الرئيسية / صفحات الثقافة / أيتها البلاد/ فواز قادري

أيتها البلاد/ فواز قادري

 

 

الموت خرافة الحياة كرنفال

الناس يحتفلون. كرنفالات يسيل لها لعاب الفرح. نساء مليئات بالموسيقى والشهوة. مهرجانات راقصة وألعاب نارية. وأنا أحتفل من أجل دوما على طريقتي. أملأ كفّي بالدموع وعندما يستمرّ بكائي أولْول قدر ما أستطيع خشية على هذا العالم الجافّ من الغرق.

أهرب منكِ إليكِ. أكشح الصور والظلال التي تركض خلفي. أهرب من وجوهٍ أعرفها ووجوهٍ لا أعرفها. أغلق الأصوات وأكتم أنين أمواج الدم. أين يذهب الناس أيتها البلاد؟ أين تذهب أيتها المدينة روحي المعلّقة بكِ كمشنقة؟ ما من طائرٍ لكِ على الشجر. ما من نجمةٍ في المساءات التي صحبتني. وما من روحٍ تسري في هوائكِ المغلق. أسمع نحيبكِ حين أفتح كوّة قمركِ السجين. لا تخاطبيني ولا تحسبي أعداد الشهداء أمامي. ستتخبط القصائد ولا تجد كلمات مناسبة في العزاء. أهرب منكِ لكن كل شيء يدلّ عليكِ. شحوب أحجار البيوت وشجر الطرق، ذبول الشرفات ورسائل المحبّين القديمة. لا منجاة لي أيتها البلاد. يطوّقني أخطبوط صراخكِ بأذرعه الكثيرة، حتى يصير كالكحل في أعين النساء الحزينات يرسم طريق قلبي إليكِ بالسواد.

أفتتح الصباح بوردة حمراء تتكئ على قلبي بأشواكها. وردة من دم أصبغ بها روح الكلمات. قد يشتهي أحد أن يقرأ بلادي بفستانها الأحمر الدامي. شرطيٌّ أو ديناصور أو إله منقرض يشاركني البكاء. صحافي فاشل أو هيئة أمم غافية في مراحيض العدالة. موسم القمح هذا العام خيرٌ على الغربان. وافرٌ من النزيف والدموع والرؤوس المقطوعة. ماذا أقول للأمهات بقلبٍ معطوب لا يحتمل دمعة واحدة؟ لا أريد شيئاً من الملائكة ومؤسسات الإغاثة. أعِرني أيها الأخطبوط قلباً من قلوبكَ الفائضة. أريد أن أبكي بقلبكَ الواسع حتى يستيقظ الأمل على طرق الأطلال والرحيل.

في الليل يرتجف دم الأرواح على الأرصفة. في الصباح تضطرب العصافير في الزقزقة والبكاء. أنادي كل ما فيكِ من روح: تمرّ الطائرات عليكِ وتمضي. تمرّ المجازر مقتلةً تلو مقتلة. تمرّ الطفولة ولا تعثر سوى على أشلاء الأولاد. يمر الله ويغمض عينيه كالعادة. يمرّ القتلة وتحمرّ أوداجهم من النشوة. يمرّ المغنّي بأغانيه. حوصلة طائر مثقوبة بالدم. يمرّ العالم المبصر وفي يده عكّاز الأعمى! وحين لا يستدلّ النشيد عليكِ يا دوما، يغيب عن جسدكِ الرافض إيقاع الحياة ولا يتجذّر دمكِ في الأرض.

يا إلهي ألا ترى؟!

تشعل الطائرات الفولاذ والحديد بأجسادنا. تمشي علينا العربات وتتوسّد صدورنا الأحجار. الأسماك الغريبة والضعيفة تأكل لحومنا المقدسة. أمواجُ بحارٍ بعيدة تؤرجح جثثنا. لا تستسيغنا الملائكة يا الله. لا تشفع لنا الطفولة، ولا تحزن. لم يحزن من أجلنا عاهرة ولا قديس. شفاهنا مزروعةٌ بالصبّار. أصابع الأولاد لا يحتويها قبر ولا كفن. لا حائط يسند عليه الأطفال أعمارهم.

يموتون وأعينهم تبحلق حسرة على البلاد. شهقاتهم الأخيرة تظلّ معلّقةً بالفراغ.

* * *

 

الإصطبلات

الإصطبلات المفتوحة للريح، الأحصنة العرجاء بحدواتها الممسوحة، العجول المخصية تتباهى بما تملك من قرون، القوائم المائلة وانحناءات الظهور المستقيمة، الطرق الرجراجة والسموات غير المعبّدة للزاجل الجريح، قلوب الأطفال المسحوبة من بين الأضلاع، الفرسان الذين بلا خوذ، الثورة التي لا يعرف شاعرٌ أعزل ماذا يفعل من أجلها… أيها الوجع الصريح أحملك َفي ملامحي كي تضيء لي الطريق. أحملكَ قنديل دموع ومشكاة للألم في هذه العتمة المغلوبة على أمرها.

القبور الفارغة لا تنذر بعودة القتلى إلى البيوت. ثمة ما يتهشّم من عظام الموتى ومن قلوب الغرباء في البعيد. ثمة ما يتهشّم من ورد في رحم حديقة مقبرة. أطياف الأفراس المفقودة تحوم في المكان. الإصطبلات لا تحبّ أن تكون خالية من الصهيل. الحوذيّ الحزين لا تشفيه من حزنه الذكريات. أصغي إلى الفرات ينذر العالم بالطوفان.

الإصطبلات سكن حيوان يحزن ويتألّم. الإصطبلات نهب موقّت للمسافات والزمن. الإصطبلات خيالات أقدام تشهد وتتعرّق. فخامة قاتل الأطفال بوتين المبجّل، شاهد الزور المخاتل تاجر الدم أوباما، سارق نوبل السلام وإغفاءة أعين الأطفال، حاشية الأقزام يقطفون زهر الأعمار: علي، بشار، البغدادي، حسن وآخرون…

شاعرٌ أعزل ماذا يستطيع أن يفعل من أجلكِ أيتها البلاد؟!

النهار

النهار

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...