الرئيسية / صفحات الثقافة / إسبانيا في الحلم/ ديميتري أنغيليس

إسبانيا في الحلم/ ديميتري أنغيليس

 

 

 

كنت قد استنفدتُ كل محاولة ممكنة للوصول في الوقت المحدّد، لكنني أخفقت في ذلك. دخلت القاعة متأخّراً، وبشقّ الأنفس استطعت العثور على مقعد في الصف الأخير. على أي حال حالفني الحظ، فالكثيرون ظلّوا طيلة اللقاء واقفين، فقد كانت الصالة ممتلئة عن آخرها.

بينما كنت أتابع المحاضر الذي كان يحلّل شعر لوركا، بدأت بخلع معطفي محاولاً عدم لفت الانتباه وإزعاج من حولي، وساعتها فقط انتبهت إلى المرأة التي كانت تجلس بجانبي: عمرها يقارب الخمسين، شعرها مصبوغ باللون الأحمر، وكانت مثلي تماماً تتابع الندوة باهتمام بالغ، وبين الفينة والأخرى كانت تحرّك رأسها بالإيجاب، في إشارة لا تفنّد إلى تأييدها لما يقوله المحاضر.

لكن، في لحظات أخرى حين لم تكن تتّفق فيها بوضوح مع ما يقال من تفسيرات لأبيات لوركا، كان يتعكّر صفو مزاجها وتبدأ مباشرة بتحريك رجليها بعصبية. في واحدة من لحظات التوتر تلك، استدارت نحوي وعلّقت في سخط بصوت مرتفع إلى حد ما: “أيعقل أنه لا يعرف؟”. قمت بحركة لامبالاة بيديّ كما لو كنت أجيبها “وماذا سنفعل له؟” ومنذ تلك اللحظة بالضبط لم تتوقف عن توجيه تعليقات، سواء إيجابية أو سلبية، حول ما يُقال.

في الأخير، أوضحت أنها معجبة بلوركا. وللتصديق على هذا الأمر، فتحت كتاباً كانت تحمله بتفانٍ -أظنه كان ديوان “أغانٍ غجرية”- وأخرجت لي بحذر ورقة رند كانت وسط صفحاته وقالت “أحد أصدقائي أهداني الكتاب”، وواصلت “ورقة الرند أحضرَها من حديقة لوركا”. كانت كلماتها تحمل في طيّاتها انفعالات وبراءة أعجبتني، بالرغم من أنها أزعجتني في البداية بسبب تعليقاتها الكثيرة.

على كل، يبدو أنها استلطفتني منذ تلك الإشارة الودية الأولى. لكنها علاوة على ذلك، حين عرفتْ أنني أُدرِّسُ اللغة الإسبانية، لم يكن بوسعها إخفاء حماسها. أرادت أن أعلّمها الإسبانية بأي وسيلة كانت، وأن نبدأ إن كان ممكناً الدروس بداية من الأسبوع المقبل. في الحقيقة، لم يكن في الوسع السيطرة عليها. قالت لي ساعتها إن أكبر أحلامها هو السفر إلى إسبانيا.

بعد انتهاء الندوة بقينا نتبادل أطراف الحديث لوقت طويل خارج قاعة الجمعية. جاوبتها عن مئة ألف تساؤل متعلّق بالكتاب والوقت الذي يلزمها لتتعلّم كلمات كافية لتستطيع التحدّث بأريحية بالإسبانية وصعوبات اللغة. ضغطت عليّ كثيراً لأقوم بتدريسها، وفي الأخير اتفقنا على اللقاء صباح اليوم التالي.

بعد أن انفرجت أساريرها بفضل الاتفاق الذي توصلنا إليه، كتبت لي على قطعة ورق متسخ عنوانها ورقم هاتفها، ودّعتني واختفت بسرعة في الظلام. توجّهتُ حينها صوب بيتي بأحاسيس متناقضة: من جهة بدا لي إلحاحها على الدروس خانقاً، ومن جهة أخرى بدت لي من دون شك امرأة مهذبة، ولهذا لا يمكن اعتبارها فظة بأي حال. لكنها كانت في عجلة إلى درجة لا توصف…

في الصباح التالي، استقبلتني مسرورة في شقتها وطلبت مني الجلوس عند طاولة المطبخ، هناك كانت قد وضعت فنجاني قهوة وصحناً ممتلئاً بالحلويات وبدأنا مباشرة الدرس. لكن، ما إن بدأتُ بشرح نطق الحروف الأبجدية وأدوات التعريف حتى قاطعتني فجأة بطريقتها المعهودة: “لا، هذه المسائل لا تهمّني”. قالت “ما أريده هو أن أتمكن من التواصل مع البشر حين أسافر إلى إسبانيا هذا الصيف”.

حاولت يائساً أن أشرح لها أن من الضروري أن تتعلّم القواعد الصرفية والنحو أولاً لكي تتمكّن من التواصل مع الناس. لكنها لم تكن تبالي بهذه الحجج.

“لنفترض مثلا أنني وصلت إلى برشلونة”، قاطعتني من جديد باندفاع ومن دون أن تأخذ حججي في الحسبان: “حين أنزل من الطائرة وأرغب بالعثور على حقائبي. ماذا عليّ أن أقول للمسؤول؟”. كان إلحاحها مبالغاً إلى درجة لم يكن في وسعي القيام بشيء غير التنازل. شرحت لها ما سألت عنه.

“وبعدها” -واصلت باندفاع- “حين أستقل سيارة الأجرة. كيف أطلب من السائق أن يأخذني إلى الفندق؟” أجبتها عن هذا أيضا. “وبعدها” -واصلت- “كيف أطلب غرفة لشخص واحد تطل على الشارع مع وجبة إفطار؟”.

كلّ الوقت المتبقي قضيناه على هذا النحو، هي كانت تسأل كيف عليها أن تتصرّف في الشارع وفي المتاجر وفي المطاعم وفي الباصات وأنا كنت أجيب بصلابة. على الأقل، كانت مسرورة.

استمر الدرس في النهاية على المنوال ذاته: “أخبرني كيف هو الصيف” -قالت لي-“أخبرني كيف نفترش الرمال بمحاذاة البحر، أخبرني كما لو كنا نجسد دوراً مسرحيا فوق الخشبة”. لم تكن تصبر إطلاقاً لتخصص خمس دقائق لحالات وأنواع الأسماء الموصوفة أو لتصريف الأفعال.

كنا نضع باستمرار أغنية فلامنكو ونفتح الخريطة ونجول بالإصبع على امتداداتها ونفكر في تنظيم رحلات لعدة أيام صوب أسماء وِجْهات معروفة وأخرى غير معروفة: مدن آبلة ولاكورونيا وميوركة وبيثكايا. كنت أحدثها عن ليالي كاستيا المُسكِرَة وعن نبلاء برشلونة وعن متاحف مدريد المتفرّدة وعن الحدائق الخفية لغرناطة وعن دير الإسكوريال.

خلال ساعات لا حصر لها، حصلنا على غنائم، كمقدَّم صغير لزيارتنا المستقبلية. في الوقت ذاته، كانت تصمت بطريقة غريبة كما لو أنها تلامس أخيراً النعاس، أو كما لو أنها كانت ترى إبيريا، تلك القطعة المشتهاة من العالم، حيّة أمام عينيها وتحاول أن تعيش التجربة بكل جوارحها وتتعلّم كل شيء عنها بسرعة، وفي الوقت نفسه دون أن تشبع كأنها لحظة غرامية عمرها مرور السبابة على مدن وقرى -رعشة عابرة-.

لكن، أكان سكّان تلك الأماكن في الوقت ذاته يحسّون أننا نمر فوق رؤوسهم؟ أكانوا يعرفون الحمّى الخفية التي كانت تحرقنا، وفرحتنا النهمة بالهروب؟ أم أن مرورنا في النهاية لم يكن محسوساً على الأرجح وكل شيء ظلّ على حاله كما في البداية؟ في الحقيقة، لم نكن نعرف.

كنا نخصّص ثلاث حصص في الأسبوع، كانت كل حصة، سهلة بالنسبة إليّ، مكونة من ساعتين، لم أكن بحاجة لتحضير مسبق خاص. علاوة على ذلك، كنت أستمتع كل مرة بهذا السفر المميز الذي كنا نقوم به معا صوب إسبانيا. كان يعجبها رغم أنني لاحظت مرّات كثيرة أن هماً يشغل بالها ويجعل وجهها كئيباً، كما لو أن لهيباً يلتهمها من الداخل.

أحيانا كان في نظرتها شيء جريح، شيء مهزوم بألسنة لهب صغيرة حمراء تنفجر من حولها، شيء لا يقبل التعزية ويصعب الاقتراب منه لم أكن أفهمه بتاتاً. بعد مرور فترة من الزمن، تفطّنت إلى أنها تنسى كلمات وجملاً من البديهي أن تتذكرها بعد المراجعات الكثيرة التي نقوم بها، ولهذا السبب كان من الضروري علينا أن نبدأ من جديد من الأول: “لنفترض أنني أنزل من الطائرة… “.

سمعت أثناء حديث عابر ذات ليلة في اجتماع مع الأصدقاء أنها مصابة بورم في الرأس. حالتها كانت تتدهور كل لحظة، وصلنا شهر ماي وكانت ما تزال تتابع الدروس لكن بشق الأنفس. أصبحت هزيلة، عيناها أصبحتا بطيئتين وحزينتين، الفرح الذي كان بادياً عليها في السابق هجرها تماماً، لم تعد تشبه في شيء السيدة التي تعرّفت عليها منذ سبعة شهور. عند رؤيتها، كان القلب يتمزّق لكن لم أكن أسألها، واصلتُ بطريقة عادية الدروس كما لو أن شيئاً لم يحدث. هي بدورها لم تكن تقول شيئاً.

لكن، ذات يوم من أواخر الشهر تقريباً، كنت قد عدت فيه إلى الانحناء على الخريطة واصفاً لها بحماس للمرّة الألف رحلة إلى قصر الحمراء، عندما رفعت رأسي تجلّت أمامي صورة يأس: رأيتها تنظر إليّ بعينيها الواسعتين والحالمتين والمفتوحتين على آخرهما. دون إرادتي، التزمت الصمت فجأة وبقيت بدوري أنظر إليها. ظللنا على هذا الحال صامتين.

“في نهاية المطاف قد لا أذهب إلى إسبانيا”، قالت لي بعد فترة كما لو أنها كانت تريد في الأخير أن تشرح لي، أن تترجّاني: “لا تستمر فأنت تتحدّث عبثاً. ليس هناك سبب للاستمرار”. لم أعرف بماذا أجيب، لم تكن هناك طريقة لمواساتها. وفوق ذلك كلّه، لم تكن تبكي، لم تحدّثني عن شيء غير الوقائع، كانت تؤكّد فقط شيئاً كنت أعرفه تمام المعرفة منذ فترة طويلة. كان ألمها أعمق.

نظرت إليها وقلت لها أول جملة خطرت على بالي ساعتها بصراحة: “أتعرفين، أنا أيضا لم أذهب بعد إلى إسبانيا”. لم تقل شيئاً لكنني استطعت أن أرى في وجهها علامات الدهشة وعدم التصديق. مع ذلك، بدا لي أنها تمالكت نفسها قليلاً حين شرحت لها في الأخير أن كلّ ما قصصت عليها إلى حد الآن تعلّمته من الكتب، لم أعشه وإنما برفقتها كنت أتخيّله خلال تلك الشهور في رحلاتنا المألوفة.

من جديد ظلّت تراقبني بعينيها الواسعتين كما كان متوقّعاً. “شكراً”، قالت في الأخير. “لماذا تشكرينني؟”. لم يكن هناك شيء آخر نقوله لبعضنا، فخرجت بعد ذلك بقليل.

كانت هذه آخر حصة، توقّفنا بعدها. في الأسبوع التالي، توجّهت صوب بيتها لأطمئن على حالها، وجدت ورقة أُلصقت بالباب الخارجي أعلن فيها خبر وفاتها. بقيت ساكناً لفترة هناك عند الرصيف أقرأ المرة تلو الأخرى اسمها مكتوباً: تحت تلك الكلمات، كان هناك الآن عينان حزينتان وسُحب كثيفة وعظام وصمت.

نظرت صوب الأعلى، إلى شقّتها الصامتة، وبعدها نظرت ناحية العابرين الذين كانوا يمرّون بسرعة. من يستطيع أن يؤكّد أن تلك السيدة الحنون والمندفعة كانت موجودة فعلاً؟ كيف بإمكاني أن أقنع شخصاً ما بأن كلينا أحب إسبانيا الخاصة بها؟ كنت أنظر صوب الأعلى، وهذا الأمر كان يريح. أغمضت عيني متصوّراً إياها ممدّدة على سريرها كأنها شمعة طاهرة، الحديقة تحت نور القمر وإسبانيا المشتهاة كالعادة في خريطتها. رغم أنها أصبحت أبعد الآن…

يومان بعد جنازتها، دخلت وكالة أسفار، ومن دون تردّد اشتريت تذكرة طائرة إلى مدريد. لا أعرف، صراحة، حتى الآن هل اتخذتُ هذا القرار لأجلها، أو لأفي بوعد قطعته مع نفسي عن غير وعي إكراماً لذكراها، أم لأنني كنت في قرارة نفسي خائفاً ألا أصل أنا أيضاً في نهاية المطاف.

* Dimitris Angelis شاعر وكاتب قصة وأستاذ فلسفة وباحث يوناني ولد في العاصمة أثينا سنة 1973.

** ترجمة عن الإسبانية: إبراهيم اليعيشي

العربي الجديد

 

 

 

محاصرٌ مثلي/ زيـاد مـاجد

تروي السينمائية السورية هالة العبد الله في فيلمِها الجديد “محاصرٌ مثلي” جوانبَ من سيرة المثّقف السوري المعارِض فاروق مردم بك المقيم في باريس والممنوع من العودة الى بلدِه منذ العام 1976، تاريخ توقيعه كما العديد من أصدقائه بيانَهم الشهير المُعارض لاجتياح جيش الأسد لبنان.

على أن رواية العبد الله تأتي غالباً على لسان مردم بك نفسه، بتواطؤ جميل بين الكاميرا والسرد، أو بتتبّعٍ لحركةٍ ولحواراتٍ ولعملٍ يشاركُه فيها أصدقاؤه، أو أحبّةٌ يستحضرهم لغيابهم عن باريس أو لرحيلهم المأساوي عن دنيانا.

تبني العبد الله فيلمها حول مائدة فاروق والتحضير المتأنّي لها. مائدةٌ تُظهّر ثقافة الرجل المطبخية، إذ تقدّم لغير عارفيه علاقته بالطبخ وتحوّلها خلال المنفى الى رابطٍ وجداني بدمشق وإلى لحظات لقاءات باريسية حميمة.

ومائدة فاروق بهذا المعنى هي ذكريات شامية وحاضر باريسي، وهي هوىً بالمأكل وحديثٌ عن تاريخه وعمّا تُثيره مكوّناته من ارتباط بأمكنة وأزمنة. وهي بعد ذلك التئامٌ لصحبٍ انتقاهم “الطبّاخ” ليكونوا عرضةً لكاميرا العبد الله ورفقةً في التذوّق والتحاور، وهم في الأصل شركاؤه (وشركاؤها) في المنفى القسري أو الطوعي وفي العلاقة بالشأن السوري وقبله الفلسطيني، وفي عيش “الحصار” الذي اتّخذه الفيلم عنواناً، استيحاءً من قصيدة محمود درويش “في الشام”.

لكن للفيلم بُنية موازية تكمّل التحلّق حول المائدة وأحاديثها، ترافق فيها هالة فاروقاً الى المكتب والقطار والمسرح والقراءات الشعرية والموسيقى، أو تحاوره وتترك له أن يتحدّث عن اكتشافه سوريّته بعد اندلاع الثورة العام 2011، وعن أبرز محطّاته الباريسية، وعن القضية الفلسطينية التي كرّس لها سنوات طويلة من عمله، وعن محمود درويش وعن سمير قصير والجرح الذي خلّفه اغتياله، وعن اليسار والانتماء العربي وعن حبّ فرنسا وثقافتها ولغتها.

هكذا تبني هالة العبد الله فيلمها بما يجعله “ثلاثيّ الأبعاد”: يحتلّ وجه فاروق وما ترسمه شخصيّته وكلماتُه البعد الأول، وتحتلّ سوريا وقضيتها وعلاقة أكثر من جيلٍ بها البعد الثاني، ثم تأتي الصداقات والصِلات الإنسانية والالتزامات السياسية والأخلاقية وفلسطين وفرنسا لتشكّل البعد الثالث. وهكذا يصبح الفيلم تسجيلاً هو بمثابة الشهادة والتحية لشخصٍ ولتجربة بذاتها، وروايةً تمسّ الإنساني لدى أي مشاهد بمعزل عن الجغرافيا ولغة الكلام الأولى.

“محاصرٌ مثلي” سيرة سوريّة (وفلسطينية) باريسية إذن. وجوه سوريّين فيه وابتساماتهم وتطلّعاتهم مرئية ثاقبة بما لا يسمح لسفهاء أو لمحاصِرين أو لإعلاميّي الإثارة باستبدالها بوجوهٍ أُخرى تلائم سرديّاتهم المزوِّرة. جرعة الحنان في الفيلم عالية، تشبه المخرجة وبطلها، وتشبه الرابطة القوية التي تنمو بين أناس تتقاطع مسالكهم وتجمعهم تلك الرغبة العارمة في مقارعة الحصار.

و”محاصرٌ مثلي” هو سيرة لما قبل العودة، أو هو تمسّكٌ بحقّ العودة، تلك التي ستحمل فاروقاً وصحبَه السوريين يوماً ليعبروا “النفق الطويل ويوقدوا شمعةً، وينفضوا الغبار”.

موقع لبنان ناو

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...