الرئيسية / صفحات الثقافة / أورهان باموق في ‘الروائي الساذج والعاطفي’: كيف نفهم ما يحدث عندما نقرأ ونكتب الروايات

أورهان باموق في ‘الروائي الساذج والعاطفي’: كيف نفهم ما يحدث عندما نقرأ ونكتب الروايات

 


ابراهيم درويش

الروايات هي حياة ثانية، هي مثل الاحلام التي يتحدث عنها الشاعر الفرنسي جيرار دي نيرفال، فالروايات تكشف عن تعقيدات الحياة وهي مليئة بالوجوه والاشياء التي نشعر اننا قادرون على معرفتها.

الرواية لها اثر السحر على القارئ لدرجة ان القارئ يشعر ان ما يواجهه فيها اهم من الحياة الحقيقية. ومع ان هذا الشعور ساذج لكن القارئ يود لو استمرت هذه الحياة الثانية بالكشف واعطائنا كقراء الحس بالواقع والاصالة. ومع ان القارئ لا يعرف الكثير عن الرواية إلا انه يشعر بحس من الخيبة عندما تفشل الرواية بإحساسه بديمومة الخيال ـ الخداع بأن ما يقرأه هو الحياة وهو الواقع. هذه كلمات من المحاضرات التي القاها الروائي التركي أورهان باموق ضمن سلسلة محاضرات ‘تشارلس اليوت نورتون’ في جامعة هارفارد، عام 2009 عن الرواية وفعل الكتابة والتخطيط للعمل واشكالية القراءة وعلاقة القارئ بالروائي وشخوصه، والحالة التي يماهي فيها القارئ بين الكاتب واشخاصه.

هل الكاتب بطل روايته؟

لا يملك القارئ ان يشعر وهذا ما يعترف به باموق من ان الكاتب ـ باموق هو في الحقيقة بطل رواياته ـ تماما كما كان ابطال السينما التركية في عهدها الذهبي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي يقومون بتمثيل ادوار الابطال باسمائهم الحقيقية ـ إلى درجة ان المشاهد لا يعرف التفريق بين الحقيقة والخيال، ويفترض ان ما يراه هو الحقيقة او الواقع. وباموق واضح في هذا فعندما يستعير من فلوبير مقولته الشهيرة ‘انا مدام بوفاري’ يرى ان الكاتب الفرنسي لم يكن امرأة ولم يتزوج فكيف يقرن نفسه بالمرأة التي هي بطلة روايته؟ ويقول ان مدام بوفاري وهي الشخصية المتخيلة هي نتاج كل تجاربه ومشاهداته او هي الاسقاط الذي اسقط عليه رؤاه وافكاره ومشاعره ولهذا لم يفاجأ باموق عندما قالت له امرأة في عمر خالته انها ‘تعرفه اكثر من نفسه’ لم تكن تشير الى علاقة خاصة او معرفة بهواياته وما يقوم به في الصباح أو المساء، وهو وان خجل عندما سمع المرأة تقول له انها تعرفه خاصة انه نتاج مجتمع منغلق كما يقول، فانها كقارئة ذكية تعرفت من خلال ابطاله على دواخله وعالمه عبر الابطال الذين عاشهم وقدمهم في اكثر من 30 عاما من الرواية والانشغال بهمومها. وهذه القارئة تختلف عن القراء الذين يربطون بين الشخصية والكاتب ويفترضون ان كل شخصية من شخصيات الرواية هي معادل موضوعي للكاتب نفسه.

متحف البراءة

ويرى باموق ان هذا الفهم يقع فيه القارئ العادي والمثقف على حد سواء، وهو هنا يذكر حادثة مع استاذ مهم في جامعة تركية، وصديق يشارك باموق اهتماماته الثقافية، وكيف كانا يتمشيان في حي نيشانشي مسرح اعمال روايته ‘متحف البراءة’، حيث اتخذ من شقة في الحي مسرحا لحياة وبطولات شخصية الرواية كمال. ويقول الكاتب انها اثناء مرورها من العنوان المفترض في الرواية توقف الاستاذ ليودع الكاتب معلقا ‘كنت اعتقد انك تسكن هنا’. فالحادثة هذه تلخص كيف يخلط القارئ بين العمل الروائي وشخوصه الخيالية وبين الكاتب نفسه ومعنى عدم حصانة المثقف والناقد من الوقوع به. يحلو لباموق ان يصور الرواية وعالمها بالمتحف، حيث كان حلم حياته ان ينشئ متحفا وقد اشترى مرة بيتا مهجورا لتحويله إلى متحف، لكن روايته ‘متحف البراءة’ هي صورة عن هذا الاهتمام. فهي مليئة بالاشياء والمواد المهمة التي يرى انها ‘سنتمنتالية – عاطفية’ لها خاصة عنده.

فعل القراءة

يهتم باموق في هذه المحاضرات بتجلية عدد من الامور التي تتعلق بفعل قراءة الرواية وتصور القارئ للاحداث وتفاعله معها وكيف يتماهى القارئ احيانا مع الشخصيات وشعوره بانه البطل، تماما كما يرى الواحد منا بطل الفيلم بكونه صورة فوتوغرافية عن نفسه، فالممثل في الرواية وفي الفيلم يقوم ويفكر ويعبر عما يدور في ذهن القارئ ويحكي قصة حياة القارئ التي لا يستطيع هو نفسه ان يحكيها نظرا لعدم توفر ادوات الكتابة لديه من الصورة، وآلاف اللحظات الممتدة الغير قابلة للتجزئة تماما كمفهوم ارسطو عن الزمن والذرة التي لا يمكن ان تتجزأ واللحظات هي زمن الرواية، لكن زمن الرواية ليس خطيا كما يفهمه ارسطو بل هو زمن متعرج معوج، ودائري احيانا. وباموق هنا وان قارن الرواية بالفيلم واللوحة والقصيدة حيث يرى الكاتب انه يكتب بالصورة. ويعيد صياغة عبارة الانجيل ‘في البدء كانت الكلمة’ ليقول ‘في البدء كانت الصورة’، الا انه يعتقد ان الرواية لها خصوصيتها ومجالها او اثرها على القارئ، لأن هذا يبدأ مع فعل القراءة بتخيل الاشياء التي يقوم بعملها في الواقع وهو يقبل على قراءة الراوية بشهوة. ومع ذلك فالقارئ لا يقرأ كل انواع الروايات بل كل منها يختار ذوقه تماما كفعل الطعام وما نفضله وفعل زيارة المتحف حيث يذهب الواحد منا الى الجزء الذي يحب مشاهدته وملاحقة ما هو معروض فيه من لوحات ومواد تاريخية وفنية. ومثلما تفتح الاشياء التي نراها امامنا عالما من الرؤى والافكار فالرواية وفعل قراءتها تفتح امام قارئها صفحة بعد صفحة، ومعها تنكشف الاسرار التي تذوب عنها مادة السحر وتكشف عن نفسها.

فعل تذكر

ومن هنا يمكن الحديث عن الكتابة والقراءة كفعل من افعال التذكر التي تقود كل لحظة منها الى لحظة اخرى، وقد تكون هذه اللحظات جميلة او مثيرة للغم، وقد تذكر القراءة بقريب بعيد او حادث مؤلم او زيارة او سفر أو موعد لم يتم. هنا القارئ يمارس سلطته الشخصية والذاتية على الرواية تماما كما يسقط الكاتب حياته على البطل في الرواية. وما يثير في فعل القراءة انها وان كانت تعيد للقارئ ما نسيه او كبته في وعيه الباطن او نسيه، فانها تمنح لقارئها الفرصة لكي يتجسد حياة البطل ـ الكاتب ويعيد تمثيلها او على الاقل التظاهر بتمثيلها في الحياة الحقيقية. لا بد من الاشارة الى انه من الاسئلة المبتذلة التي يطرحها الصحافي على الكاتب اي كاتب (شاعر- روئي- ناقد او ناثر) تبدأ عادة بالسؤال عن كيفية ولادة القصيدة ـ سهلة ام بعملية قيصرية – ويمضي السائل الذكي قائلا: اخبرنا عن المؤئرات التي تأثرت بها، وكذا وكذا ويمضي السائل العبقري وكأنه يحاول ان ‘يفحم’ الكاتب ويتعالم عليه. لكن ما نراه في محاضرات باموق تعطينا صورة ان فعل الكتابة اعقد مما يتصوره صحافي ذكي كما ان فعل القراءة هو اكثر تعقيدا مما يتصوره البعض، طبعا يخبرنا باموق ان هناك فرقا بين القارئ الساذج الذي لا تهمه التفاصيل ولا يلتفت الا الى الاحداث والبطل او الابطال وبين القارئ العاطفي الذي يحلل ويفكر في مصير الابطال.

البداية

ولكنه يؤكد ان افتتاحية الراوية والصفحات الاولى هي الفعل المهم في الكتابة لان الكثير من الروائيين يرون ان هذه الصفحات هي بمثابة ادخال القارئ في عالم من السحر والالوان، ويشير الى رواية ستندال ‘الاحمر والاسود’، فهو يقدم لنا في البداية بلدة فيرير، والتلة التي تقوم القرية عليها، البيوت المطلية بالدهان الابيض، بسقوفها المغطاة بالطوب الاحمر، صفوف من اشجار الجوز، والقلعة التي بناها الاسبان واصبحت اثراً مهجورا، والمطحنة ثم النهر، ولا نلتقي عمدة المدينة الا في الصفحة الثانية. يقدم باموق هذا الوصف كمثال عن الكيفية التي يفتح بها الراوئي عالما او فضاء. ويعلق قائلا ان من اهم متع قراءة الرواية اننا نستطيع رؤية العالم الذي ينكشف امامنا عبر عيون البطل الذي يعيش في داخل الاحداث. ومن هنا فالقارئ يدور بين العالم العام والاحداث المحددة بسرعة لا يمكن لأي لون ادبي التوصل اليها. فتداعي الاحداث وتطورها يدخل القارئ فيها فهو لم يعد يرى العالم من الخارج، ولكنه اصبح جزءا منه. ويحلو لباموق العودة دائما- سواء في التفاصيل والوجوه والتصوير في الرواية العودة الى الرسم الصيني عن الحياة الطبيعية، حيث نحدق في الرسم ثم نتخيل ما وراء الرسم لنكتشف ان الرسم قام به الفنان من أجل ان العواطف والافكار للاشياء في داخل الصورة. ومن أجل التفريق بين نوعين من القراءة يقدم باموق فكرة عن مسافر في السيارة يرى العالم من خلال شباك السيارة بطريقة بانورامية ويدعي فيما بعد انه رآه وبين شخص يحلل الصور ويفكر فيها.

العاطفي والساذج

وينسب باموق هذا التفريق الى الكاتب فردريتش شيللر في مقاله ‘عن الشعر الساذج والعاطفي 1795 – 1796) وكلمة ‘سينتمنتال’ تستخدم في الالمانية لتصوير الشاعر الذهني والمعذب الذي فقد طفولته أو براءته أما ‘نائيف ـ ساذج’ فتستخدم من أجل وصف البراءة او الشاعر المتماهي مع الطبيعة ان لم يكن الطبيعة نفسها. ويرى شيللر ان هذا الشاعر هو من لا يفرق بين فهمه للعالم والعالم نفسه مقارنة مع الشاعر المفكر الذي ليس متأكدا من ان اشعاره تعكس الواقع واصالته. الفكرة عند شيللر هي مستقاة من عمل للورنس ستيرن ‘رحلة عاطفية’. في محاضراته الست ركز باموق أولا على اهمية فعل القراءة بعد تفريقه بين نوعين من القراء، ويتحدث عن تسع عمليات في القراءة تقود الى اكتشاف القارئ مركز الرواية. وحتى نصل للهدف فاننا نبدأ بالملاحظة وملاحقة المشاهد ثم نحول الكلمات الى صور، وبعدها نبحث عن الجزء الشخصي ـ السيرة ونفصله عن الجزء المتخيل، ونواصل التساؤل ان كان الكاتب يقدم الواقع كما هو في الرواية، وعندما نكتشف الحقيقة نعبر عن فرحة وتفاؤل او حزن، وبعدها نبدأ باصدار احكام اخلاقية. كل هذه العمليات الذهنية التي تحدث بسرعة تجعلنا في النهاية نعجب بقدرتنا على فهم الرواية وعمقها وملامحها. لكننا كقراء لا نكتفي بهذا بل نحاول ان نكشف ما وراء التفاصيل الصغيرة والعامة التي يقدمها لنا الكاتب وهي البحث عن المركز. فالقارئ يفترض ان للرواية، كل رواية، مركزاً سرياً ولهذا يقوم عقلنا بالبحث عنه مثل الصياد. ويرى باموق ان ما يفرق بين الرواية عن الملاحم والقصائد الكلاسيكية وقصص المغامرات هو فكرة المركز في الرواية. ويعود هذا لان الروايات عادة ما تقدم شخصيات اكثر تعقيدا من الملاحم والقصائد وهذا عائد الى ان الرواية تهتم بالحياة اليومية وتفاصيلها التي يعرف القارئ انها تؤشر لمعنى عميق. ويرى باموق ان الراوية قادرة على مخاطبة الانسان المعاصر لانها جنس ادبي ثلاثي الابعاد: تتحدث عن تجارب شخصية، والمعرفة التي نجنيها عبر الحس واخيرا ومعرفة مجتزأة عن الاشياء العميقة أي مركز الرواية او ما اطلق عليه تولستوي ‘معنى الحياة’ وهذا هو هم الفلاسفة. ويقول ان كل رواية قرأها، وهو هنا يحدثنا ليس عن تجربته في الكتابة بل قراءة الرواية، كشفت له عن عالم غني مليء بالتفاصيل والمعرفة الموسوعية، فيها عمق الفلاسفة وصوفية المتصوفين وفي النهاية يقول ان المعرفة بالرواية واهميتها يعتمد على غرامنا بها وينقل عن ‘اي ام فورستر’ في كتابه ‘ملامح الرواية’ ان ‘الامتحان الاخير للرواية هو حبنا لها’. ويعترف باموق ان المعرفة بالرواية وقراءتها واكتشاف مركزها هو ممارسة يومية وتعلم حيث تعلم منذ سن العشرينات ان يتعامل مع مركز الرواية وسرها وما حوله لان المركز يقود ويدل على العالم وماذا كان عليه.

توقيع الكاتب

في محاضرة اخرى تحت عنوان ‘السيد باموق: هل كل هذا حصل لك؟’ لا يتحدث عن تجربة الكتابة وان احالنا الى السينما التركية وقصته مع روايته ‘متحف البراءة’ (2008) وما اشرنا اليه في البداية عن الخلط بين الكاتب والبطل ‘باموق – كمال’ لكنه يعود في نفس الرواية للحديث عن ‘توقيع’ الكاتب والذي يرتبط اساسا بسر الرواية، وهو هنا يشير الى فعل الكتابة والكاتب الذي يقدم لحظات منسية من حياته من خلال مرايا البطل او الابطال، وهنا يقول ان كل أعمال الكاتب ليست مفصولة عن تجارب الكاتب في الحياة فكل روايات الكاتب تشبه مجرة قائمة على آلاف من التفاصيل الصغيرة في حياة الكاتب. ومن هنا فالتفاصيل الروائية كما يطلق عليها تمتزج بالخيال بطريقة تصبح شيئا واحدا. وفي هذا الاتجاه يقدم لنا الطريقة التي فهم فيها خورخي لويس بورخيس طلب كافكا من صديقه ماكس برود حرق مخطوطاته : فعندما ارسل كافكا هذه المخطوطات لبرود كان يفكر ان برود لن يحرقها. من جانبه كان برود يفكر ان كافكا كان يفكر انه كان يفكر في الحقيقة ‘انه لن يحرقها’ وان كافكا كان يفكر ان برود كان يفكر انه يفكر…’ ويقدم باموق ان الغموض في الموقف هذا على انه معرفة اي جزء من الرواية يقوم على حياة او تجربة الكاتب هو نفس الموقف الذي يواجه القارئ والكاتب على حد سواء. ويقول ان حالة فكرة المرايا تنعكس على طريقة قرائتنا للرواية والتي تثير فينا حالة من اللايقين. ويضرب مثلا بكاتب قرر ان يكتب سيرة حياته بكل تفاصيلها المملة مستخدما ‘الانا’، بكل صدق وانفتاح. فكرة السيرة مكتملة التفاصيل قد لا تجذب القارئ لها والذي سيتساءل عن جدوى تضييع الوقت في قراءة كل هذه التفاصيل، لكن الامر يختلف عندما يقوم ناشر بوضع كلمة ‘رواية’ عليها. وعندها يبدأ القارئ يتعامل معها بطريقة مختلفة عن الهدف الذي اراده الكاتب.

تحذير

ويتوصل باموق الى اهمية قراءة الراوية عبر الجمع بين فكرة ‘السذاجة’ و’العاطفية’ وعندها نفهم سر الرواية حيث يقول ان ‘المتعة الكبيرة بقراءة الروايات وكتابتها يعوق او يتم تجاوزه بسبب نوعين من القراء، القراء السذج بشكل كامل والذين يتعاملون مع الرواية على انها سيرة ذاتية او نوع من التوثيق الذي يخفي وراءه تجارب حياة، مهما حاولت اقناعهم انهم يقرؤون عملا روائيا – اما النوع الثاني فهم القراء العاطفيون بشكل كامل والتأمليون والذين يعتقدون ان كل الروايات مبينة على خيال مهما حاولت اقناعهم انهم يقرأون سيرة ذاتية صريحة’. ويضيف ‘عليّ ان احذركم ان يبتعدوا عن هذين النوعين لانهما محصنان من الاستمتاع بمتعة قراءة الرواية’. ومن هنا يقول باموق انه من خلال التعامل في شبابه بجدية مع الرواية، فإنه تعلم ان يتعامل مع الحياة بجدية، مشيرا الى ان الروايات الادبية تقنع القارئ بأخذ الحياة بجدية، لانها تعطينا الفكرة والقوة على التأثير على الاحداث. ويرى ان فكرة سلطة الرواية وتأثيرها على الاحداث تظل في المجتمعات المغلقة غير متطورة، وأيا كان الحال ففي حالة تطور الرواية في هذه المجتمعات فانها تدعوهم لفحص حيواتهم. ويخبرنا انه مع قراءته للرواية وتشبثه بها في شبابه فانه شعر بالحرية والثقة بالنفس. ويقدم العديد من الامثلة التي تؤكد هذه الفكرة من ‘المثنوي’ الى ‘انا كارنينا’ التي يقول انها تذكرنا بالحياة التي تواجهنا بشروطها ومصاعبها، وانه لدينا فضوليه مشروعة للتعرف على عادات وقيم الناس الذين يعيشون حولنا. وهذا الفهم يدخلنا في ملمح آخر من ملامح الراوية وهي طريقة رسم الشخصية، والتي يرى انها تعود في تقاليدها الى شيكسبير، مشيرا الى ان تأكيد الرواية على الشخصية نابع من فضولية الانسان وتوقه للتعرف، مؤكدا ان التوق – الفضولية هذا ومنذ قرن ونصف قرن اخذت شكلا مهما اكثر من الحياة نفسها، فالشخصية مثلا في ملحمة هوميروس ثابتة لها ملامح هامة لا يمكن تغييرها، لكن في وصف الرحالة اوليا جلبي المعروف فان الشخصية تتشكل بارتباطها بالمدن، وبعلاقتها بالطبوغرافيا، والجو والماء. ففي وصفه لسكان طرابزون مثلا يقول ان رجالها ونساءها غلاظ. ويعلق باموق ان فكرة ان جميع سكان المدينة لديهم نفس الملامح قد تثير الضحك اليوم، لكن لهذه الفكرة مقابل اليوم من قراء ‘حظك والنجوم’ التي تمتلئ بها الصحف وتتحدث ان الملايين حول العالم ممن يولدون في نفس الشهر يتشاركون في نفس الحظوظ والمشاعر والملامح الشخصية. ومن هنا يعود بنا باموق الى شيكسبير وفكرته عن الشخصية التي ساعدت في تطور الشخصية الروائية، والتي أخرجتها من قالبها واوصافها الثابتة وحولتها الى كينونة معقدة تتشكل عادة بالظروف والدوافع. وعليه فان فكرة الشخصية وفهم دوستوفسكي لها تقدم تلخيصا لآرائنا عن الانسان، على انه حزمة او كيس من الاوصاف والقدرات التي لا يمكن فهمها عبر اطار واحد. ونختم هنا للقول اننا نقرأ روايات دوستويفسكي لأننا نريد ان نفهم إبطاله لا الحياة، فالشخصية تتسيد الرواية وتترك بصماتها التي لا تمحى عليها.

وللحديث بقية..

‘ ناقد من اسرة القدس العربي

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...