الرئيسية / كتاب الانتفاضة / صبحي حديدي / أوديسة شهرزاد/ صبحي حديدي

أوديسة شهرزاد/ صبحي حديدي

 

 

ميدان شيّق، بقدر ما هو شاقّ، ذاك الذي اختارته الأكاديمية التركية الشابة إيدا ديديباش دندار، في كتابها ذي العنوان الطويل: «اقتباس أوديسة شهرزاد: المرأة الجوّالة والراوية في الأدبَيْن الفيكتوري والشرق أوسطي المعاصر»، الذي صدر قبل أسابيع في نيويورك، عن منشورات بيتر لانغ. نطاق هذه الدراسة يشمل كتابات المرأة، باللغة الإنكليزية، في القرن التاسع عشر، من خلال النماذج التالية: أوليف شراينر، من جنوب أفريقيا (في «حكاية مزرعة أفريقية»، 1883)؛ وكريستينا روزيتي (في «تشابهات ناطقة»، 1874)، ثم الشرق الأوسط المعاصر: أهداف سويف، من مصر (في «خريطة الحب»، 1999)، وغونيلي غون، من تركيا، في «على الطريق إلى بغداد»، 1991).

ودندار تبدأ من التفكير في شخصيتين أدبيتين فذّتين، أوديسيوس وشهرزاد، وتنتقي من خصائصهما العديدة ذلك البُعد الذي يخص اندماج حس الترحال، أو ضروراته المادية والميتافيزيقية أحياناً، بشغف القص والحكي والسرد؛ انطلاقاً، أيضاً، من الموقع المكين، ذي التأثيرات الهائلة، الأدبية والثقافية والفلسفية، الذي يحتله العملان الخالدان، «الأوديسة» و»ألف ليلة وليلة»، في التراث الكوني الإنساني. ومن خلال طرائق مركبة في قراءة علاقات الماضي بالحاضر، والنوستالجيا بالتقدم، وإعادة صياغة المفاهيم حول الكلاسيكيات الكبرى؛ تحاول دندار التقريب بين هذه الأمثلة الأدبية المختلفة، لاستكشاف التاريخ الاستعماري وما بعد الاستعماري أيضاً: في القسم الأول تناقش الحقبة الفيكتورية، والتيارات الضمنية المناوئة للاستعمار، وفي القسم الثاني تتابع الحركات ما بعد الاستعمارية في الشرق الأوسط، اعتماداً على كتابات المرأة في الحالتين.

أشير، بإيجاز، إلى أن «على الطريق إلى بغداد» رواية شطّار وعيّارين ومتشردين وصعاليك (وفق معاني مصطلح الرواية البيكارسكية، التي اقترنت بالعمل الإسباني الكلاسيكي «حياة لاثاريو دي تورميس»، 1554)؛ تعتمد الواقعية السحرية في أنها تتنقل بالشخصيات بين الأزمنة والأمكنة، على نحو متداخل أو متقاطع، وتمنح البطلة حق التخفي في إهاب فتى، يسافر ويغامر ويستكشف ويتصعلك… إنها، أيضاً، تستلهم الكثير من حكايات «ألف ليلة وليلة»، وتستعيد بغداد هارون الرشيد، مثل قسطنطينية السلطان سليم؛ وتسعى، استطراداً، إلى المزج بين ثقافتين، للتوصل إلى طراز من التاريخ والتجربة، بين القرن الثامن والقرن الثامن عشر، صار كونياً ومُعَوْلماً. ورغم أن ترجمة الرواية إلى التركية لم تلق نجاحاً ملحوظاً، بل أثارت شيئاً من سوء الفهم حول بعض حكاياتها التي ترمز إلى خلفيات ذات حساسية ثقافية ودينية؛ إلا أن العمل يُعدّ، في الولايات المتحدة على الأقلّ، أحد أفضل النماذج المعاصرة على مفهوم «الثقافة المترحلة»، كما بشّر به جيمس كليفورد على سبيل المثال.

في المقابل أتوقف، ضمن ما يسمح به المقام من إسهاب، عند رواية سويف «خريطة الحب»، التي صدرت طبعتها العربية الأولى سنة 2004، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بترجمة الراحلة د. فاطمة موسى، في 703 صفحات. والرواية تبدأ من استهلال، بارع تماماً، ليس أقلّ من فاتحة للعمل، وعلامة على مسارات الحكاية وأسلوبية السرد وطبيعة اللغة، بالإضافة إلى أنه الدليل الأبكر على هويّة الشخصية التي ستلعب دوراً محورياً في العمل بأسره: «… وهنا، على المائدة، تحت شباك حجرة نومها، يرقد الصوت الذي أحيا في نفسها ملكة الحلم من جديد. شذرات من حياة من زمن بعيد… بعيد. صوت المرأة يحدّثها عبر مئة عام، حديثاً واضحاً موجهاً إليها هي بالذات، حتى إنها لا تصدّق أنها ـ إنْ التقطت القلم ـ لا تستطيع أن تجيب».

وأمل الغمراوي، المصرية، عند نهاية القرن العشرين؛ تلتقط القلم بالفعل، وتكتب الحكاية كما تضمنتها الرسائل والأوراق والمذكرات التي دوّنتها البريطانية أنّا ونتربورن في مطلع القرن. هي، كذلك، الحكاية الثانية التي تكتب نفسها بنفسها من خلال امتداد الماضي إلى الحاضر، وارتداد شخوص الحاضر إلى شخوص الماضي، وتعاقب دورة القرن على هذه أو تلك من المشاهد والأحداث والوقائع؛ التي تقول: ما أشبه اليوم بالأمس! إنها، ثالثاً، الحكاية المضادّة التي تقترحها الروائية، سويف، نفسها هذه المرّة (من دون أن تضطر إلى إقحام صوت المؤلف على العمل)؛ وذلك حين تعيد قراءة الماضي في ضوء الحاضر، والعكس، وحين تضع تنميطات الماضي أمام مرآة تنميطات الحاضر، والعكس.

شبكة حكايات «خريطة الحب» تكشف مقدار الجهد الذي بذلته أهداف سويف في استكمال الأبحاث التاريخية اللازمة لوضع الرواية في خلفية تاريخية وسياسية محكمة (القارئ يمر على عدد كبير من الشخصيات التاريخية، أمثال الشيخ محمد عبده، مصطفى كامل، قاسم أمين، أحمد لطفي السيد، رشيد رضا، أنطون الجميّل، طلعت حرب، شكري العسلي…) واللازمة أيضاً لنقد تلك الخلفيات الزائفة المصطنعة التي أحاطت على الدوام بصورة مصر كما قدّمها الغرب. هي، في صياغة أخرى تنتهجها إيدا ديديباش دندار، شبكة حكايات شهرزاد في شرق أوسطي ما بعد استعماري، وربما ما بعد حداثي أيضاً، حيث تواصل الأوديسة النسوية إبحارها، بأشرعة من رحلة وحكاية، سواء بسواء.

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...