الرئيسية / صفحات سورية / أين هم أصدقاء الشعب السوري؟

أين هم أصدقاء الشعب السوري؟

 

اسطنبول ـ عمر كوش

السؤال الذي يُطرح بعد انتهاء مؤتمر “أصدقاء الشعب السوري” في اسطنبول، هو: أين هم أصدقاء الشعب السوري؟ فالصديق وقت الضيق، كما يقال، وليس هناك شعب في ضيق مثل الشعب السوري، الذي تتعرض غالبيته إلى حرب مدمرة، بدأها النظام السوري منذ قيام الثورة السورية في الخامس عشر من آذار/ مارس 2011، وبات هذا الشعب بحاجة إلى من يقف إلى جانبه لرد العدوان، أو وقفه على الأقل، وتلبية تطلعاته في الحرية والتحرر والكرامة.

وليس هناك من يجرؤ على القول أن ساسة الدول الغربية هم، بالفعل، أصدقاء للشعب السوري، ربما بالإسم فقط. وحتى الإسم تحول إلى يافطة فارغة، وخادعة، حيث لم تقدم غالبية الدول المنضوية في مجموعة “الأصدقاء” ما يرتقي إلى إسمها، ولا إلى الهدف من تشكيل المجموعة. والأدهى من ذلك، هو أن الدول الغربية في المجموعة حولت الثورة السورية، والأزمة السورية الناجمة عن حرب النظام الشاملة، إلى مسألة مساعدات إنسانية، فيما لا يزال ساسة هذه الدول يتعاملون مع الأزمة السورية، بوصفها نزاعاًً بين طرفين، ولا تشكل أولوية في سياستهم الخارجية، لذلك يرددون في كل مؤتمر يعقدونه، الكلام ذاته الذي قالوه في السابق، ويتحدثون عن ضرورة الحل السياسي، وتفضيلهم له، من دون أي مسعى من أجل تحقيقه، بل إن المخاتل في مواقفهم، هو أنهم لم يكفوا عن التذرع بتعقيدات الوضع السوري، مثل عدم وجود البديل المناسب، واختلافات المعارضة وتشرذمها، والخوف على حقوق الأقليات ومصيرها، وامتلاك النظام أسلحة كيمياوية، وبروز تنظيمات متطرفة، وسوى ذلك. وهي تعقيدات لا يعدمها المجتمع السوري، لكنها تحولت إلى اشتراطات، واتخذت ذرائع من أجل ترك الشعب السوري رهينة، يقتل منه النظام ما يشاء.

والمتابع لمؤتمرات “أصدقاء الشعب السوري”، يجد انها تحولت إلى ما يشبه ظاهرة، رسمية موسمية، تطفو إلى السطح، كل شهرين تقريباً، تحت شعور الساسة بالحاجة إلى تظاهرة دولية، يشغلون بها الأوساط المناصرة للشعب السوري، من دون تحقيق نتيجة ترتقي إلى حجم تضحيات الثوار السوريين وحاضنتهم الاجتماعية. وكل مؤتمر يلاقي مصير سابقه، مثلما كان حال المؤتمر الأول، الذي عقد في تونس في 24 شباط / فبراير 2012، وحضره نحو ستين وفداً، تحت قيادة ونجومية وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاي كلينتون، وانتهى بالفشل. وكذلك كان حال المؤتمر الثاني الذي عقد اسطنبول في الثاني من نيسان / إبريل 2012، ثم المؤتمر الثالث، الذي عقد في باريس في6 تموز 2012، الذي عقد كي يسهم في تصنيع نجومية جديدة للرئيس الفرنسي الجديد، فرنسوا هولاند، على حساب سلفه نيكولا ساركوزي. وبعد تشكيل الائتلاف، انعقد المؤتمر الرابع لأصدقاء الشعب السوري بمراكش في 11 كانون الاول / ديسمبر 2012، وحضرته أكثر من مئة دولة، من دون أي قرارات هامة تذكر. ثم جاء مؤتمر روما، الذي انعقد في 28 شباط/ فبراير، ليضيف مجرد رقم جديد لتظاهرة الأصدقاء المزعومين. وأخيراً جاء مؤتمر اسطنبول، الذي حمل الرقم السادس في سلسلة مؤتمرات أصدقاء الشعب السوري، والثاني الذي عقد في هذه المدينة. ومازالت الظاهرة مفتوحة على أرقام جديدة للمؤتمرات.

وشكلت المؤتمرات العديدة، التي عقدت في عدة عواصم ومدن عربية وأجنبية، مناسبات للتجاذبات السياسية، وللتوقعات والتكهنات والمساومات، ولإطلاق الوعود التي لا تجد طريقها نحو التنفيذ. وكانت تخفي على الدوام سعي قادة بعض الدول وساستها للحصول على تنازلات من المعارضة السورية، وإضاعة الوقت واللعب عليه، بما يعني ترك الأمور تأخذ سياقها “الطبيعي”، حسب التوازنات على الأرض السورية، وبالتالي ترك النظام السوري يقتل ما يشاء من الشعب السوري في حربه الشاملة التي بدأها، منذ اليوم الأول للثورة السورية، على الثوار وحاضنتهم الاجتماعية، وخلّفت أكثر من مئة ألف شهيد، فضلاً عن مئات آلاف الجرحى والمشوهين والمعوقين والمعتقلين والمشردين، وأكثر من ستة ملايين لاجئ ونازح، في الخارج والداخل، ودمار هائل في الممتلكات والبنى التحية.

ولم يفترق كثيراً مؤتمر اسطنبول، الذي عقد في 20 نيسان / أبريل الجاري، لمجموعة “أصدقاء الشعب السوري” عن سابقيه، من حيث المقررات والنتائج، بل بدا واضحاً أن الأحد عشر وزيراً الذي اجتمعوا في اسطنبول، كان الهمّ الأساس لمعظهم، هو الحصول على “تنازلات” من المعارضة، ونسوا الحرب الشاملة التي يشنها النظام ضد الثورة وناسها منذ أكثر من سنتين، لذلك لم يتخذوا أي قرار فاعل ضد النظام وحلفائه. وأقصى ما تمخض عن المؤتمر هو التلويح بزيادة المساعدات “غير الفتاكة” للمعارضة، إذا رفض النظام فرصة التفاوض، وإعلان جون كيري عن زيادة قيمة المساعدات الأميركية، لتصل إلى 250 مليون دولار، بعد أن طمأن المجتمعين بأنها “ستتخطى الوجبات الغذائية العسكرية، والأدوات الطبية، لتتضمن أنواعاً أخرى من التجهيزات غير القاتلة”، بما يعني أنها قد تتضمن سترات واقية من الرصاص ومركبات ومناظير ليلية. وهي لن تؤثر بالتأكيد في تغيير موازين القوى.

وفيما أدرك الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية عدم حصول أي تقدم في مجال التسليح النوعي، فإنه لم يجد سوى المطالبة والتشديد على ضرورة “صياغة والتزام تحالف للدول المقتدرة من مجموعة أصدقاء الشعب السوري، لتنفيذ إجراءات محددة وفورية، لتعطيل قدرة الأسد على استخدام الأسلحة الكيماوية والصواريخ البالستية، من خلال ضربات جراحية للمواقع، التي ثبت إطلاق صواريخ منها عن طريق طائرات من دون طيار”. وكرر مطالبته بالعمل “على فرض حظر طيران وحماية الحدود الشمالية والجنوبية لضمان عودة اللاجئين السوريين سالمين”.

بالمقابل، فإن أصدقاء النظام السوري، وإن لم يتمكنوا من تأمين حشد أو إجماع دولي لدعم النظام، إلا أنهم برهنوا على الدوام أنهم أكثر من أصدقاء له. إنهم حلفاء، قدموا للنظام السوري مختلف أنواع الدعم والمساندة، بالرجال والمال والسلاح، بل وراحوا يخوضون معركة الدفاع عن النظام، ويدفعون مليارات الدولارات على حساب لقمة عيش شعوبهم، وراحوا يتحدثون عن كربلاء جديدة، بالتناغم مع ما يردده أزلام النظام السوري، الذين تفتقت أذهانهم عن “كربلاء العصر”، بلغة مخاتلة ومخادعة، توظف كربلاء القديمة، لصالح من يتاجر بدم “الحسين”، وبتجيير أكثر الناس بعداً عن روح كربلاء، وروح الدين.

أما ساسة روسيا الاتحادية فراحوا يتعاملون مع المسألة السورية، وكأنها القضية الأهم والأكثر حساسية بالنسبة إليهم في منطقة الشرق الأوسط، ويؤثرون على مسار تطور الأحداث، وحشد الساسة الروس كل طاقاتهم الدبلوماسية والسياسية في الصراع على سوريا، فاستخدموا الفيتو، مع الصينيين، في مجلس الأمن الدولي ثلاث مرات متتالية، بغية منع صدور أي قرار دولي يدعم التغيير في سوريا، واستمروا في تقديم صفقات السلاح للنظام، وتوفير الدعم اللوجستي والخبرات والخبراء الأمنيين والعسكريين.

وفيما يتلقى النظام السوري كافة أشكال الدعم من طرف حلفائه، فإنه من المؤسف أن الدول الغربية، حولت مؤتمرات أصدقاء الشعب السوري إلى ظاهرة موسمية، مرة يزداد أعضائها، ومرة أخرى يتناقص، فيما يقتل الشعب السوري دون أي نصير أو مساند، ولا يقدم له ما يرتقي إلى مستوى تضحياته وتطلعاته، ليبقى لسان حاله يقول :”يا الله ما لنا غيرك يا الله”.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

61 + = 66

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...