الرئيسية / كتاب الانتفاضة / جولان حاجي / أيّنا القتيل المقبل؟

أيّنا القتيل المقبل؟


جولان حاجي

ابتسامة

أغلقوا الصيدليات والجسور.

سدّوا منافذ المدن ومداخل الساحات،

ثم ناولوه بطرف الحربة عنواناً خاطئاً:

الهاوية أو الجدار.

كان الشارع سريرَه.

حوله مناشف تتدلّى من مقابض الأبواب

لم تمسحْ بعدُ عرقَ أحد.

كانت الكلمة تغادر فمه

فتتدحرج أمامه مقطوعة الرأس.

راقبوه ليروا كيف يكبر حجرٌ زرعوه في جسده

يحفر رصيفاً فيجد نافذةً تلمع تحت البلاط

أو سماء صغيرة لم تثقبها عين.

فما هذه الابتسامة الفادحة؟

ليست رحمةً أُهيلت على أهل الظلّ،

ولا غفران المسدسات في زرقة الليل.

هذه الابتسامة تعبُ الجلاّدين.

¶¶¶

أزيز

إلى مي سكاف

نحن وحيدون، في البدء والمنتهى،

مثل مَن سبقونا.

رأينا الألغاز

الوجوه المتخمة بالمدائح

الأعزل، بلا شفيع وبلا سند،

في عراء النظرات.

رأينا في قبح العمارات بذخ المجرمين

ولم يرحْمنا حذرُنا.

*

الأزيز، أيها الخوف،

يمرّغنا في العنف الذي أنضجنا.

الرصاصة تمزّق الهواء ولا تقتله،

فيلتئم كماء النبع

حيث نرى كم نحن جميلون في الخطر

ونسمع الغرقى يتنفّسون في ساحات الفجر.

الدم حولنا كجرّافات الصمت يضيء الليل

والسحاب فوقنا إدانةٌ للأبدية.

*

اطمئنّ.

ما تسمعه ليس الطلقة.

ما تراه ليس السكّين.

ليس لك في ليل الفوضى

نقودُ الحظّ الوسخة

أو زهو الزناة بالنجاح السهل.

اطمئنّ ولا تلتفتْ.

مسلسلات رديئة توالتْ

ليسطع خوف الوضوح كشيخوخة الثمرة.

لن يختزل أحدٌ ما يتّسع:

أنفاسنا تُبدّدُ أعذار القنّاصين.

¶¶¶

أخاديد

مَن يدري أيّنا القتيل المقبل؟

يعذّبنا الوقت

قبل أن يغفو مثل لعنة الخلود.

الهلوعون لا ينامون

تزمّ جفونهم بروقُ نيسان

ليبصروا الأجنحة داميةً في غبار المنامات:

يعبر الموتى إلى  البداية فنستفيق مرتدين قمصانهم محمولين على زفراتهم.

يترامى البياض كالحزن وتبقى أخاديد

للنجوم وبراءة الحصى وحطام الهالات.

أسير وحدي.

يتقدّمني الشؤم

مكشّراً بعينيه المتبسّمتين في قفار الشوارع.

لم أمتْ.

وبّختني الجدران

فآنستُ مَن ضاعوا ومَن يئسوا.

سُرِقَ صوتي ولم تُسْرَقْ شفتايَ:

دمعةٌ تغرقني

وأخرى تكبر لأطفو إلى نوم الله.

¶¶¶

ما عدتُ صغيراً

استُدعيتُ إلى الجيش خادماً.

قبل أن ألوذ بالقطار، فراراً من مدينتي، آمناً للحظاتٍ فحسب، تخفّيتُ في منزل أختي أياماً طوالاً، أدخّن في المطبخ وحدي، منتظراً مَن يعيلني ويطعمني. لا أجسر على الخروج إلى الشرفة، أتأكّد بين سيجارة وأخرى، من أن كلّ شيء مغلقٌ جيداً: الأبواب، الحنفيات، الهاتف، عقلي…

أمام الحيرة مرّ سحابٌ كثير وقمرٌ ساهم وريحٌ جميلة كالمطر، لكنّ نواح أمّي على الهاتف ظلّ يضعضعني.

مراراً اختلستُ النظر إلى سروةٍ عالية، قريبة لكنها بعيدة عن يدي، وردّدتُ لنفسي كمتوحّد مأخوذ بالدوائر، لا يرفع عينه عن عشبة نبتَتْ بالصدفة في أصيص قرنفل:

“كرات السرو عناقيد من خصى القطط. مجرمون طلقاء وأنا مطارَد!”

كان وجهي في بلور النافذة أُذنَ رجلٍ عجوز، وظلالُ كهولتي تتفرّع في غضون عينيّ.

¶¶¶

ليلةٌ أخرى في الممرّ

لسان الهرّة الخشن يلحس خدّي.

أُسدِل قلنسوة الصوف على حاجبيَّ

وبخار الحساء يتسلّق نظّارتي المهشَّمة.

بالأمس قذفوا إلى الممرّ سريري

ثم صاحوا بي: “نَمِ الآن”،

وفراشي وسخٌ لا يلين

وجفوني مضرَّجةٌ بلهو المنام ذاته.

عبر الممرّ الواسع، المُشرع على الجنوب

رأيتُ قفار الشوارع

وبيتيَ البارد البعيد.

ردّدَ الليل سعالي الدامي

ورفع الصداع عينيَّ الدامعتين

إلى قمرٍ اكتمل بين غصون الصنوبر

ساطعاً ومؤلماً.

سألتُ حذائي،

هل تذكر هذه الأرض:

الشحّاذون يسوّرون النوافذ بأحداقهم

وأوّل المصلّين يعانق آخر السكارى.

¶¶¶

وزنٌ زائد

في عينٍ مغسولة

بعد ظُهرِ الصيف

يُنْشَبُ ظُفرٌ مقصوص

هو هلال الله.

كأنه، حيثما ولجتُ، مهبلٌ،

فمٌ يزبد،

أو قبرٌ ينعسُ في صفحة الرمل،

أو ذاكرةٌ بقيتْ فحسب

لعظام مهرج

وبضعة مفاتيح

وقطرة دم يبستْ.

*

على معدتي شدَدْتُ

في هذه الأرض الكافرة.

خسرْتُ ستة كيلوغرامات في عشرة أيام.

ما انفلقَتْ وجوهٌ مجَصَّصةٌ دقَقْتُها

الحرقةُ في عينيَّ، وفي حلقي،

والحافرُ الذهبيّ يضرب جبيني.

ليس لي

هذه الفخذ المشتهاة في كوّة السيّارة.

كالمعاصر

الشتائمُ تدور على لا شيء.

تفاهاتي جمّةٌ:

أنعس في مطلع المأدبة،

أضحك، في السرّ،

من كلّ ما أرى

وطبعي أن أهربَ

من أقدام الليل البيضاء.

أنا وجهٌ حارّ كالدمعة

ذاهلٌ

على شبابيك السيّارات العابرة.

يا حبُّ،

فمي الممضوغ بأسنانك

بُصِقَ على القارعة دماً.

فأيُّ رغبةٍ بالعيش ستبقى؟

ما من عاصفة أخرى لتهبّ نحوي.

لعابي يسيل من أنياب البحر.

الشمس تقرع بعظامي بابَ القمر.

الغوّاصون يلملمون عيوني من قيعان السموات.

*

لَكَم غمغمتُ، وملء فمي بسمةٌ لا تُفْهَم،

في صبحٍ سيّدهُ العار، مسكني ليس الذرى

فلطالما نمتُ على أسرّة الآخرين

ولطالما تسوّلتُ، في استحياءٍ، زادَهم.

الساعة تدقّ الخامسة فجراً.

سيقت عجولٌ

تتقدّم الدلالين إلى سوق الماشية.

ترمّلت النجوم.

محملقاً بالفراغات، متلصّصاً من الزوايا،

بين غروب الشمس وطلوعها،

فشلي يمحو الله.

¶¶¶

رسالةٌ لم أُتمِمْها

الجدّةُ التي أمرضَها الريف

فجاءت، للمرة الأولى، إلى هنا

استغربتْ أنهار السيارات

في الضجيج الذي أذبل السواعد.

اختلط اشتباك الشوارع واشتباك عروقنا

وأشاحت هي عن كثرة الرؤوس الحاسرات:

“نسوةٌ كالقطط…”

أبهجتْها الأبواق الممنوعة بعد الثامنة مساءً

فاستفسرتْ: “أزفافٌ كلَّ يوم؟”

ومرّتْ مرآةٌ ضخمة

في عربة صغيرة تباطأتْ ولم نر سائقها

نظرنا فيها، ورأينا السماء غبراء محمرَّة الأطراف.

إنه أرَقُ السفّاح المرهَق-

بأنامله الرقيقة،

وحيداً كقفل لا تضجره عزلة الأسلحة-

ما يُبقي العاصمة وضّاءةً هذه الليلة.

ثم جاءَ الصدى قويّاً

وحفر في سور القلعة قبلةً سوداء.

أنينٌ يعضّ الظلمة

استقرّ في فم جرو

صدمتْهُ درّاجة ناريّة

سمّره مصباحها في رقعة حتفه الصغيرة.

بأيِّهم، والحشد لا يطاق، أستنجد؟

كيف أصير مدينة نفسي؟

القتلة مرئيّون أينما جالت عيناي.

عليَّ بالسعي لأعثر على قتلايَ.

سأبدأ بالمرآة.

النهار

تعليق واحد

  1. كيف يصبح الشاعر بوقاً “عصام خليل نموذجاً ”

    مروان خورشيد عبد القادر

    أن يكون لدينا مجلس ” الشعب ” بهذه الوضاعة في سوريا يعني من الطبيعي أن يلحق به مجموعة اتحادات أخرى تدعي أيضاً أنها ممثلة لباقي فئات الشعب، لها نفس مواصفات المجلس الوضيع ” مجموعة لصوص وحرامية باستثناءات خجولة وخجولة جداً “..ومن هذه الاتحادات اتحاد ” الخراف” العرب وأقصد اتحاد الكتاب العرب مع احترامي لكل ” الخراف الوطنية الساكتة”..ولكن أن يكون الشاعر خاروف وغير وطني وفي نفس الوقت بوق يدافع عن ذئاب السلطة فهذه كارثة بكل معانيها على شعرنا السوري وخطر على الشعر بشكل عام.

    عصام خليل “شاعر” سوري وعضو اتحاد إياه العرب بدمشق المنتدب حالياً من الاتحاد إلى الاعلام ليكون بوقاً بمواصفات اقل معدنية وله من ايحاءات برانية توحي بانه الوجه الفهمان للسلطة.

    شاعر انضم إلى باقي الجوقة المعدنية ليزيد على سمعنا نشاذ اكثر في دفاعهم المستميت عن القتلة والشبيحة ..إبتداءاً من الحاج أحمد علي وانتهاءاً بالمحقق المتعاقد مع فرع 275 أمن الدولة الطبل طالب ابراهيم..الذي بقدرة قادر تحول من محقق ( بدبل قاف ) إلى محلل (بدبل لام).

    الشاعر عصام خليل من مواليد طرطوس ، يحمل إجازة في الحقوق (يا سلام) من جامعة دمشق، صدر له عدة دواوين شعرية منها تسابيح لآلهة وديوان الحبّ وأوراق من دفتر الذاكرة و ديوان البياض البعيد..يقول في ديوانه “البياض البعيد” :

    إذا كان لي أن أبوح قليلاً

    سأعلن –في بادئ الحزن

    أني تعبت وأطلب

    مثل جميع الينابيع

    بيتاً من العشب

    ترتاح فيه مياهي..قليلا..

    و يقول الشاعر ” البوق ” في مكان اخر:

    فهيهات الأيام تمضي وأنا وحيد أنتظر

    صديقي الذي خبأته العصافير

    بين الأغاني

    لأنك أقوى من أي حزن إلى القلب

    أحتاج إلى نصف سماء

    لأرسم وجهك

    تحتاج إغماضة.. كي تراني..

    بعد هذين المقطعين اصبحت على يقين بأنك أيها البوق لست إلا موظف حكومي فاسد بوجه شعري وكان الاجدرعليك أن تنصف شعرك عندما تتحدث عن الينابيع والعشب والعصافير،لا ان تخرج على أكثر من قناة اعلامية تدافع عن القتلة والشبيحة وتصف اللاجيئين الهاربين بانهم ارهابيين..كيف يا عصام هل خيالك الشعري وصل لهذا الشطط..ونحن نعلم ان للشاعر ما لغيره لكن ليس هنا وليس في هذا الكابوس..أي طفل صغير بخياله العفوي الجميل يرى عكس ما تراه بان الهاربين هم ابناء الوطن و الارهابين هم من تتحدث عن لسانهم.

    أقول ” إن لم تستح قل ما شئت” ..هكذا انتم لا حياء ولا خجل ..شعراء تكدست دواوينهم في مكتبات الاتحاد مطبوعة على نفقة الفقراء..شعراء أبواق..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

8 + 1 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...