صفحات العالم

أي انتقال للسلطة في سوريا بعد 63 عاماً؟


نقولا ناصيف

بين أيلول وتشرين الثاني انقلب موقف العرب. منذ اندلاع اضطرابات آذار في سوريا، لزموا الصمت مكتفين بحضّ الرئيس بشّار الأسد على الحوار والإصلاح، وميّزوا سوريا عن ليبيا وهم يرفضون تدخّلاً عسكرياً غربياً. تجاهلوا معارضة الداخل والخارج وتمسّكوا بالأسد ونظامه

عندما وضعت الجامعة العربية يدها على الأزمة السورية دخلت على خط مبادرة توقف العنف وتستعجل الإصلاح . تدريجاً ارتفعت نبرة العرب عمّا يجري في سوريا حتى انتهى الأمر بموقف 12 تشرين الثاني: تجميد عضويتها في الجامعة ما لم تطبّق المبادرة، تحت وطأة عقوبات والتفاوض مع المجلس الوطني.

في الساعات القليلة التي سبقت اجتماع وزراء الخارجية العرب، صدر أكثر من نفي لإجراء مشابه لتجميد العضوية طالبت به المعارضة، وشعر المجلس الوطني بيأس حقيقي من خذلان الجامعة له وعدم انتزاعه اعترافاً منها. لكن قرار السبت صدم الجميع. الذي ابتهج والذي غضب. الأبرز فيه إعلان الجامعة رغبتها في التفاوض مع المجلس الوطني على مرحلة تالية تفترض انتقال السلطة من الرئيس بشّار الأسد إلى مَن يُظن أنه سيخلفه رئيساً أو قيادة جماعية .

عجّل مجلس الجامعة في توقعات انهيار النظام، ولم يتأكد ممّن سيرث الرئيس، وكيف يخلفه إذا لم يتنحَّ، وكيف يتم انتقال السلطة؟

ما أضحت عليه الأزمة السورية يشير إلى معطيات منها:

1 ـ تحوّل موقف الجامعة من نظام الأسد عاملاً ضاغطاً على مقاربته الصعوبات السياسية والأمنية التي يتخبّط فيها . لكن ذلك لا يوحي حتماً بتراجعه عن مواجهة التنظيمات المسلحة، ولا تخفيف عنفها وقسوتها لإخمادها. لم يتردّد في ذلك مرة في درعا ولا في جسر الشغور ولا في حماه واللاذقية ودير الزور وحمص وأريافها .

الواضح أن سيطرة الأسد على الوضع الداخلي تعزّز شرعيته التي بات الغرب والعرب ينكرانها عليه، ويقرنها بسعيه إلى الحوار الوطني والتظاهرات الحاشدة الموالية له التي تبتلع تظاهرات المعارضة، كي تظهره المفاوض الأقوى في الداخل، وإن هو يئن من ضغوط الخارج . يقدّم دليلاً تلو آخر على تماسك النظام والإدارة والجيش والإستخبارات والديبلوماسية . ولا تزال العاصمة جزءاً لا يتجزأ من سلطته وشرعيته رغم فوضى دبّت في بعض الأرياف .

2 ـ لا تزال فرص تدخّل عسكري خارجي ضئيلة إلى اليوم على الأقل. يُسقط ذلك أحد احتمالات إطاحة النظام على الطريقتين العراقية والليبية . كذلك تبدو حظوظ إسقاط الرئيس على الطريقة المصرية شبه معدومة نظراً إلى تعذّر الرهان على انقلاب الجيش على الرئيس وإرغامه ـ كالرئيس حسني مبارك ـ على الإعتزال . يختلف الجيش السوري عن الجيش المصري أنه بات، بعد تفكيك الجيش العراقي عندما كان يأتمر بحزب البعث، آخر جيوش العقيدة في العالم العربي. جيش الحزب والرئيس، قبل أن يكون جيش الدولة والنظام. ولأن الحزب يتطابق مع النظام والدولة، بات جيش هؤلاء جميعاً. تمضحل أمامه الفروق الضئيلة بين الحزب والدولة . يشبه بذلك الحرس الوطني السعودي الذي قاده الأمير عبدالله سنوات طويلة قبل أن يصبح ملكاً. ويُعدّ بطبيعته، لتكوينه من قبائل وعشائر، جيش العائلة المالكة ما دامت هي حزب المملكة .

يبرّر مغزى عدم تفكك الجيش السوري وانهياره، وهو يخوض منذ آذار حروباً داخلية متنقلة وعنيفة من محافظة إلى أخرى، وفي أكثر من ريف في وقت واحد . جيش حزب يشرّع الدستور صفته المرجعية على الدولة.

يقترن ذلك بمسألتين :

أولاهما، لا تفصح عنها القيادة العسكرية، هي أن السلاح ما فوق البندقية يقيم حصراً في الطبقة العسكرية الموالية للرئيس والحزب. فسّر ذلك فرار عشرات الجنود والضبّاط من الجيش . لكن أي لواء أو فرقة لم تنشق عنه، ولا احتلت إحدى ثكنه، ولا استولت على دبابات أو على قاعدة جوية، ولا رسمت خطوط تماس على الطريقة اللبنانية عندما انهار الجيش وتفكك.

ثانيتهما، إحاطة الأسد نفسه بضباط كبار يمسكون بقوة بالجيش والأجهزة الأمنية التي لم يمسّها أي اهتزاز أو فرار يضع نظام الأسد في خطر حقيقي هو تفككه من الداخل . فضحت أمثولة الأشهر المنصرمة ـ وهو ما ناقشته القيادة السورية بعدما أفاقت من صدمة ما حدث ـ النظام الأمني الذي لم يعدُ كونه نمراً من ورق عندما يتسرّب كمّ ضخم من السلاح والمسلحين من الحدود الطويلة التي تجمع سوريا بتركيا ولبنان والعراق والأردن. ناهيك بسلاح كان مخبأ في البلاد. المغزى الآخر للأمثولة، تراخي الأجهزة وأوهام قبضتها وصدقيتها.

لم يحل ذلك كله دون أن تصل إلى مسامع القيادة السورية أصداء اهتمام أجهزة استخبارات غربية، وأخصّها فرنسية، بحثت طويلاً في الرهان عن فرص تفكك الجيش السوري كي يتاح إسقاط الأسد من الداخل، وسألت باستمرار عن ضابطين سوريين كبيرين يثيران اهتمامها أكثر من سواهما، من المحيطين بالرئيس السوري، هما نائب رئيس الأركان العماد آصف شوكت و مدير إدارة المخابرات العامة اللواء علي المملوك . ومن دون أن تتوقع الإستخبارات الغربية موقفاً سلبياً يقدمان عليه حيال الأسد، تركزت أسئلتها، أمام زوّار لبنانيين، على قوة النظام من دونهما .

3 ـ تحدّثت الجامعة عن مرحلة انتقالية في بلد لم يعرف انتقالاً طبيعياً وسليماً للسلطة منذ 63 عاماً. على مرّها كان انتقال السلطة يجري بقوة انقلاب عسكري، ثم انقلاب على الإنقلاب حتى آخر انقلاب (1970) مع الرئيس حافظ الأسد عندما انتخب السنة التالية ـ ثمرة لانقلابه ـ رئيساً للجمهورية، وأعاد تجديد انتخابه أربع مرات حتى وفاته (2000). ثم خلفه بشار.

آخر انتقال طبيعي للسلطة كان في 17 آب 1948 ـ ولم يكن انتقالاً إلا من ولاية إلى أخرى ـ عندما جُدّد للرئيس شكري القوتلي من داخل الدستور. بعد أشهر، في آذار 1949 كرّت سبحة الانقلابات العسكرية وبلغت حتى آخرها 10 انقلابات، فلم يُنتخب الرئيس إلا بإرادة قائد الإنقلاب . إما يكون هو كحسني الزعيم (1949) وأديب الشيشكلي (1953) أو يسمي الرئيس كهاشم الأتاسي (1949 و 1954) أو ضابطاً صورياً كفوزي سلو (1951) أو ناظم القدسي (1961) أو القوتلي نفسه (1955) ، وصولاً إلى أمين الحافظ (1963) ونور الدين الأتاسي (1964). مذ ذاك صنعت الإنقلابات الرؤساء .

منذ انهيار الجمهورية الأولى في ظلّ القوتلي، لم يختبر السوريون استعادة الحياة الديموقراطية والدستورية وتداول السلطة التي لم يكن يصنعها إلا الجيش، أو الحزب بقبضة الجيش.

وبحسب عبارة لمسؤول سوري رفيع همس بها أمام بعض زواره اللبنانيين، قبل سنوات، قبل أن يحصل ما يحصل اليوم، فإن النظام في سوريا، في ظل البعث وقبله، لا يتنحى ويذهب إلى بيته كي يتقاعد في سلام . بل يُسقط بالقوة. عندئذ يُدفع رجاله إلى السجن أو إلى القبر .تلك هي عبر عقود حكم الجيش والحزب في سوريا.

الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى