الرئيسية / صفحات الرأي / أوليفيه روا: قراءات في السياسة الإسلامية/ د. مدى الفاتح

أوليفيه روا: قراءات في السياسة الإسلامية/ د. مدى الفاتح

 

 

 

تحظى كتابات عالم السياسة ودراسات الإسلام الفرنسي أوليفيه روا (مولود في عام 1949) باهتمام كبير من قبل الباحثين والأكاديميين، وقد وجد الكثير من كتبه إشادات عالمية ليس فقط من المثقفين، ولكن من شخصيات سياسية وعدد من دوائر صنع القرار.

الاستشهاد بأوليفيه روا لم يقتصر على مكان دون مكان، أو على طرف دون آخر، فبعض مقولاته وكتبه محببة للإسلاميين، خاصة حين يحاول شرح الارتباط بين العقيدة الإسلامية والسياسة، وصعوبة الفصل بينهما، في حين تعجب أطراف أخرى بنقده الحاد لحركات الإسلام السياسي، وتحليله لأسباب فشلها، ولإيمانه بأنها حركات تاريخية غير متسقة مع العصر.

حين تقرأ كتب ومؤلفات روا تتوصل إلى حقيقة أنه من الصعب الخروج بتقييم موحد لرؤيته حول الإسلام، فهو كثيراً ما يغالط نفسه ويرد عليها، وكثيراً ما يخرج بخلاصات، ثم لا يلبث أن يتراجع عنها، خاصة حينما يتعلق الأمر بموضوع العلمانية والأحزاب السياسية الإسلامية والواقع السياسي القريب إبان الثورات والانتفاضات العربية. ربما كان أحد أسباب عدم وجود رؤية شاملة لديه تكمن في انطلاقه من الواقع الآني، ومحاولته تأسيس نظرية كاملة استناداً إليه. كان ذلك مأزقاً فكرياً، لأن ذلك الواقع لا يلبث أن يتغير، وكذلك الوقائع ما تلبث أن تتحرك لتتغير معها المعادلات، وتتبدل بناء على ذلك النتائج، ما يستوجب البدء في مراجعة جديدة. هكذا يصبح الأمر أشبه بحلقة دائرية مغلقة.

المثال الأوضح لما أعنيه هو إيمان روا بفشل تجربة الحكم الإسلامي. الأمر الذي توصّل إليه متأثراً بفشل الحالة الأفغانية، التي عايشها وتعامل معها كنبوءة موحية. المفارقة هي أن أحد أشهر كتبه جاء تحت عنوان «فشل الإسلام السياسي»، إلا أن الباحث ذاته الذي سبق أن استعرض أسباب ذلك الفشل المتمثل في الطريق المسدود أمام الإسلاميين، لن يلبث أن يتحدث في سياق مختلف عن أن العلمانية صعبة التطبيق في العالم الإسلامي، أو كما قرر بوضوح في خضم تحليله لذلك في كتابه «تجربة الإسلام السياسي»: «العلمانية لا يمكن أن تنشأ إلا بوسائل عنيفة (تركيا أتاتورك) أو تنجم عن شغور، عبر تغيير أنماط الحياة والتقاليد».

هكذا يرى روا أن تجربة الحكم العلماني الأشهر، التي تعتبر مثالاً للنجاح في المنطقة، والمتمثلة بالتجربة الأتاتوركية لم تكن لتنجح لولا ارتباطها بالكثير من العنف والإجبار والتغيير القسري لأنماط الحياة والتقاليد، أي أنها لم تكن بأي حال خياراً. كلام روا سنده الواقع ولم يعد يجادل فيه أحد، فمن الواضح أنه وبمجرد أن انتهى الإجبار ووجد الشعب التركي فرصته من جديد للاختيار، فإنه لم يلبث أن استعاد ثقافته الإسلامية، منهياً حقبة امتدت لقرابة القرن من الزمان وامتازت بالتغريب والتحديث والعلمنة المتطرفة.

مؤخراً صدر كتاب عن جامعة كولومبيا الأمريكية يحكي قصة أوليفيه روا مع الدراسات الإسلامية. الكتاب عبارة عن لقاء مطول أجراه معه الصحافي جان لويس تشيلغل، وهو جدير بالاطلاع لأنه يوضح كيف بدأت قصة روا مع الإسلام عبر شغفه بالترحال والسفر، خاصة باتجاه المشرق، الأمر الذي بدأ عبر رحلته الشهيرة إلى أفغانستان، التي زارها كمغامر صغير وعمره لم يتجاوز التاسعة عشرة (مايو 1969). تلك الرحلة التي عبر فيها حدود إيران وتركيا شكّلت وعيه المبكر وضاعفت شغفه لزيارة مدن أخرى في العالم العربي وآسيا الوسطى، وهي المناطق التي قضى عمره البحثي في التعرف عليها وتحليل اتجاهات الإسلام فيها.

تذكرنا هذه البداية ببدايات مشابهة لعدد من المستشرقين الأوروبيين. نذكر من أولئك على سبيل المثال الألماني ماكس فون أوبنهايم (1860- 1946) صاحب الرحلات الاستكشافية للمنطقة العربية وصاحب أحد أهم الكتب التي درست بتفصيل حركة القبائل البدوية. لقد أكسبت تلك الرحلات أوبنهايم خبرة، في حين جعلته المعايشة الطويلة من المراجع التي اعتمد عليها بلده، ألمانيا، إبان فترة الحروب العالمية.

أما روا فهو لا يتحدث عن نفسه كصاحب قول فصل، أو كباحث أحاط بما لم يحط به الآخرون، أو على الأقل هذا ما يظهر من خلال اللقاءات التي أجريت معه والمقالات والبحوث التي قام بنشرها خلال الأعوام الماضية. رغم التمجيد الذي يحيطه به طلابه ومن تأثروا به، ينظر روا لنفسه كصاحب مشروع يهدف إلى استكمال البحث في حقل شؤون المنطقة وسياساتها، التي يشكل الإسلاميون جزءاً مهماً منها. هذا المشروع الذي تسعى جهات مختلفة لتوظيفه والتأثير عليه لم تظهر ملامحه بعد، فقد تبنى روا، كما أسلفت، عدة رؤى متناقضة، كما ساهم وشارك في رعاية مشاريع علمية وأكاديمية مختلفة وذات خلفيات متنوعة.

وظّف روا مكانته العلمية تلك للتعليق والدعاية لبعض الأعمال التي يراها متميزة وناجحة. هكذا فعل في مقاله المنشور في العدد الأخير من مجلة «فورين أفيرز» الذي جاء كقراءة في كتاب «إعادة تفكير في الإسلام السياسي» للكاتبين شادي حميد ووليام ماكانتس. يحظى الكاتبان بسمعة طيبة على الصعيد الأكاديمي، وبحسب الإضاءة التي يضعها روا لكتابهما، والتي حملت عنوان: «الإسلام السياسي بعد الربيع العربي»، فإن أهم نقطة يمكن الوقوف عليها هي إعادة الاهتمام بما يعرف بالتحليل السياقي للحركات والتجارب الإسلامية. المقصود هو التحليل الذي يعتبر أن لكل حركة ظروفاً سياسية واجتماعية خاصة، تجعلها تختلف عن غيرها، وأن من الخطاً وضع الجميع في سلة واحدة.

يأتي ذلك على خلاف مع المدرسة الأخرى التي كانت تعتبر أن مصدر جميع الحركات واحد، وأنها سوف تخضع بشكل جبري للتطورات نفسها والمصير نفسه وهي الرؤية التي بدأ روا أبحاثه مقتنعاً بها، والتي جعلته لوقت طويل يضع الحركات السياسية السنية والشيعية في سياق واحد. اليوم يدرك الباحثون، ليس فقط الاختلاف الجوهري بين مشروع الملالي في طهران، ومشروعات الأحزاب السياسية السنية، ولكن أيضاً الاختلافات الواضحة بين رؤى الجماعات والأحزاب ونظرتها لنفسها، بما فيها تلك التي بدأت منطلقة من المرجعية الإخوانية.

سؤال الاندماج من الأسئلة التي ينشغل بها أوليفيه روا وغيره من الباحثين الأوروبيين، وهو السؤال الذي يمكن وضعه ضمن الصيغة التالية: هل الإسلاميون قابلون للاندماج في المجتمع كغيرهم؟ أم أنهم لن يرضوا إلا بتغيير المجتمعات قسراً؟

تمنح الرؤية السياقية إجابة منطقية لهذا السؤال، حيث تشير إلى اختلاف التجارب باختلاف الواقع. أما الرؤية الأخرى فهي تلك التي ترى في المسلمين خطراً على المجتمعات الغربية باعتبار أنهم سوف يسعون، بشكل لا مفر منه، إلى تهديدها وأسلمتها، وربما السيطرة عليها بقوة السلاح، مثلما نجحت حركة طالبان في السيطرة على أفغانستان. هذه الرؤية الأخيرة ورغم ما يظهر من سطحيتها وبعدها عن الواقعية والموضوعية، تظل محل إيمان وقناعة لدى الكثير من النخب الغربية.

كاتب سوداني

القدس العربي

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...