الرئيسية / صفحات مميزة / أولى محاولات نفث الروح في القانون: علا شيب الدين

أولى محاولات نفث الروح في القانون: علا شيب الدين

 

    علا شيب الدين*

على الجدران، كتبَ الأطفال “الشعب يريد إسقاط النظام”. إلى المعتقل، سُحِبوا وسُحِبَت أظفارهم. هَشَلَ أهلوهم تنهش عقولهم مخالب الأسئلة، فوُوجهوا بالصفاقة وصفْق الأبواب. هام الناس على وجوههم وقامت قيامة الاحتجاج. سِلميّاً كان، وكان الرصاص الحي رداً. سالت الدماء، خُضِّبَت الطرق بالقتلى والجرحى، علَتْ أصوات الأنين والوجع، والفزع والفزعة.  علت أكثر، ووضح أكثر صوت حريةٍ فتيّ، وصلت الأصوات إلى مسامع الجيران في جبل حوران، فتلقّفها عقل متوفز. في السويداء، سارع محامون إلى طرْق أبواب النقابة، وكمَنْ ينحت في صخر الإعجاز، مُهِر بيانٌ بختم النقابة، يجهَر بالموقف مما يجري في سهل حوران (درعا)، فكان البدء، وكانت الكلمة الحرة في بيان. إنه أول حراك نقابي في سوريا الثورة.

 دعا البيان إلى: “1- رفْع الطوق الأمني المفروض على مدينة درعا والتحقيق الجاد والشفاف في الحوادث التي ترافقت مع إطلاق الرصاص الحي على المواطنين العزّل، بمعرفة لجنة قضائية نزيهة تشارك فيها نقابة المحامين. 2- السماح لوسائل الإعلام كافة بممارسة دورها بما يتلاءم وحرية الإعلام ومهنيته. 3- رفْع حال الطوارىء والأحكام العرفية وإلغاء المحاكم الاستثنائية، وكفالة الحق الدستوري بالتظاهر السلمي. 4- إصدار العفو الخاص عن معتقلي الرأي كافة، وإطلاق سراحهم فوراً وتسوية أوضاعهم الوظيفية والنقابية. 5- تحقيق مبدأ الفصل بين السلطات، والتفعيل الحقيقي لاستقلال القضاء. 6- إلغاء النصوص القانونية التي فرضت حال الوصاية على النقابات المهنية. 7- إصدار قانون عصري للأحزاب. 8- مكافحة الفساد ومحاسبة المفسِدين أياً كانت مواقعهم وصفاتهم. 9- تحديد صلاحيات الأجهزة الأمنية، وإلغاء رقابتها على التعيينات للوظائف العامة، وإلغاء رقابتها أيضاً على منْح التراخيص لطالبيها، وحصْر ذلك بجهة إدارية مستقلة. 10- تشكيل لجان قانونية ومهنية متخصصة لإعادة النظر بالقوانين التي تخالف المبادئ والأعراف الدستورية ليصار إلى إلغائها أو تعديلها”.

كُتِبَ البيان بعد خمسة أيام من اندلاع أحداث محافظة درعا (مهد الثورة السورية) 18/3/2011، وظهر للعلن بتاريخ 27/3/2011، بعدما مُهِرَ بختم فرع نقابة المحامين بالسويداء، وأخذ شكله النقابي. في اليوم نفسه، نفَّذ المحامون بلباسهم الرسمي الخاص “الروب”، أول اعتصام نقابيّ أمام فرع النقابة بالمحافظة ذاتها، قُرِأَ البيان المذكور في الشارع، ورُفِعَتْ أول لافتة، كانت تقول: “كلّنا درعا، نعم للحرية، لا للقتل”، كما ارتفعت أصوات تنادي للمرة الأولى: “يا حرية وينك وينك، والطوارئ بيني وبينك”. ما أجبَرَ ممثل الحكومة في المحافظة آنذاك، على المجيء الفوري إلى النقابة. اجتمع بالمحامين المعتصمين، متمنِّياً عليهم فضّ اعتصامهم، “واعداً” بتنفيذ بيانهم ذي المطالِب التي كانت تُعتبَر في ذلك الوقت من أقوى المطالب وأكثرها جرأة على الإطلاق.

كتفعيل للحراك النقابي، تصدَّر محامو السويداء الأحرار بتاريخ 19/7/2011، الدعوة إلى اعتصام أمام مقر فرع نقابتهم، بالمشاركة مع أحرار نقابات المهندسين، والمعلمين، والأطباء، والهيئات النقابية والتجارية الأخرى في المحافظة. ما دفع بميليشيات حكومية “شبيحة” إلى تطويق النقابة، بإشرافٍ من “رجال الأمن” وممثلي النظام في المحافظة، بغية منْعهم من تلاوة بيان أصدروه، كان ينص على ضرورة تفعيل دور الدولة كمؤسسات، ويرفض ظاهرة “الشبّيحة” التي شاعت وسادت، ويدينها كونها تمثل تهديداً خطيراً للسلم الأهلي. وعلى الرغم من المحاصَرة والتهديد، اعتصم المحامون أمام مبنى النقابة، وقرئ البيان بشكل علنيّ. كانت نتيجة ذلك كله، اعتداء شرساً على أيمن شيب الدين، أحد المحامين الذين شاركوا في الاعتصام. اعتداء قصد من خلاله المعتدون، النيل من الحراك النقابي المتصاعد واجتثاثه. إلا أن الاعتداء على المحامي المذكور فجَّر موقف المحامين، فأعلنوا اعتصاماً مفتوحاً بتاريخ 21/7/2011، مطالِبين النقابة بحماية أعضائها أولاً. ظلّ الاعتصام يومها صامداً حوالى ثماني ساعات متواصلة داخل مبنى فرع النقابة. كان المعتصمون طوال الساعات تلك، محاصَرين من “الشبيحة” الذين حاولوا مراراً اقتحام مبنى النقابة وإحراقها، وكادت الأحداث تتفاقم وتتسع لتشمل المحافظة كافة، بيد أن النظام أيقن خطورة تأجُّج الوضع، فأرسل ممثليه في المحافظة إلى مبنى النقابة من أجل مقايَضة رخيصة: يفضّ المحامون اعتصامهم، مقابل خروجٍ آمِن لهم يضمنه “الأمن”. رمى النظام، عبر المسرحية الهزلية تلك، التي تُظهِر الأجهزة الأمنية كـ”حامية” و”حيادية”، إلى تهدئة الوضع في محافظةٍ عمِلَ جاهداً على تحييدها، لكي يثبت صحة اتهامه للثورة الشعبية عليه، بالطائفية. فالسويداء محافظة ذات غالبية درزية، وهذه من الأقليات الدينية التي ينسب النظام إلى نفسه دور حمايتها، ويسوِّق لذلك إعلامياً، في حين يستعملها دروعاً بشرية يحتمي بها عملياً. غير أن ما ذكِر في المقال، قد يساهم في تكذيب مزاعم “طائفية الثورة”، و”حماية الأقليات”. خصوصاً أن كل ما رُوي عنه، موثّق بالمستندات والتواريخ، وبالصور والفيديوات، وهي متاحة ويمكن أيّ مهتم الرجوع إليها. ما لم يُذكَر عن الحراك الثائر في المحافظة أكثر بكثير مما ذُكِر هنا طبعاً، إذ هذا المقال خاص فقط بحراك المحامين الأحرار كأول حراك “نقابي” في سوريا الثورة.

بعد واقعة حصار النقابة ومحاولة إحراقها، تنبَّه المحامون الأحرار في السويداء إلى ضرورة تنظيم الصفوف، وتعميق الانخراط في الثورة، عبر التظاهرات والاعتصامات، ومن خلال العمل الإغاثي والإعلامي، والمشاركة في الندوات السياسية التي دأبت المعارَضة على إقامتها في المحافظة. كان من تجلّيات تعميق الانخراط في الثورة، أن المحامين الأحرار شكّلوا هيئة “محامو السويداء من أجل الحرية”، لتكون سنداً قانونياً للمعتقلين من المعارضين والثائرين، ومن أهم الأعمال الثورية للهيئة، تشكيل “حاضنة قانونية” من شأنها الدفاع عن المعتقلين. دفاع كان عبارة عن جهد تطوّعي مجّاني، حيث تشكّل فريق كبير من المحامين عالي التنظيم من حيث المتابعة والمرافعة. تقاسم أعضاء الفريق أعباء ملفات المعتقلين أمام القضاء، بغية دفاع قانوني يبدأ منذ اللحظة الأولى لاعتقال أي معارض أو ثائر على خلفية نشاطاته الثورية، السلمية، المدنية. تابع الفريق باهتمام شديد، الدعاوى المرفوعة في حق المناوئين المدنيين السلميين للنظام، ما ولَّد لدى عموم المعارضين والثائرين في محافظة السويداء، حالاً من الطمأنينة عمَّقت الشعور بأن هناك سنداً قانونياً قد يحمي وينقذ ويصون. لكن المفارقة، أن المحامين الأحرار الذين أخذوا على عاتقهم دور الدفاع القانوني عن المعتقلين بسبب أنشطة ثائرة سلمية مدنية، أو بسبب رأي سياسي، طالهم الاعتقال أيضاً، والتهديد والملاحقة و”التشبيح”، بغية تقويض سعيهم المهم إلى تفعيل دور القانون وفرض سيادته، إذ تفعيل القانون يعني تطويق الغريزة المنفلتة من كل عقال التي يمثلها شبّيحة السلطة، كما يعني الفضح، والكشف، والمساءلة، وكل ما لا تريده سلطة غاصبة خارجة على القانون! من المحامين الذين طالهم الاعتقال: نواف الجرماني، جابر مهنا، مهند بركة، محمد العبدالله، علاء صيموعة، أيمن شيب الدين، مهند شقير. في كل مرة حدث فيها أن اعتُقِل أحد المحامين، كان بقية زملائه يسارعون إلى تنفيذ اعتصام مفتوح، كنوع من الضغط على النظام للإفراج عنه، متمسكين بالقلم سلاحاً، وبالقانون مرجعاً، وبالنقابة منبراً.

في الذكرى الأولى للثورة السورية، اعتصم المحامون الأحرار في مقر فرع نقابتهم، وأصدروا بياناً أكدوا فيه الاستمرار في الثورة، والتمسك بقيمها وأهدافها، وندّدوا بالمجزرة التي ارتكبها النظام في “كرم الزيتون” بحمص 12/3/2012. وفي الذكرى الثانية للثورة، اعتصموا كذلك، وأصدروا بياناً أكدوا عبره الاستمرار في الثورة، والعمل الدائم لتحقيق أهدافها. ومنذ البداية خاضوا السلوك القانوني بثبات، عبر توجيه الكتب النقابية إلى فرع نقابتهم، لكي تمارس دورها كحامية لأعضائها أولاً، ضد الخروق والاعتداءات التي يتعرضون إليها كرجال قانون يُفتّرض أنهم يتمتعون بـ”حصانة” نقابية!

¶¶¶

ليس منهج الرفض والاحتجاج، الذي اعتمده المحامون الأحرار، سلبياً من الوجهة القانونية، ولا يؤدي في مواجهة نظام الاستبداد إلى اللاقانون. إنما هو “ثورة قانونية” من شأنها نفْث الروح في القانون، وعصيان واقع غُيِّبَ عنه القانون، وجُعِلَ منه مجرَّد “أكسسوار”، حبر على ورق لا يُنفَّذ ولا يُطبَّق ولا يُمارَس. فالحراك النقابي كان بمثابة رد اعتبار للقانون الإنساني، المدني، الحضاري، بعد سواد قانون الغابة، الطبيعي، الغريزي، المتوحش، طوال عقود من حكم “الأسدَين”.

إن استعمال القوانين في مجالات بعيدة عن أصلها الروحي، كان دائما مخيِّباً للحق والمأمول، مضعضِعاً ميزان العدل، مهيناً للكرامة الإنسانية، مثيراً للقلق والنزق، وكانت النقابة مرحَّلة عن نفسها، عقيمة خادعة، مرتهنة للأجهزة الأمنية، وفاقدة لتماسكها الروحي. لذا، كان أمراً بالغ الأهمية رؤيتها في أصالتها الحقيقية كـ”نقابة”. إذ حراك المحامين الأحرار، حاول إعادة الروح إليها، ومهَّد الطريق الذي قد يفضي إلى عدم جواز استعمالها لأغراض غير التي تنشدها وتحدِّدها لنفسها.

بدت النقابة، مع حراك المحامين الأحرار، كأنها انشقّت عن “النظام الكتلة”. نظام الاستبداد الذي لا حركة فيه، لا دينامية، لا إيقاع، وهو خارج التاريخ والزمن كأنه العدم، وكأن الحراك النقابي صار فاتحة التاريخ. وإذ يبدأ التاريخ، يبدأ القانون والتشريع والتنظيمات السياسية والمدنية، وتدبّ الحياة في أوصال الدولة والمجتمع والأفراد. إذ الروح الفاعل الذي كان مطموراً في لجّة العماء، حيث الكل ممزوج في الكل ضمن هيولى “النظام الكتلة”، قد انبلجَ لينير ويميِّز ويشكِّل.

*كاتبة سورية

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...