الرئيسية / صفحات الثقافة / أو متأخِّرة عن حكايتي/ جونا بوغارْدِتْ

أو متأخِّرة عن حكايتي/ جونا بوغارْدِتْ

 

 

 

وصفةٌ لحساء آنيٍّ

 

تُخْمِدين النَّارَ وتُخْرجين كلَّ شيءٍ عن آخرِهِ

تُبعثرينَهُ، مِغْرَفَةً تِلْوَ مِغرفةٍ، عند النّبْع،

تجْمَعينَ الأجزاءَ، قطعةً قطعةً، اللَّيِّن والصَّلْبَ،

تُصلِّحين، شكْلا تلو شكل، جِراحَ السِّكين،

تتعرِّفين، طبقةً تِلْوَ طبقةٍ، كلَّ قوقعة وتُعيدينَها

لِتَتْرُكي الْغَيْظَ يَغْلِي.

 

 

■ ■ ■

 

 

مدينةٌ أُنْثى

 

الحِلّةُ، 2012

 

هذه ليست دوائرَ وإنما تَمَاثُلات:

أنقاضُ الجذورِ القديمة، حيث

يَدُورُ الرَّملُ، يصعد،

يتسلَّق، يتخطّى، يتحدّى السماوات،

أزرقُهُ يُكسبُ صُفرةً، يَخْنُقُ،

يَبْهَرُ، يَشِعُّ بِلوْنِ البرتقال،

يَغتاظُ أحْمَرَ، يَحْزَنُ بنفسَجِيًّا،

ويتحمَّل التّداوُلَ أسْوَدَ.

 

الليلةُ الآنَ عنْدَ مُنْتَصَفِ النَّهَار، سابقةٌ لأوانها

أوْ متأخِّرةٌ عن حكايتي، حكايتِكَ، حكايتِنا.

 

يترنّحُ الجَسَدُ بين الأنهار،

يتقلَّص، يستنشق، ينْشُج ويُذعِنُ،

يُغمض العينيْن ويستسلم لتَيّار

سَيْلِ القُرون وآلافِ السِّنِين،

والسماواتِ الهائجة التي لا تُحيطُ بشيء

وتَخْلَعُ الإغماءَ والسوادَ،

تَنْبضُ لونا بنفسَجيًّا، مَسِيرَ مَشيمَةٍ مُتحلِّلة،

تختلط في أحْمرَ طَرِيٍّ، يستعيد

الجسدُ ضياءَ البُرتُقال، توهُّجَهُ،

تَفْتَحُ قوانينُ الوعْيِ عينيْها،

ترى رُكَبًا، وعضلاتٍ وبَطْنًا،

 

بطني، بطْنَكَ، بطْنَنَا،

مَكْشُوطاً، هي تماثُلاتٌ دائريّةٌ باطلة

لتَخَثُّراتٍ، وخيوطِ دَمٍ،

وطُرُقٍ تُولَدُ إلى ما لا نهاية،

طُرُقٍ تقودُ إلى المُدهِشِ،

 

طُرُقي، طُرُقِكَ، طُرُقِنا،

والمرأةُ تَجُوبُها عائدةً ناحيةَ مساءِ

تَنَفُّسٍ أَبَدِيٍّ سُلِبَ من الشَّمال.

 

موتٌ كثيرٌ ومجهول، بلا تاريخ،

كحيواتٍ مُتوَقِّفةٍ في انتظارِ

أصواتٍ، وضحكاتٍ حولَ مائدة،

 

مائدتي، مائدتِكَ، مائدتِنا،

حيثُ ينشُرُ الإخْوَةُ سِماطاً نظيفاً،

أبيضَ مثل هِلال المحاقِ،

منْجَلٍ يحصد زرعاً لأجل الخبز،

خبزي، خبزِكَ، خُبزِنا،

الذي يُرافق سَمَكَ النَّهرِ

أَصْلِ العشاءِ قبلَ الصّباح،

صباحي، صباحِكَ، صباحِنا.

 

 

■ ■ ■

 

 

إنذار القَطَرات

 

حينما يُوَتِّرُ الهواءُ حَبْلَ الاختناقِ

ويُكدِّرُ عَرقُ الغيومِ الهاويةَ،

تُمطرُ السماءُ، تُمطر مثلما كانتْ تمطر دَوْمًا،

فَيَجْلِسُ أَحَدُهم إلى آلة الخياطة.

يجمع الطّبْلُ قطراتٍ ومزيداً من القطرات، صُفيْحاتٌ

فاترةٌ تَثْمَلُ مُنتَقِلَةً من باب إلى باب.

وحينما تُقارِنُ الشَّمْسُ والبرقُ ضوأهما،

تَنْقُلُ الخَيَّاطةُ رسْمَ تَفْصيل البذلة على ورق من حرير.

لا تتَخلَّ أبدا عن دبُّوسٍ يسقط أرْضا أو إبرةٍ

أو تتخلَّ عن رتْقِ الميادينِ التي تُحيطُ بالحظِّ.

إنها تُمْطِرُ، تُمطر مثلما كانت تُمطر دوماً،

لكنّ الماءَ يتنصَّلُ من السقوط شَلَّالًا،

يتحاشى الهاوية في بلاطاتِ الشُّرفة.

وفجأةً، كخنزيرةٍ هائجة

تَقْطَعُ خيْطَ التخدير، تَقْفِزُ الإبرةُ

النائمةُ في فُتْحةِ الشِّقَّةِ باحثةً عن الكَعْبِ السَّاهر.

تَنهمر القطراتُ الراكِدةُ في دُوارٍ عبر الهاوية

كما لو أنَّ أحدَهم يُمزِّق أقمشةَ حُلُمٍ مَنْسيٍّ

مُحرِّرًا شلالاتِ إِبَرٍ ودَبابيسَ ذاتَ ألْبِدَةٍ رماديَّةٍ

وتُمْطِرُ، تمطر مثلما كانتْ تُمطر دوما.

 

 

* Jona Burghardt شاعرة أرجنتينية ومترجمة من الألمانية إلى الإسبانية والعكس، من مواليد بوينس آيريس عام 1963. منذ منتصف الثمانينيات وهي تعيش في ألمانيا بين برلين وشتوتغارت، وهي عضو في هيئة تحرير المجلة اللاتينوأمريكية للشعر “بروميثيوس”، ومشاركة في تأسيس المهرجان الدولي للشعر والفنون والثقافات في بابل (العراق). إلى جانب مجموعاتها الشعرية، ترجمت أزيد من 50 ديوانا لشعراء أميركيين لاتينيين وألمان.

 

** ترجمة عن الإسبانية: مزوار الإدريسي

العربي الجديد

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...