الرئيسية / صفحات سورية / إذا صمت المثقف

إذا صمت المثقف

    لينا سعيد موللا

    مع بداية الأيام الأولى للثورة السورية، انشغلنا بالبحث عما يجمع السوريين متلمسين طريقنا للتغيير، مستلهمين من تجارب الربيع العربي القريبة، ومحاولين شق طريقنا بما يحقق أهداف حراكنا ويوحد جهودنا .

    فما كان يجمع كل السوريين حالة من القرف المزمن مما آلت إليه حالهم من فقر وانسداد في الأفق، وإحساس بالغربة داخل الوطن، من حالات الفساد المستشرية والمتعنتة، كنا جميعاً مسكونين برغبة مكبوتة في التغيير .

    كنا نحتاج إلى أشخاص مثقفين يقودون معركة التغيير، كنا نطمح بربيع دمشق الثاني، شبيه بربيع براغ، بربيع تونس الخضرا، بربيع القاهرة عروس النيل، وتجمهر ميدان التحرير.

    بدأنا نخاطب أؤلئك المثقفين محفزين لهم، والذين سرعان ما شمروا عن أكمامهم وبدؤا عملهم بكل همة ونشاط، معتبرين أن حراكهم الطليعي هو تتويج للفكر الذي نادوا به، ودفعوا لأجله اثماناً باهظة من حريتهم ومن قوتهم ومصدر رزقهم، وأغلبهم زجوا في سجون النظام لوأد الثورة وضربها في مقتل .

    أذكر أنني خاطبت صديقنا العزيز الدكتور برهان غليون وذلك قبل تشكيل المجلس الوطني، وقبل توليه رئاسته، أستفسر منه سبب صمته، إذ كنا نطالب وبإلحاح أن تتبوأ الأسماء الوطنية ثورتنا، وتقودها بالكلمة والفكر إلى بر الأمان، أجابني يومها معتذراً من ذاته مفسراً، أنه يعاني من انسداد في الأفق، وواضح أنه كان يصطدم منذ ذلك الوقت بصخر قاس من الرجعية الفكرية حتى آثر الصمت . وفي هذا رضوخ !!

    كثير هم المثقفون الذين تقوقعوا على ذاتهم، فلم يطيقوا مشاهد المجازر المتتالية والصمت الدولي، فلم يستثمروا طاقتهم الهائلة في بث الفكر الخلاق المحرك للشارع السوري، لم يسعوا لمخاطبة القاعدة الجماهيرية التي أوصلتهم دون سواها إلى قمة الانتشار والجماهيرية .

    فتركوا المكان فارغاً ليستأثر به أصحاب اللحى والعمائم كأمثال العرعور الذي خرج إلى الجمهور السوري بشكل يومي وحثيث، حتى بات له جمهور عريض ساهم في تقسيم الشعب السوري بين مؤيد للحقوق المطالب بها وبين متهمين إياها بانحرافها عن مسيرتها، بتواطؤ غير خاف من النظام ، لقد نجح العرعور في التحدث عن آلام السوريين وخاطب شجونهم، فاتحاً الثغرة الأولى في تجانس ثورتنا الشعبية .

    فأغلب السوريين ما كانوا يتمنون أن يتحدث أمثال العرعور عن الثورة، وألا يسمها بلونه الديني القرسطوي، فالناس خرجت إلى التغيير، إلى القضاء على الديكتاتورية العائلية، على الجمهورية الوراثية، على الفساد وانعدام القيم، على افقر وإشاعة الجهل، على الجريمة المنظمة التي يقوم بها النظام جهارة في كل يوم وفي كل لحظة ، لكنه بالتأكيد لم يردها جمهورية دينية، يحكمها علماء منتفعون باسم الدين، لا يريدون مشاهدة مدعي الفضيلة وهم يكذبون ويكذبون لأجل دوام سلطتهم تحت أي ثمن (( أخوان مصر ))، وبالتأكيد أن الدين نجح دوماً على وأد الفكر الحر (( المعتزلة وسواها )) وخنق الحريات تحت مسمى إعلاء مشيئة الله، وبات الطابع الديني مهيمنا على الثورة السورية مع أنها لم تكن في يوم كذلك .

    لقد انسحب المثقفون سريعاً من طليعة الثورة، فتركوا المكان فارغاً لقوى هدامة من أمثال النصرة والفكر المتشدد والاقصائي، وكان لهذا ثمن باهظ، فراغ كبير خلقه النظام واستثمره، ولنكن صريحين، أن النظام لم يكن يملك أي أمل في شق الصف السوري، إلا من خلال إرهاب الناس من المتشددين والجهاديين، ومن ثم انطلاقه لترهيب المجتمع الدولي من القاعدة التي سعى إلى إخراج قادتها من سجونه، وإطلاق المساجين بجرائم مشينة ليعيثوا في الوطن فساداً، وليشكلوا عصابات فيصموا ثورة الحقوق والكرامة بطابع رديء بحيث تختلط الأوراق وتخف همة الشارع في تأييد الثورة .

    ويقيني أن النظام السوري كان وعلى الدوام، يخاف الطليعة المثقفة السورية أكثر مما يخاف من تنظيم الأخوان المسلمين زمن قوتهم أواخر سبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي، وعاملهم بقسوة خيالية، وهو اليوم يحاول تقويضهم وحصارهم، لأن تأثيرهم يخيفه .

    المثقفون هم سلاح الثورة الأمضى والأعتى، لكن دورهم غيب تماماً، فهم وحدهم بإمكانهم تحريك دمشق وإنزال أهلها إلى الشارع، وتعرية النظام، وفي سوريا أعداد هائلة من المثقفين القادرين على العطاء، نحن نطلب منهم جميعاً، أن يتركوا الصمت، وأن يخرجوا من شرنقتهم وعزلتهم التي وضعوا فيها أنفسهم، إلى جمهورهم العريض، فالخواء الذي نمر به هو بسبب صمتهم وتخاذلهم، في حين ان التغيير يتم دوماً عبر الطليعة المثقفة والريادية .

    هذا خلل يجب أن يصلح بأسرع وقت ممكن، لأن التاريخ لن يحترم صمتهم، كما لن يحترم تخاذلهم وخوفهم .

    نريدهم معنا

    ليساعدوا في تحريك الناس لما تريده نريد فكراً يمنح قاعدة مطمئنة لنوع التغيير المرتقب، وما زلت مصرة أن الكلمة أكثر تأثيراً من الرصاص، وأكثر إيلاماً .

    قادمون

    لينا موللا

    صوت من اصوات الثورة السورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 10 = 20

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...