيه حيث سيتم السعي لعودتهم إلى جنوب سوريا على خلفية وعود بإيصال المساعدات الإنسانية إليهم. يمثّل هذا الاتجاه تخفيفاً لعبء اللاجئين على الأردن كما أنه يحقّق مطلباً حقوقيّاً في عودة النازحين إلى بلادهم التي فرّوا منها للنجاة بعائلاتهم وأطفالهم، غير أن هذه العودة، التي قد تكون عاملاً مهمّاً في تحريك ديناميكيّات جديدة في الوضع السوريّ الشديد الاستعصاء، قد تتحوّل إلى مأساة جديدة إذا لم يتوفّر لهؤلاء الحماية من قصف النظام أو أشكال الاعتداء والهجوم عليهم.

ما يرجّح هذا الاحتمال هو تحالف دعايات النظام السوري وجهات سياسية متعددة، في لبنان والأردن وتركيا، ضد اللاجئين، وتصاعد أشكال العنصرية الفظيعة ضدهم، والذي شهدنا آثاره المرعبة في حوادث يندى لها جبين البشر، ومن ذلك، مؤخراً، اغتصاب طفل وقتله في الأردن، واغتصاب امرأة وقتلها مع رضيعها في تركيا، وعمليات التنكيل الجماعية ضد مخيمات اللاجئين في لبنان وما تبعها من حرق وتعذيب وقتل.

هناك حملات تحريض صريحة في البلدان الثلاثة التي لجأ إليها السوريون وقودها يمزج بين حوادث تافهة (من قبيل تصوير شاب سوري لفتيات تركيات على البحر) مع تذمّر فئات شعبيّة، لم ينلها من حصص الدعم الدولي ما يرضيها، مرفوعة كلها على أغراض سياسية قبيحة (كما هو حال بعض أطراف المعارضة التركية والكردية في تركيا و»حزب الله» وحلفائه في لبنان وأنصار النظام السوري في الأردن) لتتحول إلى تيّار عام مؤثر في الشارع والسياسة في البلدان الثلاثة، وإلى كابوس مرعب يطارد اللاجئين الذين صاروا خائفين من تبعات ذلك حيثما حلّوا وكثير منهم مرعوب من فكرة إعادتهم القسرية نحو سوريا ليكونوا عرضة لانتقام النظام السوري ومخابراته.

الرئيس اللبناني ميشال عون عبّر عن مخاوف من أن تصبح مخيمات لجوء السوريين «حواضن للإرهاب».

مخاوف الرئيس اللبنانية حقيقية طبعاً فللإرهاب معادلة اشتعال بسيطة من عناصرها الإفقار والإذلال والعنصريّة، ولا تحتاج لقدح زنادها أكثر من ممارسات الجيش ومخابراته، وجوّ الكراهية العامّ المتزايد الذي يدخل ضمنه تصريحات الرئيس اللبناني نفسه.

 

 

سورية: الاتفاق الرباعي ومسار أستانة يسرقان وهج جنيف7 اليوم/ محمد أمين

تتجه الأنظار مرة أخرى بدءاً من اليوم الإثنين إلى مدينة جنيف السويسرية التي تستضيف جولة سابعة من المفاوضات حول سورية، وسط انخفاض كبير بمستوى آمال المعارضة بجدوى التفاوض حول مسار الحل السياسي، في وقت يحاول فيه المجتمع الدولي إعادة تعويم نظام بشار الأسد، في نسفٍ واضح لأسس العملية التفاوضية التي نصت عليها قرارات دولية. وفيما يأتي “جنيف 7″ بعد يوم واحد من بدء سريان اتفاق رباعي روسي-أميركي-إسرائيلي-أردني لوقف إطلاق النار في جنوب سورية، فإن علامات استفهام كبرى باتت تطرح بشأن مسار جنيف، والذي فشل في الماضي بإرساء أي أسس لاتفاق سياسي لسورية جديدة من دون بشار الأسد ونظامه. وباتت الاتفاقات الكبرى المتعلقة بسورية يتم التفاهم عليها خارج جنيف الذي ترعاه الأمم المتحدة، سواء في أستانة أو في غرف اجتماعات الدول المعنية بالملف السوري، من دون حتى إشراك السوريين بما يحاك لبلدهم. ولا تخفي المعارضة خيبة أمل كبرى بالمجتمع الدولي، على اعتبار أن الحل السياسي بات بعيد المنال، مشبهةً مفاوضات جنيف بـ”ورشات العمل” البعيدة عن التفاوض الحقيقي الذي يهدف إلى إيجاد حلول مستدامة.

وتبدأ اليوم الإثنين الجولة السابعة من مفاوضات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة بين المعارضة السورية والنظام، من أجل إيجاد حل سياسي للقضية السورية قابل للصمود في بلد بات مهدداً بالتقسيم والتشرذم. وذكرت مصادر في “الائتلاف الوطني السوري” لـ”العربي الجديد” أن مدة الجولة الجديدة أربعة أيام فقط، مشيرةً إلى أنه لم يطرأ أي جديد على تشكيلة وفد المعارضة، إذ يترأسه نصر الحريري، مع وجود أليس مفرج نائباً له، وكبير المفاوضين في الوفد، محمد صبرا.

وذكر صبرا لـ”العربي الجديد”، أمس الأحد، أن الموفد الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، لم يوزع جدول أعمال الجولة السابعة على الوفدين، فيما أكد عضو الهيئة السياسية في “الائتلاف الوطني السوري”، عقاب يحيى، لـ”العربي الجديد” أن الجولة السابعة تتضمن استمرار “المناقشات” حول السلال التفاوضية الأربع، وهي: الحكم، الدستور، الانتخابات، مكافحة الإرهاب. وتوقع ألا يتم التطرق إلى موضوع المعتقلين، أو التفاوض المباشر مع وفد النظام كما طلبت المعارضة في الجولة السادسة من أجل التعجيل بالحل. وكان نائب المبعوث الأممي إلى سورية، رمزي عزالدين رمزي، قد أكد في تصريحات من دمشق، عقب اجتماعه مع نائب وزير خارجية النظام، فيصل المقداد، يوم السبت، أن جولة جنيف السابعة “ستبحث حزم الحلول الأربعة بالتوازي مع مواصلة المشاورات التقنية حول المسائل القانونية، والدستورية المتعلقة بالعملية السياسية”.

وانخفض سقف آمال المعارضة السورية إلى حد بعيد بمسار جنيف التفاوضي بعدما بدأ يراوح مكانه من دون تحقيق اختراق حقيقي، خاصةً على صعيد الانتقال السياسي الذي تعتبره المعارضة جوهر العملية السياسية المستندة إلى بيان “جنيف 1” وقرارات دولية أخرى ذات صلة أبرزها القرار 2218 والقرار 2254، والتي يحاول النظام وحلفاؤه القفز فوقها. وتابع عقاب يحيى أن ما يجري في جنيف ليس تفاوضاً “بل هو أقرب إلى المناقشات”، مشبهاً مسار جنيف بـ”ورشات العمل” التي يجري النقاش فيها حول قضايا متعددة.

وأشار يحيى إلى أن ما يجري في سورية يؤكد “أننا لا نزال بعيدين كل البعد عن الحل السياسي”. وأضاف أنه “يجري الآن تحويل سورية إلى مناطق نفوذ لقوى إقليمية ودولية، والحرب على الإرهاب أولوية لدى الولايات المتحدة وليس الحل السياسي للقضية السورية”. وأكد أن لدى المعارضة خشية من تعدد المسارات في الملف السوري. وأوضح أن الاتفاق الرباعي الروسي-الأميركي-الأردني-الإسرائيلي حوّل جنوب سورية إلى مناطق “وصاية”، مشيراً إلى أن هناك محاولات دولية لـ”إعادة تعويم نظام بشار الأسد مرة أخرى”، معرباً عن اعتقاده بأنه لا أمل يُرجى من جولة جنيف السابعة. وقال “هي تسجيل حضور لا أكثر ولا أقل”، وفق تعبيره.

وفقد مسار جنيف التفاوضي كثيراً من زخمه وبريقه الإعلامي والسياسي، في ظل عدم تبلور تفاهمات روسية وأميركية حول مستقبل الصراع في سورية. ولا يزال الروس يصرّون على أن الأسد جزء من الحل، وهو ما ترفضه المعارضة التي تعتبره أصل المشكلة في سورية. وقال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال مؤتمر صحافي في قمة “مجموعة العشرين” في هامبورغ الألمانية، إن مستقبل سورية والرئيس الأسد يحدده الشعب السوري، وليس وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، في تأكيد جديد على أن الحل للقضية لا يزال بعيد المنال.

وتراجعت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خطوة إلى الوراء حيال مصير بشار الأسد، إذ باتت تعتبره جزءاً من عملية انتقالية في سورية، ولم تعد تصر على رحيله عن السلطة فور بدء هذه العملية، في تأكيد على عدم قدرة الأميركيين على تجاوز حقائق فرضها التدخل الروسي والإيراني في سورية. وقال عضو في “الائتلاف الوطني السوري” لـ”العربي الجديد” إن المعارضة باتت في مأزق. وأوضح قائلاً “لا يمكننا قبول بقاء بشار الأسد في السلطة تحت أي ذريعة بعدما قتل وشرد واعتقل وحاصر ملايين السوريين، ورهن سورية للروس والإيرانيين، ولا يمكننا إزاحته عنها بالقوة، وبنفس الوقت نحن نريد إيقاف قتل السوريين المستمر منذ سنوات”. وأشار إلى أن المجتمع الدولي “خذل السوريين، وحوّل بلادهم إلى مسرح صراع لا يكاد ينتهي والآن يريد تعويم قاتلهم”، في إشارة إلى الأسد. ووصف ما يجري في سورية بـ”الوضع المعقد” الذي يحتاج إلى إرادة حل دولية “للأسف غير موجودة الآن”، وفق المتحدث. وأضاف “يريدون من المعارضة توقيع صكوك استسلام وغفران لقتلة السوريين على مدى أعوام، والقبول باحتلال روسي وإيراني، مستخدمين لغة القوة والجبر”، موضحاً أن المعارضة “في وضع صعب في ظل انشغال حلفائها بخلافاتهم”، على حد تعبيره.

وجاء الإعلان عن الاتفاق الرباعي الروسي-الأميركي-الأردني-الإسرائيلي حول جنوب سورية قبيل أيام من جولة جنيف السابعة، ليسهم في إفقاد المسار التفاوضي قيمته الحقيقية. وبدأت أطراف الصراع تبحث عن حلول تلائم مصالحها خارج سياق المعادلة الأممية التي تحض على إبقاء سورية بلداً موحداً من دون وصاية من دول أخرى. ودشن الاتفاق الرباعي التدخل الإسرائيلي المباشر بالأزمة السورية، إذ أكدت صحف إسرائيلية، أمس الأحد، أن إسرائيل “شريك بالتوصل لاتفاق التهدئة جنوب سورية”. وذكرت كل من صحيفتي “هآرتس” و”يديعوت أحرونوت”، أن إسرائيل كانت طرفاً في المباحثات التي تمت بين الأطراف الثلاثة المذكورة، وأنها وضعت مطالب واضحة بشأن صيغة الاتفاق المذكور وشروطه، وإن كانت قد تحفظت علناً من إبقاء الإشراف على وقف إطلاق النار بأيدي روسيا بشكل حصري. ويأتي تأكيد الصحيفتين، بعدما كانتا قد نشرتا، يوم الجمعة، لأول مرة، عن الدور الإسرائيلي في المشاورات والمفاوضات الجارية في الأردن، إذ أوردت “هآرتس”، حينها، أن إسرائيل مطلعة على ما يجري في المفاوضات في الأردن، وأنها طالبت الولايات المتحدة بشكل واضح بأن يتم فصل مباحثات وقف إطلاق النار في جنوب غرب سورية عن المفاوضات العامة الجارية في أستانة، وأن يتم استبعاد إيران وأذرعها عن المنطقة. وبحسب الصحيفة، فإن الولايات المتحدة تبنّت المواقف الإسرائيلية المذكورة.

وعاودت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أمس الأحد، التأكيد عبر مقال للمحلل العسكري، أليكس فيشمان، في نسختها الورقية، بشكل لا يترك مجالاً للشك، أن الاتفاق وقع بين ثلاث دول هي روسيا والأردن والولايات المتحدة، إلا أن إسرائيل كانت لاعباً رئيسياً في بلورته. وأضاف المحلل الإسرائيلي أنه في حال تطبيق الاتفاق وتنفيذه فإن ذلك سيبعد خطر تشكيل جبهة إيرانية مع “حزب الله” في هضبة الجولان، وهو بحد ذاته إنجاز سياسي لإسرائيل، وفق تعبيره.

ولفت فيشمان، في هذا السياق، إلى أن الهجمات والغارات التي شنتها إسرائيل في الأسابيع الأخيرة على مواقع في سورية، إثر سقوط قذائف بالجانب الإسرائيلي من الجولان المحتل، ساهمت في تكريس مكانتها كلاعب لا يمكن تجاهله في الترتيبات في الجولان، فضلاً عما يقال عن علاقاتها مع جهات سورية في الطرف السوري من الجولان، وهو ما يساعدها في أن تكون طرفاً في الإشراف على تطبيق الاتفاق ومراقبته.

وفي الساعات الأولى لبدء سريان وقف إطلاق النار في الجنوب، أي في درعا والقنيطرة وريف السويداء، بدا الالتزام كبيراً نسبياً من جميع الأطراف. وتحدث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن الاتفاق الرباعي، ووصفه بأنه “سينقذ أرواح كثيرين”. وكتب في تغريدة على موقع “تويتر”، قائلاً “حان الوقت للعمل بشكل بنّاء مع روسيا”.

بدوره، أعلن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، عن سروره من الاتفاق “طالما أنه يضمن عدم وجود عسكري لإيران ولمليشياتها على الحدود الإسرائيلية”. أما حكومة النظام السوري، فعبّر مسؤول فيها عن الموقف بقوله إن “السكوت علامة الرضا”، رداً على سؤال لوكالة “رويترز” حول موقف دمشق من وقف إطلاق النار.

وذكر المتحدث الإعلامي لـ”ألوية الفرقان” التي تنشط في منطقة القنيطرة، صهيب الرحيل، أن “الوضع هادئ بشكل نسبي”. وقال مسؤول آخر في المعارضة في مدينة درعا إنه لم يقع قتال يذكر. وأفاد مدير “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، رامي عبد الرحمن، بأن الهدوء يسود في جنوب سورية منذ ظهر الأحد. وقال إن “الجبهات الرئيسية في درعا والقنيطرة والسويداء تشهد توقفاً للمعارك والقصف منذ صباح الأحد باستثناء سقوط قذائف متفرقة قبل الظهر أطلقتها قوات النظام على مناطق سيطرة الفصائل في مدينة درعا”.

وكان مسؤول أميركي في وزارة الخارجية قد كشف، لدى الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، يوم الجمعة، أنه سيكون “ترتيباً من ضمن اتفاق أكبر”. وذكر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن الاتفاق يتضمن “تأمين وصول المساعدات الإنسانية وإقامة اتصالات بين المعارضة في المنطقة ومركز مراقبة يجري إنشاؤه في العاصمة الأردنية عمّان”. كذلك تم تسريب بنود تتعلق بنشر قوات شرطة عسكرية روسية وأخرى أردنية لمراقبة الهدنة، فضلاً عن الاعتماد على الأقمار الصناعية، وإبقاء المليشيات المحسوبة على إيران بعيدة 30 كيلومتراً عن الحدود الفلسطينية المحتلة والأردنية.

العربي الجديد

 

 

ما وراء الاتفاق الثلاثي والمنطقة العازلة في سوريا/ يمان دابقي

قبل نحو شهرين من الآن حدثت اجتماعات دورية في العاصمة الأردنية عمان، بين روسيا واسرائيل بمشاركة الأردن، وتركزت المحادثات على إنشاء منطقة عازلة في الجنوب، تحفظ آمان اسرائيل في المنطقة الممتدة بين الجولان والقنيطرة والسويداء ، لكن بدا واضحاً أن الاحتجاجات الإيرانية آلت لتقديم هدية لإيران من قبل روسيا باستثناء السويداء.

ماحدث يوم الجمعة بتاريخ الثامن من الشهر الجاري، في لقاء القمة بين الرئيسين بوتين وترامب في هامبورغ الألمانية، أنتج اتفاقاً ثلاثياً في خلق تهدئة في الجنوب السوري تمهيداً لتحقيق المنطقة العازلة، حيث حدث ذلك على هامش لقاء قمة العشرين .

اللافت أن هذا الاتفاق جاء بعيداً عن أورقة محادثات آستانة التي سببت بشكل أو بآخر إلى تسريع هذا الاتفاق بعد توقيع وفد المعارضة المتواجد في جولة آستانة 5 على اتفاق تهدئة التصعيد في الجنوب السوري، مع العلم أن فصائل الجنوب قاطعت تلك المحادثات وأصدرت بياناً باسمها أعربت عن رفضها للوفد الحاضر في آستانة وقالت أنه لا يمثل إلا فصلين على الأرض.

خلافات واتهامات بالخيانة حدثت في الوقت الذي يستمر فيه اللاعبان الروسي والأمريكي في تقسيم التركة السورية، بما يتناسب مع المصالح المشتركة، ولا يغيب عن القارئ للمشهد السوري أن روسيا استطاعت أن تطوع بعض الشخصيات من المعارضة للرغبة الروسية وأجبرتها على حضورآستانة لاتنزاع قرار التسليم بما تمليه عليهم الأجندات الروسية.

في خضم ذلك اتهم وفد الآستانة وعبر رئيس وفد المعارضة العميد أحمد بري، اتهم فصائل الجنوب بالخروج عن مسار الثورة، وطالبها في بيان سحب خرائط مناطق التصعيد من الدول الثلاث والعودة لوحدة الكلمة، لأن غير ذلك سيقود إلى شق الصف بين الشمال والجنوب ، وأضاف العميد أن فصائل الجنوب من المؤكد لا تعينها محادثات آستانة طالما أنها وقعت اتفاقاً سري حول المنطقة الآمنة.

حقيقة الأمر أن الاتفاق كان قبل الآستانة ولا دخل للمفاوضات بهذا لااتفاق ، فهو رغبة اسرائيلية بالدرجة الأولى، وقد تحدثت مصادراسرائيلة عن لقاء جرى بين نيتناهو وبوتين قُبيل لقاء قمة العشرين، واتفق الطرفان على تطبيق النية الاسرائيلية المبيتة في انتزاع منطقة آمنة لا تكون لإيران وجود فيها، فكان لقاء بوتين ترامب الذي وصفته معظم الصحف العربية بكيمياء إيجابية أحدث ثمرة الاتفاق الثلاثي وجاء الإعلان على لسان وزير الخارجية الأردني محمد الممومني.

مآلات الاتفاق خطيرة جداً لأنها ستسمح لإيران بالتواجد خارج حدود المنطقة العازلة ، وستضع يدها على السويداء وتزيد من تواجدها في محيط العاصمة دمشق لتأمين الخط البري البديل، ما يعني أن إيران سترضخ للاتفاق إذا ما حصلت على ماتريد بعيداً عن منطقة 30 كلم الاسرائيلية.

روسيا هي الأخرى حصلت على ماتريد من خلال منطقتي خفض التصعيد وربما أيام قليلة ستفصلنا عن نشر قوات روسية في ريف حمص والغوطة، وإذا ماحدث ذلك تكون قد أمنت العمق الاستراتيجي لها في سويا بتعزبز خط الدفاع عن مناطق نفوذها في الساحل وطرطوس، وعليه تكون قد أمنت على حماية قواعدها العسكرية في سوريا.

الاتفاق بدوره قد يسمح للنظام التقدم نحو معبر نصيب لبسط سيطرته عليه ورفع علمه، أو معبر آخر في السويداء السورية ثم التوجه نحوديرالزورلاستعادة مناطق النفط ، بينما الرقة ربما تكون من نصيب قوات سوريا الديمقراطية وهي اليوم تتوغل أكثر فأكثر باتجاه المدينة.

أما تركيا فستكون منطقتها بتعزيز الشمال السوري ودخول عفرين بضوء أخضرروسي تمهيداً لدخول إدلب من خلال عملية سيف الفرات بمشاركة 12 ألف مقاتل من فصائل الجيش الحر، وربما نرى اصطدام مباشر بينها وبين هيئة تحرير الشام التي تتوعد لقتل أي جندي تركي يدخل الأراضي التركية .

على الطرف المقابل الأردن هي الأخرى إذا ماحدثت المنطقة العازلة ستؤمن حدودها مع سوريا وتتخلّص من ورقة اللاجئين وتمنع الخطر عن أمنها القومي من أي تهديد إرهابي .

النقطة الأخطرفي الاتفاق وأمام التفاهمات الدولية ربما نشهد حصار خانق فيما بعد المنطقة العازلة على فصائل الجنوب لتعزيز خط المصالحات والهدن مع النظام ، وبذلك نكون أما مشهد آخر لما حدث في حلب التسليم مقابل السلام .

من المؤسف جداً القول أن كل هذه الاتفاقات تحدث بعيداً على متناول المعارضة والنظام بل جاءت على حساب تضحيات أكثر من ست سنوات لشعب مايزال يطالب بحريته، والمؤسف أكثر أن العالم بأسره أصبح يتعامل مع الواقع السوري على أساس أزمات دولية لاغين بذلك أي ذكر لثورة شعب انتفض لنيل كرامته تخت سقف الحرية.

نون بوست

 

 

 

 

هدنة الجنوب طريق متعرج لتفاهمات أميركية روسية للحل في سوريا

بين طرف متشكك وآخر متفائل استقبل العالم خبر الاتفاق الذي توصل إليه الرئيسي الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بشأن ترتيب الأوضاع في جنوب سوريا بما يحصر إيران ويمنعها من الاقتراب من الحدود السورية مع الأردن، ومن تشكيل أي تهديد لحدود سوريا مع إسرائيل عبر الجولان. وتلتقي موسكو مع طهران في دعم نظام الأسد، وسبق أن وقعتا في مايو الماضي، ومعهما أنقرة، التي تدعم فصائل معارضة، اتفاقا يقضي بإقامة أربع مناطق لخفض التصعيد وإعلان هدنة دائمة فيها. وبينما يرى المتفائلون أن الاتفاق الأميركي الروسي يمكن أن يحقق غايته في ما يتعلق بوقف التمدد الإيراني، إلى جانب التعاون ضد تنظيم الدولة الإسلامية، يشكك آخرون في إمكانية نجاحه، فيما تنتقده جهات ثالثة لاعتبار أنه اتفاق يخص المصالح الأميركية الروسية والإسرائيلية ويتعلق بالحرب ضد إيران وتنظيم الدولة الإسلامية أكثر من تركيزه على حل الأزمة في سوريا.

 

لندن – اتفقت الولايات المتحدة وروسيا والأردن على وقف لإطلاق النار و”خفض التصعيد” في جنوب غرب سوريا اعتبارا من الأحد 9 يوليو 2017 خلال اللقاء الذي جمع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية.

يدعو هذا الاتفاق، حسب الإعلام الأميركي، إلى منع الميليشيات التي تدعمها إيران من التوسع الاستراتيجي في الأراضي السورية وتحديدا بمحاذاة حدود إسرائيل والأردن.

فائدة لأطراف عديدة

ذكرت مجلة فوررين بوليسي أن مذكرة التفاهم الموقعة حول مناطق تخفيف التوتر في جنوب سوريا، تؤسس لوقف إطلاق النار بين القوات السورية الحكومية وفصائل المعارضة المسلحة.

وتنص على تحويل مناطق جنوبي القنيطرة والسويداء إلى شريط مغلق أمام المقاتلين من أصول غير سورية، بمن فيهم العسكريون الإيرانيون وأنصارهم والمقاتلون المرتبطون بتنظيم القاعدة وتنظيم داعش.

ورأى المتابعون في اتفاق الهدنة خطوة إيجابية واستيعابا لفكرة أن لا مجال لأي تغيير أو حل في سوريا بعيدا عن تعاون بين واشنطن وموسكو.

واعتبروا أن الولايات المتحدة الطرف الرابح فيه، لأنه من جهة سيمنع الميليشيات التي تدعمها إيران من التوسع الاستراتيجي في الأراضي السورية وتحديدا بمحاذاة حدود إسرائيل والأردن، ومن جهة أخرى يجعل الأميركيين في نفس الصف، ولو نسبيا، مع الروس الذين يتمسكون إلى حد الآن بالأوراق الرابحة في الملف السوري، وإن كانت محصورة بالدور الإيراني.

ويعتقد الكاتب والخبير في العلاقات الدولية أحمد عجاج أن التفكير الأميركي الحالي يتأسس على إيجاد مناطق عازلة تخفف من النفوذ الإيراني في سوريا. ويقول عجاج لـ”العرب”، “واشنطن تدرك أن إيران تغلغلت في سوريا إبان عهد أوباما، وأنه من الصعب إخراجها، لكن بالمقدور قطع تواصلها البري مع النظام السوري؛ وكذلك إبعادها عن حدود الأردن وإسرائيل”.

وبالمثل يخدم الاتفاق الروس لأنه يعزز أوراقهم في سوريا والمنطقة، حيث يلقى الاتفاق ترحيب الأردن وإسرائيل ويضعف النفوذ الإيراني في سوريا لصالحهم، كما هو وسيلة لفتح باب للتعاون بين واشنطن وموسكو في خضم علاقة معقدة زادت من تعقيدها تداعيات الاتهامات بتدخل روسيا في الانتخابات الأميركية.

وتعبّر عن أهمية هذا الاتفاق بالنسبة إلى روسيا آنا بورشفسكايا الباحثة في الشأن الروسي في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، بقولها “هذه الهدنة هي بالضبط ما يحتاج إليه بوتين لتأمين نظامه”.

ويرى المراقبون أن الاتفاق الأميركي الروسي يلبي رغبة الأردن في عدم من تواجد ميليشيات قد تسعى إلى زعزعة الأمن على حدودها ونفس الحال ينطبق على إسرائيل. يعتبر المحلل السياسي الأردني عامر السبايلة أن الاتفاق يتناسب مع رؤية الأردن بأن تكون رأس حربة في مواجهة الإرهاب واجتثاث تنظيم الدولة الإسلامية وفلوله لكن دون إغفال ضرورة عدم اقتراب أي تشكيل مسلح تابع لإيران نحو الحدود الأردنية.

ويقول السبايلة لـ“العرب”، إن “هذا التفاهم ضروري للجميع ويشكل نقطة مهمة يمكن البناء عليها مستقبلا كنموذج قابل للتطبيق في مناطق أخرى. الأردن بهذه الطريقة يضمن مصالحه ويعمل على تركيز جهوده نحو مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود وعملية إعادة الاستقرار للمناطق الجنوبية”.

ويرى الخبير العسكري السوري إبراهيم الجباوي أن هذا الاتفاق يخدم إسرائيل بالدرجة الأولى وهو السبب الذي جعل الرئيسين يتفقان إذا ما صحت التسريبات بأن الشرط المترافق مع وقف إطلاق النار هو إبعاد الميليشيات الإيرانية العراقية اللبنانية إلى مسافة أمان في الداخل السوري انطلاقا من حدود الجولان المحتل غربا ومثلها من ناحية الحدود الأردنية. ويعتبر الجباوي أن التفاهمات الأميركية الروسية مهمة جدا.

قال ترامب في مقابلة مع قناة شبكة “سي بي إن” إنه يعتبر إقامة الهدنة في سوريا “مثالا هاما للنجاح”، الذي قد حققه في التعاون مع روسيا. وأضاف “أعتقد أن كان لدينا اجتماع رائع. شيء واحد قمنا به، لقد اتفقنا على هدنة في جزء مهم من سوريا، حيث كانت فوضى رهيبة وكان قتلا مروعا”.

ويرى الكاتب السعودي غازي الحارثي أن هناك جنوحا أميركيا وروسيا كبيرا لتعزيز وقف إطلاق النار والتركيز أكثر على القضاء على تنظيم داعش والتوجه في ما بعد للعملية التفاوضية. ويقول لـ“العرب”، “هذا قد يكون تعويضا وتسريعا للجهد الذي بذله الروس-المُنهكين- في أستانة وفشل في استراتيجية المفاوضات المؤدية لوقف إطلاق النار، ليسارعون الآن إلى استراتيجية وقف النار بالتعاون مع الجانب الأميركي بشكل يؤدي إلى المفاوضات. وكلا الطرفين يطمح من وراء ذلك تركيز جهوده ليضمن لنفسه الدور الأكبر في القضاء على داعش”.

ومرت أيام منذ إعلان الاتفاق، الذي لم يعلم المسؤولون في البنتاغون شيئا عن تفاصيله، رغم أن وزارة الدفاع ستكون المسؤولة على مراقبة تنفيذه إلى جانب الروس والأردنيين، و“الهدنة ثابتة”، حسب تعبير الرئيس الأميركي. لكن كثيرين لا يشاركون ترامب تفاؤله؛ فهناك شكوك تحوم حول مدى قدرة روسيا على الالتزام بهذا الاتفاق وإذا كان لها رغبة حقيقية في إنجاحه.

ونقلت فورين بوليسي عن جيرالد فيرستاين، الدبلوماسي الأميركي المخضرم الذي تقاعد العام الماضي 2017ـ تساؤله، “من الذي سيفرض تطبيق ذلك؟ هل ستتحمل روسيا مسؤولية إخبار إيران بما يجب فعله؟ الإيرانيون أقرب بكثير إلى موقف الأسد في سوريا من الروس”. وقد ردت إيران على اتفاق الهدنة من خلال وزير خارجيتها الذي قال إن بلاده “غير ملزمة باتفاق الهدنة الذي أعلنه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب”.

وأكد المسؤول الإيراني إن بلاده لن تكون ضامنة للاتفاق وستستمر في التشاور مع موسكو بموجب التفاهمات التي تم التوصل إليها في محادثات أستانة الخاصة بالأزمة السورية. وقال إن إيران ستقبل بالهدنة في حال تم تعميمها على سائر الأراضي السورية، وتم دعم التفاهمات التي حصلت في أستانة حول مناطق خفض التوتر. وذلك في محاولة من إيران لانتزاع اعتراف رسمي وشرعية لها في سوريا من الجانب الأميركي مقابل موافقتها على الهدنة في جنوب البلاد. ويعتقد عامر السبايلة أن هناك تحديّا أمام روسيا في أن تكون ضامنة لنقطة منع اقتراب الفصائل والميليشيات الموالية أو التابعة لإيران. ويقول إن “هناك رغبة إسرائيلية في تأمين مناطق في الجولان والقنيطرة حتى لا تتحول إلى قواعد لوجستية لإيران وحزب الله وبالتالي ستمارس إسرائيل ضغوطا على الطرفين الأميركي والروسي لإبعاد إيران”.

شكوك حول نجاح الاتفاق

على الرغم من أن ضباطا أميركيين أبلغوا نظراءهم الروس حول المنطقة المحيطة بالتنف، إلا أن الميليشيات المدعومة من إيران والطائرات المقاتلة السورية تجاهلت التحذير واتجهت نحو قوات العمليات الخاصة الأميركية وحلفائها السوريين.

لكن، هذه المرة يعتقد السبايلة أن الدوافع والظروف ستجعل روسيا تجتهد أكثر لتلزم إيران خصوصا أن دوائر الضغط الأميركية على طهران بدأت تتسع وتشمل مناطق أوسع وهناك سعي أميركي واضح لتجريد إيران من حلفائها في المنطقة. ويضيف السبايلة “لكن هذا لا يعني أن إيران يمكن أن تستجيب بسهولة للطلب الروسي خصوصا أنها قادرة على المناورة على جبهات أخرى. لكن هذه الضغوط والرغبة لإخراج إيران من سوريا دفعت إيران إلى تبني سيناريو استعراض القوة عبر إطلاق صاروخ موجه من الأراضي الإيرانية إلى سوريا في رسالة تعتبر واضحة”.

ويتوقع السبايلة أن تنجح روسيا في المرحلة الأولى باحتواء إيران؛ بينما يعتقد الجباوي أن إيران لن تلتزم بهذا الاتفاق لأنه لا يخدم مصالحها ومخططاتها الطائفية التوسعية وجرى أن إيران لم تلتزم سابقا بأي هدنة”. ويقول “نحن على يقين بأن روسيا غير قادرة على أن تكون ضامنة لإيران وحزب الله اللبناني حيث كثيرا ما خالفت الميليشيات أي ضمانة روسية سابقة ولا اعتقد أن ذلك بغفلة من روسيا بل بتنسيق معها أو أنه كان يجب على روسيا معاقبة من يخالفها من تلك الميليشيات التي تضمنها وهذا لم يحدث”.

ولتقوم واشنطن وموسكو بضمان تنفيذ الاتفاق عبر مراقبة الوضع الميداني، أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن هناك اتفاقا روسيا أميركيا أردنيا، حول تأسيس مركز في عمان لمراقبة الأوضاع في سوريا. واعتبر وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أن واشنطن مستعدة للعمل مع موسكو من أجل وضع آليات مشتركة في سوريا مثل مناطق حظر جوي، معتبرا أن روسيا تتحمّل مسؤولية خاصة في التسوية السورية. ويبدو أن دول الخليج العربي مرتاحة لهذا الاتفاق لأنه يبعد إيران عن حدودهم الشمالية أن صح التعبير.

ويقول الكاتب السعودي غازي الحارثي “لا يبدو أن دول الخليج ستعارض أي اتفاق أميركي-روسي من هذا النوع بالرغم من صعوبة تنفيذه لكن قبل ذلك يجب أن يقدّم الروس ضمانات بأن لا يرتكب النظام أو إيران حماقات على حساب فصائل المعارضة المعتدلة”.

العرب

 

 

 

التغييرات في خرائط المنطقة وفقاً لمراجع أميركية/ عادل مالك

إنه أسبوع «داعشي» بامتياز في أكثر من موقع واتجاه.

من مدينة الموصل في العراق كانت البداية عندما أعلن البغدادي خلافته على «الدولة الإسلامية». ومن الموصل ذاتها كانت «النهاية»، هذا إذا صدقت المعلومات التي توافرت خلال الساعات القليلة الماضية.

عندما اعتلى أبوبكر البغدادي منصة المسجد معلناً مبايعة نفسه خليفة على «الداعشيين»، تراءى كأننا أمام مسرحية تلفزيونية عن حقبة من حقبات العصر الجاهلي. ومن الموصل كان «الإقلاع النضالي»! وفيها قضي على خلافته المزعومة.

ومع بداية عصر «الجاهلية الجديد» الذي خيم على سورية والعراق كانت الأسئلة تتزاحم: من هم أعضاءَ داعش؟ ومن يمولهم؟ هذا حتى بروز «الحالة القطرية» إلى العلن، وتوجيه المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة والبحرين ومصر التهم الواضحة والمحددة في مجال تمويل الإرهاب.

والمثير ان الولايات المتحدة كانت على علم بذلك، لا بل تعاونت مع قطر في مجال تمويل بعض الجماعات الإرهابية، وتسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب الظهور بمظهر الوسيط الساعي إلى «رأب الصدع»! في حين ان تسلسل الأحداث يستوجب محاكمة الولايات المتحدة بتهمة كتم المعلومات، والتواطؤ مع داعمي وممولي الحركات الإرهابية التي أقضت مضاجع العالم العربي من محيطه إلى خليجه.

وبانتظار ما تسفر عنه الأحداث في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، نخصص هذا المقال لبعض الدراسات والتقارير المعدة من جانب «دارسين أميركيين» في شؤون «الشرق الأوسط». وللتعرف إلى ما يفكر به الأميركيون في هذا الجزء المهم من العالم.

نشرت مجلة القوات المسلحة الأميركية تقريراً خطيراً كتبه رالف بيترز وهو كولونيل سابق في الجيش وخدم في شعبة الاستخبارات العسكرية أيضاً، وتفرغ للكتابة والنشر بعد تقاعده، يتحدث فيه عن عملية تغيير معالم دول الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية، تنشأ عبرها دول جديدة، وتنقسم دول أخرى، وتتغير معالم دول، وتندمج دول أخرى.

ويعرض التقرير خرائط للمنطقة في شكلها الحالي، وخرائط للشكل الذي يتم العمل على تحقيقه، ويعتمد التقرير لتسويغ هذا المخطط على عدد من الحجج المنطقية الجدلية، منها:

أولاً: ان الحدود الحالية حدود رسمتها كل من بريطانيا وفرنسا في شكل عشوائي في القرن التاسع عشر، فهي حدود غير عادلة.

ثانياً: ان قوس الحدود الأكثر تشابكاً وفوضوية في العالم يكمن في إفريقيا والشرق الأوسط، وهذه الحدود تعمل على إثارة الحروب والموت في هذه المنطقة، لذلك يجب تغييرها وإعادة رسمها لإعطاء الأقليات المذهبية أو القومية والإثنية حقوقها المسلوبة.

ثالثاً: صحيح أنه في بعض الحالات، قد تتفاهم مجموعات مختلفة متعددة الأعراق أو الديانات والإثنيات بحيث تتعايش ويتداخل بعضها ببعض، لكن الغالب ان التداخل بالدم أو المعتقد في أماكن أخرى قد لا يكون ناجحاً بقدر الاتحاد الذي يحصل داخل المجموعة الواحدة، لذلك لا بد من إجراءَ هذا التغيير في الخريطة.

رابعاً: الحدود المرسومة للدول ليست ثابتة على الإطلاق والعديد من الحدود من الكونغو إلى القوقاز مروراً بكوسوفو يتغير الآن، ومن هنا، لا يجب التجاوب مع الحجة القائلة إن حدود هذه الدول لا يجب تغييرها، لأنها تعّبر عن واقع موجود منذ آلاف السنين، وإن الحفاظ عليها تتطلب تحمل ضريبة المشاكل التي تحصل فيها.

خامساً: ان حدود الشرق الأوسط تسبب خللاً وظيفياً داخل الدولة نفسها، وبين الدول في ما بينها، بخاصة من خلال الممارسات ضد الأقليات، أو بسبب التطرف الديني أو القومي والمذهبي، ولذلك يجب إنهاء هذا الأمر.

ويدعي التقرير أن الغاية من هذا التعديل تحقيق عدد من الأهداف الإنسانية والتي تتعلق بالعدل والديموقراطية والتوازن وأهداف أخرى رئيسة هي:

أولاً: إنهاء الظلم الذي يعانيه عدد من الأقليات في الشرق الأوسط ومنها: الأكراد، البلوش، والشيعة العرب. وعلى رغم أن التعديلات المرتقبة تأخذ في الاعتبار مصالح هذه الفئات، فإن هذه التعديلات قد لا تستطيع تحقيق مصالح أقليات أخرى مثل: المسيحين، البهائيين، الإسماعيليين، النقشبنديين، وعدد من الأقليات الأصغر.

ثانياً: محاربة الإرهاب في شكل كامل بواسطة القوات الأميركية المتمركزة في المنطقة وحلفائها من الدول المحلية أو العالمية.

ثالثاً: تأمين تدفق النفط في شكل تام وكامل للغرب من دون قيود.

رابعاً: تحقيـق السلام الكامل عبـر إحـداث تعــديلات في الحـدود الجيـو- سياسية للدول الموجودة حالياً في الشرق الأوسط، ونشر الديموقراطية.

ويمرر التقرير في ثناياه عدداً من النقاط التي قد يمر القارئ عليها مرور الكرام، لكنها خطيرة جداً في مضمونها ومعناها، منها:

أولاً: الترويج إلى أن هذا التغيير لمصلحة الجميع، بخاصة أنه، وعلى عكس ما قامت به فرنسا وبريطانيا، يراعي مصالح القوميات والإثنيات والمذاهب والمجموعات المختلفة المنتشرة في المنطقة حالياً، لأنه قائم على أساس وقائع ديموغرافية تشمل الأقليات.

ثانياً: إن هذا التغيير في الحدود وتعديلها لإيجاد شرق أوسط جديد، لا يمكن أن يتم بسهولة وسرعة، لأن إعادة تصحيح الحدود الدولية تتطلب توافقاً لإرادات الشعوب، ما قد يكون مستحيلاً في الوقت الراهن، ولضيق الوقت فإنه لا بد من سفك الدماء للوصول إلى هذه الغاية واستغلال عامل الوقت لمصلحة هذه اللحظة.

استناداً لما تم ذكره، فإن دولاً جديدة ستنشأ، ما يعني فقدان بعض الدول الموجودة أجزاء كبيرة من حدودها الحالية وزيادة حدود دول أخرى.

الدولة الكردية: تقتضي الخطة المذكورة إقامة دولة كردية مستقلة للأكراد البالغ عددهم ما بين 27-36 مليون كردي يعيشون في مناطق متجاورة في الشرق الأوسط، فالأكراد أكبر قومية في العالم لا تعيش في دولة مستقلة، ويجب تحقيق دولتهم المستقلة عبر عدد من الخطوات، منها:

أولاً: استغلال الفرصة التاريخية التي لاحت للولايات المتحدة بعد سقوط بغداد بإنشاء دولة كردية إثر تقسيم العراق إلى ثلاث دول، لأن الأكراد سيصوتون بنسبة 100 في المئة لمصلحة دولة مستقلة إذا عُرضت عليهم الفرصة.

ثانياً: دعم أكراد تركيا على رغم أن هجماتهم في الداخل خفّت خلال العشر سنوات الماضية، إلا أنهم عادوا من جديد الآن، وعليه يجب استغلال هذه الفرصة للضغط على تركيا، وإظهار الجزء الشرقي منها كـ «منطقة محتلة».

ثالثاً: بعد قيام الدولة الكردية المستقلة في العراق وتركيا، فإن اكراد إيران وسورية سينضمون بمناطقهم مباشرة إليها وسيشكلون «دولة كردستان الكبرى المستقلة» بحدودها النهائية، وستكون هذه الدولة الممتدة من ديار بكر في تركيا إلى تبريز في إيران أكبر حليف للغرب في المنطقة بين اليابان وبلغاريا.

الجمهورية الإيرانية: صحيح أنه سيتم اقتسام بعض أجزاء إيران لمصلحة دول كردية وشيعية عربية وبلوشية وجزء صغير يُضم لدولة أذربيجان، إلا أنه سيتم اقتطاع جزء من أفغانستان لتشكيل دولة قومية فارسية تحل محل الجمهورية الإيرانية الحالية.

أفغانستان وباكستان: القسم الذي سيتم اقتطاعه من أفغانستان لمنحه لإيران سيتم تعويضه عبر منح أفغانستان جزءاً كبيراً من باكستان حيث العديد من القبائل الأفغانية والقريبة لها، وسيتم اقتطاع جزء آخر أيضاً من باكستان حيث يقيم البلوش لمنحه لدولة بلوشستان الحرة، وبذلك تتبقى مساحة ثلث أو أقل من حجم باكستان الحالية التي تشكل الدولة الجديدة المنتظرة.

لذلك وكما نرى فإن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط سيتم على أساس قومي أو إثني في بعض الأحيان وطائفي في أحيان أخرى، وبما أن ذلك انعكاس لإرادة الناس والفئات فإنه لا يمكن أن يتم فوراً حتى لو أردوا ذلك، إلا أنه مع الوقت، ومع عملية سفك الدماء وفقاً للتقرير فإن تحقيق هذه الخريطة الجديدة سيكون ممكنًا جداً.

أما بالنسبة إلى إسرائيل ووفقاً للتقرير، فلكي تمتلك أي أمل بالحياة بسلام مع جيرانها فسيكون عليها الانسحاب من كل المناطق التي احتلتها في 1967، مع ضرورة إجراء تعديلات محلية تواكب القلق الأمني الذي يساورها في شكل دائم.

وعلى العموم فإن الإستراتيجية الأميركية الجديدة في المنطقة يمكن تلمس معالمها من خلال الأدوار التي لعبتها أميركا في أفغانستان والعراق، والأدوار التي تلعبها مؤخراً بمساعدة أوروبا في عدد من الملفات، سواء في سورية أو لبنان أو فلسطين أو مصر أو الخليج العربي وتركيا.

وبطبيعة الحال فإن الدول التي تحويها القائمة الأميركية في هذا المجال هي الأكثر تنوعاً وتمازجاً مثل: العراق، أفغانستان، السودان، الجزائر، لبنان إلخ…، وذلك لإعادة صياغة الواقع العرقي والطائفي والقومي وفق تركيبة تناسب المخططات الأميركية التي تهدف إلى تحقيق أهداف منها: إضعاف الدولة القومية، ضمان عدم التحام هذه الأقليات وضمان عدم ذوبانها أو على الأقل انسجامها مع الغالبية في أي من بلدان الشرق الأوسط.

والهدف أيضاً من ورقة الأقليات هو تسويغ وجود إسرائيل وتوسيع رقعة المشاكل والنزاعات الإقليمية لإشغال العالم العربي والإسلامي بالمشاكل الداخلية المستجدة والأخطار التي تتهدد بلدانهم، والهدف أيضاً إفساح المجال أمامها للدخول والتغلغل في هذه الدول، لأن الدولة المدمرة أو المفتتة سيكون من السهل على إسرائيل اختراقها كما حدث في جنوب السودان.

انتهى نص التقرير… وبما انه اتضح الوضع في العراق إلى حد كبير فما هي الخطوات التالية بالنسبة إلى الإدارة الأميركية؟

وبعد…

لقد سقط «داعش»، أو هكذا يبدو، لكن ماذا عن «الداعشية»؟

* إعلامي لبناني

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...