الرئيسية / صفحات الرأي / أوروبا والدعاية الروسية/ آن أبلباوم

أوروبا والدعاية الروسية/ آن أبلباوم

 

 

استراتيجية وتكتيكات الإعلام التي تمارسها روسيا في الغرب أصبحت تتصدر الأنباء. لكننا لم نبال كثيراً بدعاية الحكومة الروسية في روسيا، لأن هذا يحدث بعيداً وبلغة مختلفة. لكن الدعاية في روسيا عن الغرب ستهمنا في نهاية المطاف ربما في وقت أقرب مما نعتقد. وتجدر الإشارة إلى أن التحول الذي شهدته وسائل الإعلام الروسية لم يحدث بين عشية وضحاها. ففي عام 2010 كان الإنترنت في روسيا مكاناً منتعشاً نسبياً حيث كان الأشخاص أصحاب الأفكار المختلفة يناقشون هذه الأفكار. وتمتعت وسائل الإعلام المستقلة ببعض التأثير وبلغت الأصوات المستقلة الأسماع. وكان هناك قصص سلبية وإيجابية على السواء عن العالم الغربي. لكن بعد ثمانية أعوام، بعد عودة فلاديمير بوتين إلى الرئاسة، حدث تغير حاد في سياسة الحكومة الإعلامية واختلف الموقف.

وهذا ليس لأن روسيا أصبحت الاتحاد السوفييتي أو دولة شمولية بها صحيفة واحدة، بل على العكس، يوجد في روسيا حاليا مصادر متعددة للمعلومات ومنها قنوات تلفزيونية مختلفة بعضها به برامج ترفيهية عالية الجودة ومجلات ومواقع على الإنترنت للعامة وللمثقفين وغيرها. لكن مظهر التنوع خادع لأن غالبية وسائل الإعلام تملكها الدولة أو شركات مرتبطة بالدولة. والقصص متشابه في الغالب إلى حد كبير بين المنافذ الإعلامية المختلفة. وفي التلفزيون الذي يحصل عبره معظم الروس على الأنباء، نجد أن جانباً كبيراً مما يطلع عليه الروس عن الغرب مظلم وسلبي بشكل كبير.

وقدم مسح أجري في الآونة الأخيرة على ثلاث قنوات تلفزيونية روسية رئيسية بعض التحليلات الملفتة للانتباه عما يطلع عليه الروس عن أوروبا. وفحص الباحثون نشرات الأنباء والبرامج الحوارية السياسية منذ صيف 2014 إلى ديسمبر 2017 ووجدوا أن الأنباء السلبية بشأن أوروبا عرضت في القنوات الثلاث 18 مرة في المتوسط في اليوم. ونسبة الأنباء السلبية عن الدول الأوروبية تبلغ 85% مقابل 15% من الأنباء الإيجابية. والنسبة أشد اختلالا لبعض الدول الأوروبية. ففرنسا يجري تصويرها في غالب الأحوال بشكل أكثر سلبية، وربما هذا بسبب انتخاباتها الرئاسية في الآونة الأخيرة التي شاركت فيها مارين لوبان المرشحة المؤيدة بشكل واضح للروس والتي خسرت أمام المرشح المؤيد لأوروبا.

والقصص الصحفية عن أوروبا تمتد من أحداث السياسة الكبيرة وحوادث القتل المحلية إلى القصص الملفقة بشكل صريح. ومعظم القصص يجري تطويعها لتشكل نمطاً معيناً من السرد. فيجري تصوير الحياة اليومية في أوروبا على أنها مرعبة وفوضوية؛ وتصور الأوروبيون بأنهم ضعفاء وأخلاقياتهم متدهورة وبلا قيم مشتركة؛ وأن الإرهاب يشل حركة الناس من شدة الخوف؛ وأزمة اللاجئين بلغت أسوأ حالاتها؛ والعقوبات على روسيا أثرت سلباً على الاقتصاد الأوروبي وتدمر دولة الرفاهية الاجتماعية. وروسيا في هذا التصور عن العالم لا تحتاج إلى دولة رفاهية لأن مواطنيها أصلب عوداً بكثير.

وهذا المسح يردد ما جاء في دراسات سابقة، ومنها دراسة أجريت العام الماضي أشارت أيضاً إلى تواتر تصوير الاتحاد الأوروبي في وسائل الإعلام الروسية باعتباره كياناً عدوانيا ومتدخلا في شؤون الآخرين وكان يخطط لاستخدام أوكرانيا لتكون موضعا للتخلص من النفايات النووية أو يجبر فحسب أعضاءه على تبني سياسيات “الخوف من روسيا”.

وليس من الصعب استشفاف استخدامات هذا النوع من التغطية. فمن الواضح، أنه ليس في مصلحة الدولة الروسية أن يعجب الروس بأوروبا ولا بديمقراطيتها ولا بحكم القانون فيها ولا بمعاييرها المرتفعة في المعيشة. وذكرى احتجاجات ساحة “ميدان” عام 2014، حين احتج الشبان الأوكرانيون في كييف ملوحين بإعلام أوروبا ومطالبين بالقضاء على الفساد، مازالت حية بما يكفي لتثير فزع موسكو. وإذا استطاع نظام بوتين الحاكم تقويض فكرة “أوروبا” وجعلها غير جذابة للروس فإنه يقضي على الأمل والمثل الذي يحتمل احتذاؤه. فإذا كانت أوروبا مسعورة وغير مستقيمة وخطيرة ومحتضرة، فالروس بالتأكيد أفضل حال!

كاتبة أميركية حائزة على جائزة بوليتزر وأستاذ في مدرسة لندن للاقتصاد.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة “واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس”

الاتحاد

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...