الرئيسية / صفحات الرأي / إدارة التعدد وصناعة الأقليات/ خالد زيادة

إدارة التعدد وصناعة الأقليات/ خالد زيادة

 

 

موضوع التعدد والتنوع والاختلاف رائج اليوم، وخصوصاً عند دُعاة ما بعد الحداثة. منذ ثلاثة عقود أصبحنا نسمع بوتيرة أعلى عن حقوق الأقليات والنساء والمختلفين جنسياً، وأحسب أن هذا التطور في الفكر الغربي انتقل بعضه إلى العوالم غير الغربية، وإن كانت أطراف اليمين السياسي والمؤسسة الدينية، وخصوصاً الكاثوليكية، لا تستسيغه. نحن إذاً إزاء موضوعات خلافية. وكما أن التعدد والتنوع هما مصدرا غنى، فإن الاختلاف في الرأي مصدر غنى بدوره، تدعمه حرية الرأي والممارسة الديمقراطية.

لو نظرنا إلى الأمر من الناحية التاريخية لوجدنا أن الشائع من الأفكار اليوم لم يكن مقبولاً قبل عقد أو عقدين. فكيف إذا عدنا قرنًا أو قرنين أو أكثر إلى الوراء؟! فأفكار العقلانية العائدة إلى القرن السابع عشر مع ديكارت وسبينوزا، ثم مع أفكار التنوير التي عمّت أوروبا، كانت تنشد الوحدة على حساب التنوّع، وحتى شعارات الثورة الفرنسية في الحرية والمساواة والعدالة والمواطنة هي أفكار تنشد الوحدة. وترجع إلى مقولة ديكارت إن العقل واحد عند كل البشر، وبالتالي فإن المساواة بين البشر جميعهم هي نتيجة منطقية تبعاً للمنهج العقلاني. ومع ذلك فإن فكرة الحرية وصلت في تطورها إلى إطلاق كل الحريات والتنويعات، ويمكن القول إن أفكار ما بعد الحداثة، أو ما بعد عصر التنوير، تغلّب الحرية الفردية، وحرية الجماعات ذات الخصوصية الإثنية أو الجنسية على المساواة، بما في ذلك المساواة أمام القانون. وهي في هذا تهمّش مبدأ المواطنة الذي أطلقته الثورة الفرنسية الكبرى.

لا شك في أن الإنسانية تتبدّل وتتطور (مع التحفظ على استخدام كلمة تطور)، ذلك أن أفكار الإنسانيين والعلميين والمؤمنين بالتقدم والاضطراد والنمو والتطور في القرن السادس عشر، لم تعد تحكم التيارات الفكرية الراهنة، بل إن أفكار التدهور والانحطاط والتفكك والتفكيك هي التي تسود في أوساط النخب الثقافية. حتى فكرة الوحدة الأوروبية، وهي فكرة عقلانية وبراغماتية، كانت في الأساس ردًا على حربين عالميتين دمّرتا أوروبا وأضعفتاها، نجد من يخرج عليها اليوم، بل إن الدوائر التي تعترض على مبدأ الوحدة الأوروبية، تتوسّع باسم الحفاظ على الخصوصية القومية.

واقع الأمر أن كل المجتمعات البشرية هي مجتمعات متعددة دينياً وثقافياً وعرقياً. فالمجتمعات الآحادية ذات الانسجام المطلق قد انقرضت أو إنها في طور الانقراض، حسب ما يخبرنا علماء الأنثروبولوجيا. إلاّ أن الأمر المتعلق بالتنوّع والتعدد الديني والثقافي أو الإثني، والتجارب التاريخية طويلة الأمد، يظهر لنا اختلافاً عميقاً بين الشرق الواسع والغرب الأوروبي الضيق جغرافياً في إدارة التعدد: نشدت أوروبا الغربية. الوحدة والانسجام، وكان المعيار الوحيد هو المواطنة الرومانية، الذي يترجم بلغة إمبراطورية هي اللاتينية. وبعد ذلك يمكن أن يكون القيصر إسبانياً أو سورياً من عرقة شمال لبنان. وحين تحولت أوروبا في العصر الوسيط إلى المسيحية، فإن الكاثوليكية أصبحت الهوية الجامعة نقيضًا للإسلام الأندلسي حسب رأي مونتغمري وات1.

وأود أن أتوقف هنا عند التجربة الأندلسية، الفريدة ربما في التاريخ. ففي هذه البيئة كانت الحوارات الدينية بين المسلمين والمسيحيين واليهود تجري بكل حرية ومن دون أية قيود. ويكفي أن أذكر حوار الفقيه والفيلسوف الأندلسي ابن حزم مع ابن النغريلة اليهودي2. وأذكر أن أبرز وأشهر فيلسوف يهودي في العصور الوسطى هو الأندلسي ابن ميمون، صاحب كتاب “دليل الحائرين”3.

وحين انطوت تجربة الإسلام الأندلسي في نهاية القرن الخامس، رفضت المملكة الكاثوليكية أي شكل من أشكال التنوّع الديني، وأقامت محاكم التفتيش، فترك المسلمون واليهود إسبانيا إلى المغرب، وهاجر اليهود إلى أراضي الدولة العثمانية التي كانت في النصف الأول من القرن السادس عشر في أوج ازدهارها.

كانت أوروبا الكاثوليكية أقل تقبلاً للتنوّع، وحين حدث الانشقاق البروتستانتي في مطلع القرن السادس عشر، شهدت أوروبا حروباً دينية استمرت أكثر من مائة عام، لأن الكنيسة الكاثوليكية لم تقبل مبدأ الاختلاف. من المعلوم أن الانشقاق البروتستانتي كان خروجاً على اللغة اللاتينية الواحدة، مثلما كان خروج لغة الأدب عند دانتي الإيطالي ومونتاني الفرنسي وسرفانتس الإسباني وشكسبير الإنكليزي على اللغة اللاتينية. وكذلك كان خروج لغة الفلسفة عند ديكارت الفرنسي على اللاتينية. وهكذا خرجت أوروبا من الإجماع الديني الكاثوليكي، ومن الحروب الدينية التي سببّها الانشقاق البروتستانتي، إلى الولاء القومي اللغوي.

تعود العلمانية إلى تلك الحقبة من القرن السادس عشر الأوروبي، الذي شهد الحروب الدينية وانبثاق اللغات القومية، وتراجع أو غروب اللغة الدينية الجامعة التي هي اللاتينية. وأدى الخروج على لغة الإجماع الديني إلى صياغة قوانين غير دينية، أدّت إلى فصل شؤون الدولة عن الدين. وقد لاحظ أحد أفراد الإدارة العثمانية، ومؤسس أول مطبعة في إستانبول، في رسالة نشرها وطبعها عام 1731، أن “الأحكام الشرعية لا تكون واجبة ولازمة لأحوال النظام في كتب ملل النصارى (المسيحيين في أوروبا) التي يحتجّون بها في اعتقاداتهم وعباداتهم ومعاملاتهم. وحال نظام دولهم مبني على مجموعة قوانين وقواعد عقلية”4. وحين أراد مصطفى كمال (أتاتورك)5، مؤسس تركيا الحديثة، أن يتبنّى العلمانية، فرض كتابة التركية بالحرف اللاتيني، كإجراء يفصل به قوانين الدولة وأدوات التعبير عن العثمانية التي تكتب بالحروف العربية التي هي حروف ولغة القرآن والتراث والدين.

وإذا اتجهنا شرقاً، إلى عالم الإسلام تحديداً، وبدون الدخول في مسائل عقائدية وفكرية، نجد أن عدد المسيحيين في كل من سورية ومصر والعراق كان يتجاوز عدد المسلمين في القرن العاشر الميلادي، أي بعد أكثر من ثلاثة قرون على ظهور الإسلام وإقامة دولته على كل البلاد التي تُسمى اليوم الشرق الأوسط. وإذا أضفنا إلى ذلك الإيزيديين والصابئة والمذاهب الإسلامية المتعددة، فإن عدد السكان المنتسبين إلى مذهب الدولة الحاكمة، كان أقلية نسبية حتى ذلك التاريخ. لكن عدد المسيحيين أخذ يتناقص بشكل ملحوظ خلال الحروب الصليبية التي استمرت قرنين من الزمن وبعدها. ونزعات التشدد لدى بعض المذاهب الإسلامية برزت في تلك الآونة. ومع ذلك فإن زيادة ملحوظة في عدد المسيحيين طرأت بعد السيطرة العثمانية مطلع القرن السادس عشر على البلاد العربية. وحسب عالم السكان يوسف كرباج، فإن هذه الزيادة التصاعدية وصولاً إلى القرن التاسع عشر تُعزى إلى تحسن في أوضاع المسيحيين الصحية والتربوية والاقتصادية والثقافية. ويُعزى ذلك التحسن إلى انخراطهم في النظام السياسي العثماني”6.

أقام العثمانيون نظاماً عُرف بنظام المِلل. ويمكن أن نسميه “نظام الطوائف” الذي أعطى للمسيحيين واليهود حق إدارة شؤونهم الدينية والقضائية والتربوية. وفي سورية ومصر كان كتّاب الإدارة من المسيحيين واليهود أيضاً، الأمر الذي منحهم امتيازات مالية ونفوذاً اجتماعياً. ولا بد أن هذا النظام الموروث عن الدول الإسلامية السابقة يتضمّن نوعاً من التمييز، بما في ذلك الإعفاء من الخدمة العسكرية. وفي عام 1856 أوجبت الإصلاحات التي نصّت على عدم التمييز بين (المواطنين العثمانيين) خدمة المسيحيين في الجيش، مع الحق في دفع بدل مالي للإعفاء من الخدمة. ولكن في عام 1859 ألغي قانون الإعفاء لقاء بدل، وهذا التاريخ يتزامن مع بدء هجرة المسيحيين باتجاه أوروبا وأميركا، من بين أسباب ودوافع أخرى طبعاً.

لا يمكن القول إن النظام الإسلامي – العثماني هو النظام المثالي، فليس من نظامٍ مثالي أصلاً، لكن النظام العثماني لم يقم على أساس إقصاء غير المنتمين إلى دين الدولة ومذهبها. وقد كان للمسيحيين واليهود مكانهم في إدارة الدولة وفي الصناعات وعالم التجارة وتملّك الأرض. كذلك كان لرؤسائهم الدينيين امتيازاتهم واحترامهم في نظام المراسم، وفي مناسباتهم الدينية.

وفي جميع الأحوال فإن الدولة العثمانية التي سيطرت على بلدان شرق أوروبا وحوض الدانوب ووصلت جيوشها إلى أسوار فيينا، لم تفرض الدين الإسلامي على سكان بلغاريا واليونان ورومانيا وغيرها. وعندما زالت السلطة العثمانية تبيّن أن المسلمين أقلية في تلك البلدان، وأقلية غير مرغوب فيها. فبعد استقلال اليونان على سبيل المثال، اعتبر كل مسلم تركياً، وهجّر من بلاده كما هجر الشركس المسلمين بعد استيلاء روسيا على بلاد القوقاز في حروب متتالية من 1859 إلى 1878.

أدت نهاية الحرب العالمية الأولى إلى انهيار ثلاث إمبراطوريات، النمساوية – الهنغارية، والقيصرية الروسية، والدولة العثمانية. تشرذمت الإمبراطورية النمساوية إلى دول قومية، وورث الاتحاد السوفياتي تقاليد القيصرية الروسية وأعاد فرض سيطرته على دول آسيا الوسطى، ولكن تبعاً للأيديولوجية الشيوعية باعتبارها مبدأ الوحدة على حساب الإثنيات والقوميات والأديان. أما الدولة العثمانية، التي سبق أن خسرت جلّ أراضيها في أوروبا الشرقية، فقد انفصل عَربُها عن أتراكها. وانتشرت في أوساط الأتراك النزعة القومية (الطورانية). وبينما انتشرت الدعوة العروبية في سورية والحجاز، اختارت تركيا، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، النظام القومي الجمهوري، وأعلن تطبيق العلمانية، بما في ذلك منع المظاهر الدينية، في دولة كانت السلطنة فيها تمثل رمزياً الخلافة الإسلامية، التي كانت صفة النظام السياسي الإسلامي. وهللت دول أوروبا تأييداً لإجراءات مصطفى كمال، بما في ذلك إعلانه أن الجيش التركي هو الضامن للجمهورية العلمانية.

لكن الذي حدث بعد الحرب العالمية الثانية، أن الولايات المتحدة الأميركية شجعت اتجاهاً إسلامياً في تركيا لمجابهة الاتحاد السوفياتي. وتأسس عام 1946 الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندريس الذي فاز بالانتخابات وحكم لمدة عشر سنوات (1950-1960). وضم تركيا إلى حلف الناتو، ووقف ضد صعود عبد الناصر والقومية العربية. وأصبحت تركيا الجدار العازل ضد الاتحاد السوفياتي، وضد النزعات العربية التحررية. وقد أعاد مندريس بعض المظاهر الإسلامية، وخفف القيود على ممارسة الشعائر الدينية مثل الأذان وتدريس العربية. وكانت هذه الإجراءات تستجيب للأتراك وتقاليدهم الدينية، لكن السياقات تظهر أن الولايات المتحدة كانت تنظر إلى تركيا كبلد مسلم يقف في وجه الشيوعية زمن الحرب الباردة. وكلنا يعرف قصة حلف بغداد الذي ضم تركيا وباكستان والعراق وإيران للغرض نفسه بقيادة المملكة المتحدة. كان الغرب يشجع دولاً بصفتها دولاً إسلامية على الوقوف في وجه الشيوعية والحركات التحررية. ولم يكلّ هذا الدأب في استخدام الإسلام في السياسات الدولية والإقليمية. وبعد حلف بغداد نشأ في الستينيات الحلف الإسلامي، ثم المؤتمر الإسلامي في السبعينيات. وفي نهاية السبعينيات، خلال حرب أفغانستان، احتضنت الولايات المتحدة الأميركية الإسلاميين المتشددين وأوصلتهم إلى حدود باكستان ليخوضوا الحرب ضد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان. أصبحت سياسة استخدام الدين في الأغراض السياسية سافرة من دون أية أقنعة. في الوقت نفسه الذي شُجعت الولايات المتحدة الكاثوليكية لمناهضة الشيوعية في شرق أوروبا.

خلال الحرب العالمية الأولى (1916) قامت في الحجاز ثورة عرفت في ما بعد باسم الثورة العربية الكبرى، شارك فيها عراقيون وسوريون وفلسطينيون ولبنانيون. وقد قامت الثورة بعد وعد بريطاني بإقامة مملكة عربية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. ولكن حدث أن اتفاقاً ما، عُرف باسم “سايكس بيكو”، نصّ على تقاسم النفوذ بين بريطانيا وفرنسا بعد إقامة دول سورية والعراق، على أن تمنح الأكثرية المسيحية آنذاك في لبنان الكبير الأرجحية في إدارة الدولة. في الوقت نفسه أعطى وزير خارجية بريطانيا اللورد بلفور وعداً بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين. وبعد احتلال الفرنسيين سورية قُسّمت هذه إلى دويلات طائفية، لكن الحركة الوطنية السورية استطاعت أن تفرض إعادة توحيد سورية عام 1936.

إذا استعدنا التاريخ القريب، نجد أن بلدان العراق وسورية ولبنان ومصر قد عرفت خلال أربعة عقود بعد الحرب العالمية الأولى صياغة الدساتير وإنشاء الأحزاب وحياة برلمانية. وكان الاتجاه العام للأحزاب والكيانات السياسية ليبرالياً ووطنياً. ولم تكن آنذاك التيارات الإسلامية قوية بالقدر الذي تستطيع به أن توصل نائباً إلى البرلمان في أي من البلدان المذكورة. ولكن بعد تأسيس دولة إسرائيل توالت الانقلابات العسكرية في الخمسينيات والستينيات في سورية ومصر والعراق، وسيطرت قيادات العسكر على البلاد باسم الحزب الواحد، وألغت الأنظمة ذات المنبت العسكري الأحزاب والحياة السياسية. ولعبت هذه الأنظمة على التناقضات المذهبية بديلاً للسياسة. وارتكبت المغامرات العسكرية الفاشلة باسم تحرير فلسطين، وأصبح الولاء للنظام والعصبة الحاكمة بديلاً للولاء للوطن والدولة والقانون، وشُجّعت التحيزات الطائفية والمذهبية فقربت مذاهب وهمشّت أخرى. ويقول برهان غليون: “إن الطائفية هي السوق السوداء، الموازية للسياسة”. ويضيف: “ليست التعددية الدينية (أو الطائفية) هي السبب في إضعاف الدولة القومية أو الوطنية، وإنما غياب الطابع الوطني والقومي الحقيقي لهذه الدولة”7.

كلنا يعرف شيئاً عن الامتيازات الأوروبية في الدولة العثمانية التي كانت تزداد ضعفاً مع مرور الزمن، وتزداد التدخلات الأوروبية في شؤونها. وخلال القرن التاسع عشر حظيت طوائف بحماية دول أوروبية، حتى أصبح من الشائع القول إن الدروز بحماية الإنكليز والموارنة بحماية الفرنسيين والأرثوذكس بحماية روسيا… ربما يكون هذا تاريخاً قديماً تجاوزته الأحداث والتطورات، ولكن ما أعرفه أن أفغانستان كانت ملكية دستورية، لا نسمع كثيراً من أخبارها. وأظن أنها كانت بلداً آمناً حتى الانقلاب العسكري عام 1978 الذي استجلب التدخل الروسي ثم الأميركي ثم دول الجوار. ولم نعد نسمع مذّاك سوى عن البشتون والطاجيك والأذريين والهزارة. والحجج التي نسمع أنها كاذبة أو مختلقة أو واهية كانت سبباً في شن الحرب على العراق لإزالة نظام ديكتاتوري، أدّت إلى صراعات طائفية ومذهبية.

لقد ثار العرب في العديد من البلدان التي حكمها العسكر بأجهزة الأمن، وتستخدم فيها صناديق الاقتراع لغاية واحدة في التجديد للقائد الحاكم. وهي أنظمة استتب لها الأمر وحظيت برضا الشرق والغرب، وتم التغاضي عن ارتكاباتها وانتهاكاتها حقوق الإنسان.

اعتبر عام 2011 بداية النهاية للأنظمة العسكرية التي حكمت ليبيا ومصر واليمن وسورية، فضلاً عن تونس، لعقود متتالية. هذه الثورات هي بداية تغيير حقيقي لكل بلدان العالم العربي الذي تسوده التسلطية على أنواعها. وإذا كانت هذه الثورات قد تعثرت، بشكل صريح، بسبب التدخلات الخارجية، فإنّ التغيير حين يتعلق الأمر بالدول والشعوب لا يحدث بين ليلة وضحاها. إن أحداث الثورة الفرنسية الكبرى استغرقت عقوداً طويلة عرفت خلالها فرنسا أنظمة متعددة حتى استتباب الجمهورية.

إلا أنّ ما يلفت الانتباه أننا منذ اندلاع الثورات لم نعد نسمع من وسائل الإعلام الغربية سوى الأحاديث عن خرائط ودول ستنبت وأخرى ستزول، ويصرح مسؤولون كبار عن تقسيم ليبيا وسورية والعراق واليمن، ولا تستثني الخرائط الافتراضية مصر والمملكة العربية. ولا أظن أن كل هذه التسريبات هي مجرد لهو إعلامي، بل تزيد القناعة بأن الدول العربية مستهدفة بالتقسيم والتفتيت.

لقد عشنا في لبنان حرباً طويلة، اختلط فيها الطائفي بالديني بالإقليمي بالعقائدي. وكثرت آنذاك المشاريع ومخططات التقسيم، لكن لبنان تجاوز هذه المخططات والفرضيات واستطاع، على أقل تقدير، أن يحافظ على وحدته ونظامه الديمقراطي والطائفي.

في زمن الحروب تكثر المخططات والتدخلات، ونحن في هذا الشرق نعيش منذ سبع سنوات جحيم الاقتتال الذي تشارك فيه تحالفات كونية ودول عظمى وقوى إقليمية وطوائف عابرة للحدود. ويحق للمواطن القول إن هذا لا يحدث لمصلحة الشعوب التي ثارت على أنظمتها.

أعود بعد هذه الأمثلة المنتقاة من التجارب التاريخية القديمة والحديثة إلى القول إن التعدد الطائفي والديني والإثني واللغوي ليس بالضرورة ضعفاً أو هشاشةً. فهذه الهند التي تمثل خمس البشرية، والتي يقال إنها أكبر ديمقراطية في العالم، والتي تشهد اليوم نهوضاً اقتصادياً ملحوظاً، تتعايش فيها الأديان ومئات الإثنيات واللغات، ولا يوصف هذا التعدد والتنوّع بالهشاشة والضعف. على العكس من ذلك، فإن بلداً مجاوراً للهند، وهو باكستان، انفصل عن الهند لأسباب دينية بحتة، يعيش أزمات منذ ولادته بسبب تناوب الصراعات بين العسكر والأحزاب الدينية وغير الدينية.

ويمكننا أن نأخذ أمثلة من أوروبا، استطاع السويسريون إقامة نظام يدير التعدد الديني والإثني واللغوي. على عكس بلجيكا المنقسمة لغوياً وعرقياً، التي لم تجد صيغة دائمة لإدارة الثنائية.

من هنا يمكن القول بأن المشكلة ليست في التعدد، وإنما تكمن المشكلة في الأنظمة السياسية التي تُسيء إدارة التعدد، وتستخدم التعدد لأغراض سلطوية.

من جهة أخرى لطالما كان الساحل الشرقي للبحر المتوسط عُرضة للتدخلات الأوروبية، إن بسبب نظام الامتيازات العائد إلى القرن السادس عشر، أو بسبب التدخلات التي كانت ممكنة مع تفاقم ضعف الدولة العثمانية، أو بسبب المخططات الاستعمارية التي نجد ترجمتها على سبيل المثال في اتفاقية “سايكس بيكو” و “وعد بلفور”. هذه التدخلات تعمدت أن تجعل من التعدد الطائفي أو الإثني أزمة دائمة وصناعة مثمرة من أجل تبرير التدخل.

إنّ المقارنة بين الأديان التوحيدية واعتبار منطلقاتها واحدة لأمر يختلف عن السياسات المتعلقة بإدارة التعدد. لقد سبق أن ذكرت أن الكاثوليكية كانت أقل قبولاً تاريخياً بالتعدد، على عكس الإسلام الذي تعايش منذ نشأته مع اليهود والمسيحيين. واليوم، وفي زمننا الراهن، تنتشر الكاثوليكية في كل أصقاع العالم وتتأثر وقد تأثرت بتقاليد الشعوب التي تبنت المعتقد الكاثوليكي، وأظن أن لا شيء يجمع بين كاثوليكي من الفيليبين وكاثوليكي إيطالي، عدا الإيمان العقائدي، إلّا أن التقاليد المتعلقة بالتراث المجتمعي والتعددي ليست نفسها هنا وهناك.

ليست الأديان التوحيدية كيانات قائمة بذاتها، فأتباع هذه الديانات يخضعون لدول لها سياسات متباينة في ما يتعلق بالتعدد الديني. وأعتقد أن المواقف المتعلقة بالأقليات التي تنتهجها بعض الدول تتصل بالمواقف والاعتبارات السياسية وليس الدينية.

في السؤال حول تنظيم العلاقات بين الطوائف، لا أظن أن للطوائف قوانين، ولكن للطوائف معتقدات من حقها التمسك بها حين يتعلق الأمر بممارسة شعائرها، وتطبيق أحوالها الشخصية المتعلقة بالزواج والطلاق، وكذلك أوقافها. وإذا أخذنا لبنان مثالاً في ما يختص بالعلاقات بين الطوائف، فإن القانون يسري على الجميع من الناحية النظرية. فهذا البلد الذي يعترف بتمثيل الطوائف في الإدارة والحكومة والسلطة التشريعية والقضائية، يعتبر كل اللبنانيين خاضعين لسلطة قانون واحد.

هل ثمة إمكانية لتطبيق العلمانية؟ أنطلق من المقدمة التي ترى أن العلمانية سيرورة وليست أيديولوجية، وهي تطبيق عملي يقوم على أساس فصل الدين عن الدولة. وبمعنى أدق عدم تدخل السلطات الدينية في الشؤون المتعلقة في إدارة شؤون الدولة وقوانينها. وفي بلد مثل فرنسا انتزعت الجمهورية كل السلطات القضائية والتربوية من الكنيسة الكاثوليكية، وكانت المدرسة هي الأساس في بناء فكرة الجمهورية الثالثة. إلّا أنّ هذه الصرامة العلمانية الفرنسية ما كان بإمكانها أن تمنع ولاء الكاثوليكي المتدين لكنيسة روما. واليوم فإن اليمين الفرنسي، بما في ذلك اليمين المتطرف، يبدو أكثر كاثوليكية من سائر الفرنسيين، ومع ذلك، وحتى يومنا هذا، فإن جميع الفرنسيين يدينون بالولاء لمبدأ الجمهورية، بمن في ذلك المسلمون الذين حصلوا على الجنسية الفرنسية.

في التجارب العلمانية أو شبه العلمانية التي عرفها الشرق الأوسط والعالم العربي ثمة تجربتان: الأولى التجربة التركية، التي يمكن إرجاعها إلى عام 1839، مع أول تشريع (خط كلخانة)، نصّ على المساواة بين المواطنين من جميع الأديان، ومنذ ذلك الحين بدأت سيرة تحديثية في التعليم والقضاء والإدارة والجيش وصولاً إلى إعلان الدستور لأول مرة عام 1876 (الذي أوقف العمل به بعد أشهر من إعلانه)، ثم هناك نشوء الأحزاب ذات الطبيعة المدنية التي تطالب بإعادة العمل بالدستور، والتي حققت الثورة أو الانقلاب الدستوري عام 1908، عندما تبنت الثورة الشعارات الفرنسية، وخصوصاً في الحرية والمساواة. والواقع أن حزب “الاتحاد والترقي” الذي حكم الدولة العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، كان تبنّى الفكر الوضعي، الأمر الذي مهّد لاحقاً لتبني العلمانية في تركيا. ويمكن القول إن العلمانية التي فرضها مصطفى كمال (أتاتورك)، وإن كانت قد جاءت تحصيلاً لمسيرة طويلة من تحديث الدولة، إلّا أن الإجراءات المتعلقة بالدين تميّزت بالإكراه، من منع المظاهر الدينية كافة إلى منع تعليم العربية ورفع الأذان ونزع الحجاب.

البلد العربي الذي تبنى شكلاً من أشكال العلمانية، كان تونس بعد الاستقلال وإعلان الجمهورية (1957)، إذ اتخذت خطوات على مستوى التعليم، كما حظر القانون تعدد الزوجات، وفرض رفع الحجاب.

وبين التجربتين التركية والتونسية، فإن بلدان العالم العربي (بما في ذلك بلدان الشرق الأوسط)، قد سارت تدريجياً نحو تحديث المجتمع، وإحلال المؤسسات المدنية بدل المؤسسات التقليدية، وتخلّت المرأة عن الحجاب تلقائياً وتراجع حضور الدين في الحياة العامة. إلّا أن كل ذلك لم يمنع من عودة التعبيرات الدينية في كل البلدان، بما في ذلك تركيا وتونس، وذلك لعوامل متعددة. فالتيارات والمنظمات ذات المرجعية الدينية كانت لا تزال محدودة الانتشار في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، وخصوصاً تنظيم الإخوان المسلمين الذي نشأ في مصر. كان هذا التنظيم يدعو إلى تطبيق الشريعة، ورفض المرجعيات والأفكار الغربية. وكانت الدوافع التي ساعدت على انتشار التيارات الإسلامية ذات طبيعة سياسية. فمن جهة استقطبت هذه التنظيمات التي تعددت مع بداية سبعينيات القرن العشرين، المعارضين للأنظمة التي كانت في كل من العراق وسورية ومصر وتونس، أنظمة أحادية تمنع النشاط الحزبي، وتمنع كل أشكال المعارضة، كما استقطبت العديد من المحازبين على قاعدة العداء لأفكار وسياسات الغرب.

إن إخفاق المشروع القومي العربي في الوحدة والحرية والاشتراكية، قد فتح المجال أمام الحركات الإسلامية للقول بأن الإسلام هو الحل، إزاء فشل المشاريع التي تتبنّى التحديث الغربي وأشكالاً من العلمنة.

وبغض النظر عن المملكة العربية السعودية التي تبنت منذ تأسيسها عام 1926 ولا تزال المرجعية الدينية في نظام الحكم (الملكي والعائلي) وفي التشريعات، وفي العادات والحياة اليومية، فإن بلدين مؤثرين وكبيرين، هما إيران وتركيا، قد عادا إلى تبني المرجعيات الدينية. في إيران أطاحت الثورة عام 1979 نظام الشاه العلماني، ليحل مكانه حكم رجال الدين الذين ابتدعوا نظاماً جمهورياً أوليغارشياً، يكون المرجع الأعلى فيه هو المرشد أو ولي الفقيه الذي يرأس سلسلة من المؤسسات ذات الطبيعة الدينية. ومع ذلك فإن السلطات التنفيذية التشريعية يتم اختيارها عبر التصويت (الديمقراطي) الذي يمر بتصفيات المؤسسة الدينية التي تختار من يصلح لأن يكون مرشحاً لرئاسة الجمهورية أو لعضوية المجلس النيابي. أما تركيا فبعد تبني العلمانية الصارمة، فإن التعدد الحزبي أتاح وصول تيارات ذات خلفية إسلامية، إلى رئاسة الحكومة. ومنذ عام 2003، يحكم تركيا حزب العدالة والتنمية، الذي يقضم المؤسسات والتشريعات العلمانية. ومن ذلك تقليص صلاحيات المؤسسة العسكرية التي كانت مولجة بحماية العلمانية، وإعادة التعبيرات الدينية مثل ارتداء الحجاب في الأمكنة العامة، وإطلاق حرية التعليم الديني.

وثمة جدل مستمر منذ مائة سنة بين أنصار العلمانية من جهة وبين خصومها من جهة أخرى. ولا شك في أن التيارات الديمقراطية والليبرالية التي كانت تؤيد فصل الدين عن الدولة، وتحديد صلاحيات المؤسسة الدينية في الشؤون الطقوسية والأحوال الشخصية وجعلها تابعة للسلطة التنفيذية، قد تقلّص نفوذها السياسي والمعنوي لمصلحة أحزاب وتيارات دينية تدعو إلى تطبيق الشريعة وإقامة حكم الإسلام والدعوة إلى نظام الخلافة!

هذا الجدل لن ينتهي في وقت قريب، قبل أن يتراجع تسييس الدين واستخدامه في أغراض ومشاريع لا علاقة للإيمان والعقيدة بها. وقبل أن يتبلور تيار ديمقراطي مدني عابر للفضاء العربي.

يمكنني القول باختصار إن كل المجتمعات والدول هي مجتمعات متعددة دينياً وطائفياً وإثنياً بنسب متفاوتة، وإن هذا التعدد يحتاج إلى مواثيق وإدارة رشيدة وولاء وطني، وألا نسمح بتمرير التدخلات الخارجية التي تمثل مصالح دول ذات نفوذ خبرناها وعرفنا أمثلة عديدة عنها منذ القرن التاسع عشر.

هوامش

1 مونتغمري وات: أثر الحضارة العربية الإسلامية على أوروبا – دمشق 1981 – ص 47.

2 ابن حزم: رسائل ابن حزم (الجزء الثالث) تحقيق إحسان عباس. المؤسسة العربية – بيروت 1981، ص 7-19، نذكر أن إسماعيل بن النغريلة (993-1056م) هو عالم تلمودي ونحوي ولغوي وعسكري يهودي أندلسي، أما ابن حزم (994-1064م) فهو فقيه ومتعلم وأديب من أبرز علماء الإسلام، وهو صاحب المذهب الظاهري.

3 موسى بن ميمون (1135-1204): فيلسوف وعالم ديني يهودي ولد في قرطبة وانتقلت عائلته إلى فاس، ثم فلسطين، واستقر في مصر وأصبح طبيباً للسلطان صلاح الدين الأيوبي، له أيضاً بالعربية “كتاب الشرائع”.

4 إبراهيم متفرقة: إداري عثماني ومؤسس أول مطبعة في إستانبول. له رسالة بعنوان: “أصول الحكم في نظام الأمم”. راجع كتابنا “تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا”، الدار المصرية اللبنانية – القاهرة 2015، ص 60-63.

5 مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938): مؤسس تركيا الحديثة، أعلن النظام الجمهوري بعد إلغاء السلطنة عام 1923. [1]

6Youssef Courbage: Situation démographique compare du Bilad El-Cham aux xvוּוּ et xix siecles PP.31-50، هذا كتاب: العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في بلاد الشام – جامعة البلمند 2004.

7 برهان غليون: “المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات” – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت 2013، ص 9-10.

ضفة ثالثة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...